.

سؤدد كعدان: الواقع أبشع من أن تحتمله صورة

Foto

مخرجة فيلم «عندما أضعت ظلى» السورية: الحرب انتزعت منى كل شىء.. السوريون استطاعوا أن يعبروا عن أنفسهم سينمائيًّا بعد سنوات من الصمت.. فجأة أصبح علينا أن نبحث عن أمكنة قد تشبه سوريا فى بلاد مجاورة.. النجاح الذى حققته الدورة الأولى من مهرجان الجونة وأصداؤه العالمية دفعانى للتفكير فى منحه حق العرض الأول لفيلمى


ملامحها هادئة وطيبتها تمتزج بالمرارة التى ذاقتها عقب ترك منزلها فى دمشق بعد الحرب فى سوريا والسفر للعيش فى لبنان.. هى ما زالت مقتنعة بالعودة والانتصار على الظلام الذى تسببت فيه الحرب التى تبرزها بشكل جديد ومغاير عن السائد دائمًا فى أفلامها، لتوضح حالة الشجن والمشاعر الإنسانية التى يمر بها أهل سوريا إلى الآن.. إنها المخرجة السورية سؤدد كعدان التى تشارك بفيلمها الجديد «عندما أضعت ظلى» فى الدورة الثانية من مهرجان الجونة السينمائى، وكان لنا معها الحوار التالى..

 

> بداية، ما تفاصيل رحلة 7 سنوات مع «عندما أضعت ظلى»؟
 

- كتابة الفيلم بدأت فى دمشق عام ٢٠١١، وفى أواخر ٢٠١٢ انتهيت منه، وحصلنا على التمويل الأوَّلِى للتصوير، ثم انتقلت إلى بيروت واستمرّت رحلة طويلة من سبع سنوات لإنجازه، وفى لحظة الشتات هذه كانت الرغبة شبه مجنونة لإنجاز فيلم سورى روائى طويل بإنتاج سورى مستقل خارج سوريا مع ممثلين سوريين، وكان تحديًا كبيرًا لإنتاج مستقل أن يجمع الممثلين والفريق المناسب من بلاد مختلفة، لإنجاز الفيلم، ولكن يبدو أن هذا العناد ما هو إلا رفض الاعتراف أن الحرب انتزعت منى كل شىء.

 

> الفيلم شارك فى قسم «آفاق» بمهرجان فينيسيا.. كيف رأيتِ انطباعات الجمهور والنقاد على الفيلم حتى الآن؟
 

- ردود الفعل حتى الآن عن الفيلم رائعة، ضمن الدائرة الضيقة من المبرمجين والنقاد، وأنا فخورة به وبالفريق الذى أنجزه معى، والرهان الأكبر الآن فى أن يؤثر على الجمهور، وأتمنى أن يؤثر نمط الحكاية الجديدة التى تروى عن سوريا فى الجمهور، ويغير من وجهة النظر المعتادة لمعاناة الإنسان السورى فى الحرب.

 

> شهد برنامج مهرجان فينيسيا هذا العام حضورًا عربيًّا كبيرًا سواء على مستوى الأفلام أم على مستوى حضور المهرجان.. كيف ترين ذلك؟
 

- كل فيلم عربى جديد يُعرض فى المهرجانات التى تصنف «A list» هو نصر لكل السينما العربية، فاختيار فيلم عربى هو احتفال بطريقة روى حكاياتنا بشكل مغاير عن السينما العالمية، وإفساح مجال لها وأن توجد وتُغنى السينما العالمية بأسلوب سينمائى يشبهنا.

 

> مشروع فيلمك الجديد «نزوح» حصل على جائزة «باومى» لتطوير نصوص الأفلام من مهرجان برلين.. كيف استقبلت الخبر؟
 

- تعرف أن فيلمك الأول انتهى عندما تبدأ بمشاهدة صور فيلمك المقبل، ولكن أن أحصل الآن على جائزة «باومى» قبل أن ينتهى فيلمى الأول فهذا نافذة أمل جديدة تفتح باتجاه مغامرة سينمائية جديدة.

 

> جسدت المأساة السورية فى أكثر من فيلم، منها «خبز الحصار» و«نزوح» و«سقف دمشق وحكايات الجنة».. هل تجدين صعوبة فى استكمال عملك الفنى بعد الحرب؟
 

- فى اللحظة التى ينتقل فيها السورى من بلده إلى بلد آخر، يخسر الكثير على الصعيدَين الإنسانى والمهنى، وكمخرجة سينمائية همى وموضوعى الأول هو سوريا، لكن كيف نصور فيلمًا عن دمشق من دون أن نكون فى دمشق؟! وهل هنالك مدن أخرى وشوارع تشبهها؟ فجأة علينا أن نبحث عن أمكنة قد تشبه سوريا فى بلاد مجاورة أو بعيدة، ونعيد خلق سوريا أخرى فى مكان تصوير جديد ونخاف أن لا ننجح.

 

> قدّمتِ صورة جديدة عما يحدث فى سوريا بعيدًا عن الصورة النمطية التى شاهدناها.. فما الأمور التى تشغل بالك لتخرجى أعمالك بصورة مغايرة؟
 

- كنت أخرج الأفلام الوثائقية قبل الحرب، ومع المذبحة الأولى شعرت بأننى لا أستطيع أن أخرج فيلمًا من جديد، إذ واجهنى السؤال الأول «كيف أعبر عن الهول والشناعة والحقد فى فيلم، علىَّ أن أكون إلى جانب مَن يتألم لا أمامه، وبالتأكيد ليس خلف كاميرا؟» وهنا تكمن المفارقة، فمع بداية موجة الأفلام الوثائقية السورية الناجحة التى تعبر عن المأساة، شعرت بأنه لا يمكننى أن أخرج فيلمًا وثائقيًّا رغم شعورى بالفخر والاعتزاز بالسينما الوثائقية السورية الجديدة، وبأن السوريين استطاعوا أخيرًا أن يعبروا عن أنفسهم عبر السينما بعد سنوات من الصمت، ولكن لم يمكننى كمخرجة وقتها أن أضع كاميرتى بكل بساطة فى مواجهة الموت والدم، فلكل إنسان طريقته الخاصة فى التعامل مع الألم، وبالنسبة إلى الكاميرا فهى مسافة فكرية عاطفية وجمالية، ولذلك الشعور الوحيد الذى سيطر علىَّ كان بأن أغلق كاميرتى، فالواقع أبشع من أن تحتمله صورة.

 

ووقعت لى صدفة غريبة بعدما عثرت على صور هيروشيما بالأسود والأبيض، وشاهدت كيف يمكن أن تمحى الحرب مدينة بأكملها ولا يبقى منها سوى ظلال الناس المحروقة، وشعرت عندها بأن ما يحدث هو العكس تمامًا فى دمشق، وأنه أكثر ألمًا أن تبقى مستمرًّا تمشى على الأرض وتفقد ظلك نهائيًّا، وعندها استطعت أن أكتب من جديد وأبدأ سيناريو «يوم أضعت ظلى».

 

> ما انطباعك عن مهرجان الجونة السينمائى بعد دورته الأولى؟
 

- كنت سعيدة جدًّا بالنجاح الكبير الذى حققه مهرجان الجونة السينمائى فى دورته الأولى، خصوصًا فى نوعية الأفلام التى عرضها والاحتفال بها، والحضور الجماهيرى، والرغبة فى صناعة سوق للأفلام ودعمها، وكلها إشارات بأن مهرجانًا جديدًا قويًّا قد بدأ فى السينما العربية، والفريق الشاب الذى يدير المهرجان يتميز بمهارات مختلفة سينمائية وخبرات متعددة اكتسبها من مهرجانات مختلفة، والـ«ماستر كلاس» على مستوى عالٍ، وهذا كله ظهر منذ افتتاح المهرجان، ومع الأصداء الاحتفالية للمهرجان من قبَل المخرجين والإعلام، وهو ما دفعنى إلى التفكير فى أن يكون العرض الأول لفيلمى بالمنطقة العربية فى المهرجان، والآن وقد تحقق ذلك، وكلى ترقب لكيف تكون أصداء الفيلم، وأتمنى أن يصل الفيلم إلى الجمهور الأول الذى يتوجه إليه فيلمى وهو الجمهور المحلى والعربى.

 

...

 

بالتعاون مع مجلة «نجمة الجونة».

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات