.

«الحصادون».. عقدة بيضاء فى مجتمع أسود

Foto

كيف تتحدَّد هوية الإنسان وانتماؤه، هل عن طريق نشأته فى بيئة معينة فى ظل عادات وتقاليد وممارسات اجتماعية معينة؟ أم بناءً على الشكل الذى يختاره الإنسان لنفسه والمكان الذى يقرر بمحض إرادته أن يعيش فيه؟


كيف تتحدَّد هوية الإنسان وانتماؤه، هل عن طريق نشأته فى بيئة معينة فى ظل عادات وتقاليد وممارسات اجتماعية معينة؟ أم بناءً على الشكل الذى يختاره الإنسان لنفسه والمكان الذى يقرر بمحض إرادته أن يعيش فيه؟ وفى حالة انتقاله من مكان إلى مكان ومن وطن إلى وطن فماذا تعنى قيمة الانتماء بالنسبة إليه؟ كلها أسئلة يطرحها المخرج اليونانى الجنوب إفريقى إيتينى كالوس، فى أول أفلامه الروائية الطويلة «The Harvesters» (الحصادون).

 

تدور أحداث الفيلم فى جنوب إفريقيا، وتحديدًا فى منطقة تعتبر معقلًا منعزلًا لثقافة الأقلية الإفريقية ذات الأصول البيضاء، وهى عبارة عن شعوب أوروبية مختلطة استوطنت جنوب إفريقيا منذ سنوات بعيدة.
فى هذه المقاطعة الزراعية المحافظة تعيش أسرة متدينة، (يانو) هو ابنها الأكبر الذى يعتبره الجميع شابًّا مختلفًا، فهو كتوم وعاطفى ولا يسعى مثل مَن هم فى مثل سنِّه خلف الصخب والقوة وإثبات الذات، إلى أن تنقلب حياته رأسًا على عقب عندما تجلب والدته إلى البيت (بيتر) صبى الشارع اليتيم والقاسى، كى تراعاه، بل وتطلب من (يانو) أن يجعل من هذا الغريب شقيقًا له.


ينشب بين الشقيقَين صراع على الحظوة بالنفوذ داخل الأسرة وبحب الأبوين، ولكن من خلال هذا الصراع الظاهرى تتفجَّر صراعات داخلية فى نفس كل من (يانو) و(بيتر) حول الهوية والانتماء والحب فى ظل وجودهما فى مجتمع منغلق على أفراده فى بيئة تجمع بين العديد من المتناقضات كأنهما أوروبيان فى مجتمع إفريقى، وما الذى يعنيه أن تكون نصف أوروبى ونصف إفريقى فى هذا المجتمع؟


يُركز كالوس على معاناة الشابَّين من خلال وجودهما فى ذلك الشق أو تلك الفجوة ما بين الثقافة الأوروبية والثقافة الإفريقية وما بين الثقافتين من اختلاف، خصوصًا أنه هو نفسه عانى وبشكل شخصى من تلك الفجوة النفسية والحضارية، حيث إنه يعيش تجربة مماثلة، فهو نصف أوروبى ونصف إفريقى، لذلك فقد استطاع أن يعبر عن ذلك الصراع النفسى بكثير من الوضوح حتى على صعيد الحوار بين الشخصيات، سواء بين الشابَّين أو بين (يانو) ووالدته أو بين (بيتر) ووالدته أيضًا، إذ رسم الشخصيتَين وكأنهما شخص واحد منقسم إلى نصفَين متناحرين، هما (يانو) الشاب الحالم الذى لا يشعر بالاستقرار والأمان فى وجوده داخل هذا المجتمع الذى يشعر أنه جامد وليس لعاطفة الحب وجود فيه، و(بيتر) العنيد الذى يقاتل كى يصنع لنفسه مكانًا بين أفراد هذا المجتمع الذين ينظرون إليه نظرة دونية، حتى إن كان سبيله فى تحقيق غايته هو القوة والبطش والتهور.


ومن اللافت استطاعة كالوس التعبير بصريًّا عن هذه الصراعات النفسية الداخلية بشكل مميز من خلال تحريك الممثلين، خصوصًا أوضاع أجسامهم فى حالة السكون داخل الكادر حيث كان يبدو (يانو) دائمًا منعزلًا وحيدًا، فى حين كانت الكاميرا تتابع (بيتر) المنطلق الذى لا يعبأ بمَن حوله حتى إن كان داخل إطار بصرى مؤطر يحده ويحد حركته.


يعتبر فيلم «الحصادون» من أبرز أفلام مهرجان الجونة السينمائي ليوم الجمعة.

...

بالتعاون مع مجلة «نجمة الجونة».
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات