.

عناق ترامب كالدببة يخاطر بسحق إسرائيل

Foto

لماذا أعلن إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية فى واشنطن؟ لماذا السلطة الفلسطينية -بكل مشكلاتها- أفضل بكثير من أى بديل ممكن تصوره؟


 

ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست».

 

تصدَّر مستشار الأمن القومى جون بولتون، العناوين الرئيسية، بهجومه اللاذع على المحكمة الجنائية الدولية. غير أن عنوان «بولتون يهاجم المحكمة الجنائية الدولية» خبر من نوعية «كلب يعض رجلًا» (بمعنى أنه لم يأتِ بجديد). ويكسر بولتون فى المحكمة منذ إنشائها، وتهديداته ضد الدول التى تتعاون فى التحقيقات حول القوات الأمريكية لا تختلف كثيرًا، غير أنه من الناحية الموضوعية كانت قد قننت اعتراضاته عام ٢٠٠٢ فى قانون حماية الأمريكيين فى خدمة القوات المسلحة «ASPA» الذى وصل به الحد إلى السماح بالقوة العسكرية لتحرير أى أمريكى محتجز من قبَل المحكمة.

 

وللأسف، هذا يؤكد ما نعرفه أصلًا من أن إدارة ترامب، التى انسحبت من الشراكة العابرة للمحيط الهادئ «TPP» واتفاق باريس للمناخ واتفاق إيران النووى، قد تخلَّت عن التزام الولايات المتحدة بالقانون الدولى. وتتحول الولايات، التى كانت ذات مرة ركيزة النظام الدولى، إلى دولة مارقة.
 

إن الأمر الذى يترتب عليه عواقب مباشرة أكبر هو أن بولتون أعلن إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية فى واشنطن. وظاهريًّا، جاء هذا ردًّا على «محاولات فلسطينية للدفع بتحقيق من قبَل المحكمة الجنائية الدولية حول إسرائيل». وبذلك، تتخذ إدارة ترامب خطوة عملاقة ابتعادًا عن اتفاقيات أوسلو، والتى أنتجت علاقات دبلوماسية رسمية بين الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية.
 

وهذا ببساطة هو أحدث اعتداءات ترامب على الفلسطينيين. ففى ٣١ أغسطس أوقفت الإدارة تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «UNRWA»، تدير ٦٧٧ مدرسة يتعلم فيها ٥١٥٢٦٠ تلميذًا فلسطينيًّا، و١٤٣ مرفقًا صحيًّا تتلقى ٨.٨ مليون زيارة للعيادات الخارجية سنويًّا، وبرنامج شبكة الأمان الاجتماعى الذى يصرف إعانات غذائية ورواتب نقدية متواضعة لـ٢٩٢ ألف شخص. وكانت الولايات المتحدة أكبر مانحى الوكالة العام الماضى، حيث أسهمت بـ٣٨٦ مليون دولار، مما يشكل أكثر من ربع ميزانية الوكالة.
 

وتلا وقف دعم وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين وقف ٢٠٠ مليون دولار كانت قد وفَّرتها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية «USAID» لمشروعات البنية التحتية -مثل الطرق والمجارى وخطوط الكهرباء- التى توظف الآلاف فى الضفة الغربية. حتى إن هذا الأسبوع، أوقفت الإدارة ٢٥ مليون دولار للمستشفيات فى القدس الغربية التى تقدِّم الرعاية الطبية الأكثر تقدمًا للفلسطينيين فى الضفة الغربية. والتمويل الوحيد الذى لم يلغِه الرئيس ترامب هو ٦٠ مليون دولار لقوات الأمن الفلسطينية.
 

وتلك خطوات أكثر جدوى -وتدميرًا- من نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وهو الأمر الذى أؤيده. وبلا شك، سيستشهد كبار مساعدى ترامب أمثال جارد كوشنر وجاسون جرينبلات -أصحاب الخبرة فى مجال العقارات والجهل الشنيع بالشرق الأوسط- بذلك كدليل على مدى تأييدهم لإسرائيل. ومن ناحية ما، هذا حقيقى، فحكومتا ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو -المرتبطتان عبر مانحين كبار مثل شلدون أدلسون- أقرب من أى حكومتَين، إسرائيلية وأمريكية، سابقتَين فى التاريخ. غير أن عناق ترامب كالدببة يخاطر بسحق إسرائيل.
 

ويخشى المسؤولون الأمنيون الإسرائيليون من أنه إذا لم توفر السلطة الفلسطينية الخدمات الاجتماعية الأساسية للشعب ستملأ «حماس» الأكثر تطرفًا الفراغ. أو ربما لن يملأ أحد الفراغ ويطلق الشباب الفلسطينى، المجرد تمامًا من الأمل والفرص، انتفاضة ثالثة.
 

ويصف اللواء المتقاعد عاموس جلعاد رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلى الأسبق، وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بـ«المنظمة الخسيسة التى ترسخ حق العودة وتشترك فى دعاية مضادة لإسرائيل»، ولكنه يقول أيضًا إن قطع المساعدات عنها «سيؤدى إلى فراغ ستستغله (حماس) لمصلحتها».
 

وغرد المتحدث الأسبق باسم الجيش المقدم المتقاعد بيتر ليرنر، قائلًا: «هناك مشكلات كثيرة مع إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، لكن وقف الدعم المالى للمنظمة يؤذى أضعف أعضاء المجتمع الفلسطينى، ومن غير المرجح أنه سيجلب السلطة الفلسطينية إلى طاولة المفاوضات».


وقال العقيد المتقاعد جريشا ياكوبوفيتش، الذى عمل ذات مرة فى وحدة تشرف على الأراضى الفلسطينية، لمجلة «فورين بوليسى»: «من الواضح لى أن ستكون هناك عاصفة، وأن هذه الخطوات قد تؤدى إلى موجة من الإرهاب».
 

وما يدركه هؤلاء القادة العسكريون هو أن الأمن لا يمكن تحقيقه بالقوات الأمنية وحدها، ربما إلا إذا كنت على استعداد لتحويل البلاد بأكملها إلى دولة بوليسية على غرار كوريا الشمالية، وهو ليس خيارًا لديمقراطية ليبرالية مثل إسرائيل. ولتتجنب الاضطرابات يجب أن توفر وظائف وخدمات أساسية للشعب، ويجب أن تقدم بعض الأمل فى حياة أفضل. وهذا فى الواقع مبدأ محورى فى استراتيجيات مكافحة التمرد التى طبَّقها القادة الأمريكيون فى العراق وأفغانستان. ثم أدركت إيران الشىء نفسه، ولذلك ضخَّت المال فى الخدمات الاجتماعية فى بلاد مثل العراق ولبنان، لتمدد تأثيرها.
 

ترامب وفريقه للشرق الأوسط لا يفهمون ذلك، كما لا يفهمون أن السلطة الفلسطينية، بكل مشكلاتها، أفضل بكثير من أى بديل ممكن تصوره. نعم، إنها فاسدة وغير ديمقراطية. أجل، تشارك فى دعاية مضادة لإسرائيل، ولكنها بعيدة كل البعد عن رعاية الإرهاب ضد إسرائيل، بل إنها تعمل عن قرب مع إسرائيل لسحق الإرهاب.
 

فى مايو، عقب نقل السفارة الأمريكية، هاجم الآلاف من سكان غزة السياج الحدودى الإسرائيلى، الأمر الذى أدَّى إلى ٦٢ حالة وفاة. لم تكن هناك هجمات مماثلة فى الضفة الغربية، لأن السلطة الفلسطينية عملت هناك على منعها. ويفتح ترامب، بإهانته دون مبرر لأكثر الفصائل الفلسطينية وسطية ومنع التمويل عنه، الباب أمام الراديكاليين. تلك هدية «روش هاشناه» (عيد رأس السنة العبرية) يفضل أن لا تتلقاها.
 


 

ماكس بووت
مؤلف ومستشار ومحرر ومحاضر ومؤرخ عسكرى أمريكى الجنسية روسى المولد. زميل دراسات الأمن القومى فى مجلس العلاقات الخارجية. عمل فى التسعينيات ككاتب ومحرر فى «كريستيان ساينس مونيتور»، ثم فى «وول ستريت جورنال».

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات