لكن النبى لم يكن سنيًّا!

Foto

كيف حذر أبو حنيفة من تقليده ومع ذلك قلدناه؟! لماذا ذكر ابن القيم الجوزى ثمانين دليلًا على عدم جواز التقليد؟ متى حرم الإمام ابن حزم تقليد الأئمة تحريمًا قاطعًا؟


كان انتماء النبى فقط لله، وهدفه مرضاته، أما سادتنا وكبراؤنا من العلماء والمشايخ –من عصور الانحطاط وحتى اليوم – فانتماؤهم إما لأنفسهم أو لذواتهم أو لما قرره الأسلاف خوفًا من أن يُتهموا بمخالفتهم والحكم عليهم بالخطأ وعدم التوفيق.


كان النبى لا يخشى فى الحق لومة لائم، أما هم فيجاملون الأشخاص والأفراد على حساب الحجج الواضحة والحق الصراح.. كان النبى يستند إلى نصوص القرآن الصادعة أما هم فيطوفون حول آراء الآباء الجاهزة. وكان النبى أولًا وقبل أى شىء لا يفترض العصمة فى نفسه ويطالب من يناقشه بالحجة والبرهان «قل هاتوا برهانكم» أما هم فيفترضون فى القدماء العصمة والكمال، ويشهرون فى وجه كل وسائل أو باحث أو مجتهد سلاح الكفر والتشهير.


وفى زمن النبى كان الناس يلجؤون إليه فى معرفة أمور دينهم، أو إلى من يوجههم من قِبَلِه كسفراء إلى البلاد الأخرى.. وفى كل الأحوال كان النبى فى ممارساته التعليمية بعيدًا كل البعد عن التعصب والجمود والانغلاق، وهكذا كان النبى فى تعليم أصحابه وتشجيعهم على أن يجتهدوا حين يغيبون عنه وعن نص أمامهم.. وبذلك استطاعوا أن يواجهوا الحياة وما تطرحه من مشكلات بعد وفاته.. والحقيقة أن الاجتهاد هو أفضل السبل للبعد عن طريق التعصب والتمذهب.


وبعد زمن النبى (صلى الله عليه وسلم) والصحابة.. انقسم المسلمون فى زمن التابعين وتابعى التابعين إلى «فرق ومذاهب» كثيرة مثل مذهب سفيان بن عيينة بمكة ومالك بن أنس بالمدينة ومذهب أبى حنيفة وسفيان الثورى بالكوفة والأوزاعى بالشام ومذهب الشافعى والليث بن سعد فى مصر ومذهب إسحاق بن راهوية أستاذ البخارى بنيسابور ومذهب أحمد بن حنبل وأبى ثور ببغداد... وغيرها..


غير أن أكثر تلك المذاهب قد انقرض بين الناس، وظلت آراء أصحابها مدونة فى بطون الكتب عند أهل السنة.. وبقيت تلك المذاهب الأربعة الشهيرة، وهى مذاهب أبى حنيفة ومالك بن أنس والشافعى وابن حنبل.. وصارت هذه المذاهب هى المتبعة والمعتبرة عند أهل السنة فى جميع البلاد والأمصار منذ أن أُغلق باب الاجتهاد وحصر التقليد فيها منذ القرن الرابع الهجرى وإلى عصرنا الحاضر، وكان ذلك بفعل السياسة والخلفاء والسلاطين..


من المؤسف أن تقتل روح الاجتهاد لتسود روح التبعية والتقليد فى الوقت الذى اتفقت فيه آراء أغلب أعلام أهل السنة على عدم جواز تقليد الرجال فى دين الله.. والقراءة فى المصادر تؤكد ذلك وتقويه.. فهذا ابن القيم يورد فى مؤلفه الثمين «إعلام الموقعين عن رب العالمين» ثمانين دليلًا على عدم جواز التقليد فى أحكام الله وعدم جواز الالتزام باتباع واحد من أصحاب المذاهب وغيرهم..


وقد ذكر ابن القيم أن الأئمة الأربعة قد نهوا عن تقليدهم وذمُّوا من أخذ أقوالهم بغير حجة.. فهذا أبو حنيفة يقول: «لا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه»… أما مالك فيقول: «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا فى رأيى فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به ومالم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه»..


وهذه مقولة الشافعى الخالدة: «رأيى صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب».. ومن بعده قال تلميذه أحمد بن حنبل: «لا تقلدنى، لا تقلد مالكًا ولا الشافعى، وتعلم كما تعلمنا».. أما الإمام ابن حزم فقد أكد بلهجة حادة وقاطعة: أن التقليد حرام.. ولا يحل لأحد أن يأخذ قول أحد غير رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بلا برهان لقوله تعالى: «اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ».


وقال أيضًا: «ويكفى فى إبطال التقليد أن القائلين به مُقِرُّون على أنفسهم بالباطل لأن كل طائفة من الحنفية والمالكية والشافعية مُقِرّة بأن التقليد لا يحل وأئمتهم الثلاثة قد نهوا عن تقليدهم، ثم مع ذلك خالفوهم وقلدوهم، وهذا عجب ما مثله عجب، حيث أقروا ببطلان التقليد ثم دانوا لله بالتقليد».. وفى حسم الموضوع نهائيًّا يضيف ابن حزم: «إن العجب ليطول ممن اختار أخذ أقوال إنسان بعينه لم تصحبه من الله عز وجل معجزة ولا ظهرت عليه آية ولا شهد الله له بالعصمة عن الخطأ ولا بالولاية!»..


هل يصح بعد كل هذا الكلام، أن نجد بيننا من يستميت ويستقتل فى الدفاع عن فكرة التمذهب ووجوب تقليد الأئمة فى كل ما قالوا به أو ذهبوا إليه؟!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات