.

أكذوبة الطريق الثالث.. ووهم تجديد الليبرالية وضرورة الاشتراكية

Foto

كيف حول خطاب الطريق الثالث مسؤولية الفقر إلى الفقراء أنفسهم لا السياسات؟ لماذا كان هذا الطريق سببًا فى الانحياز إلى الشركات على حساب الطبقة العاملة والوسطى فى أمريكا؟


عقب سقوط الاتحاد السوفييتى ونهاية الحرب الباردة راجت فى الأوساط السياسية والأكاديمية الغربية (وتبعتها كالمعتاد النخب فى مصر) مقولة الطريق الثالث كبديل لكل من اليسار الاشتراكى واليمين الرأسمالى يعزز الكفاءة والابتكار والحريات التى يُزعم أنها جوهر الليبرالية بينما يروض ما وصف بالنزعات «المتطرفة» للتاتشرية والريجانية الاقتصادية- الاجتماعية.
شكَّلت أفكار ومقولات عالم الاجتماع البريطانى أنتونى جيدنز، الأساس النظرى للطريق الثالث ولأهم مفردات قاموسه السياسى مثل اللا مركزية والمسؤولية الاجتماعية لرأس المال، والشراكة بين الحكومة ومجتمع الأعمال والمجتمع المدنى، والأمة الكوزموبوليتانية، وهى المفردات التى احتلت المخيلة السياسية وهيمنت على الخطابين الأكاديمى والتنموى لما يزيد على العقدَين فى ظل سيطرة ما يوصف بأحزاب يمين ويسار الوسط على مقاليد الحكم فى الديمقراطيات الغربية. ونجح خطاب الطريق الثالث فى تشويه الكثير من المفاهيم الاشتراكية وتحويل أهم القضايا السياسية- الاجتماعية التى تبناها الاشتراكيون إلى موضوعات فنية، فقضية الاستغلال الطبقى التى تشكِّل جوهر الاشتراكية (وهى فى الأساس قضية سياسية- اجتماعية لا فنية- اقتصادية) تحولت إلى أمر فنى تحت مسمى الفقر، واُستبدل النضال من أجل تحرر المستغلين من براثن مستغليهم بمزيج من الإجراءات الفنية والخيرية التى تهدف إلى تخفيف وطأة الفقر على مَن يعانى منه أو فى أفضل الأحوال انتشال قلة منهم من تحت خط الفقر، مع التأكيد أن الفقراء هم المسؤولون الرئيسيون عن أوضاعهم المزرية لا البنى السياسية-الاجتماعية القائمة والسياسات الطبقية للنخب الحاكمة، والتشديد على أن الخروج من أسر الفقر مسؤولية الفقراء بالأساس وأن دور الحكومات فى هذا المجال دور مساعد. كما تحول فى سياق هذا الخطاب دور الدولة الاقتصادى- الاجتماعى من أداة لتوزيع الدخل وضمانة لسد الاحتياجات الأساسية لجميع طبقات المجتمع (وأيضًا من قوة دافعة ومنظمة للتصنيع فى حال الدول النامية) إلى قيد على الإبداع والمبادرة الفرديين يجب كسره.
مثَّلت الكلينتونية السياسية فى الولايات المتحدة وحزب العمل الجديد فى بريطانيا التعبيرَين البارزَين للطريق الثالث، سواء فى السياسة الدولية أو فى المجال الاجتماعى- الاقتصادى. ولعب بيل كلينتون وتونى بلير لا المحافظون الجدد الدور الرئيسى فى تأسيس نظام دولى ليبرالى جديد أطاح بالكثير من الحقوق السيادية التى اكتسبتها دول العالم الثالث منذ ستينيات القرن الماضى، وشرعن انتهاك سيادتها بحجة نشر الديمقراطية، بل واستباحتها عسكريًّا تحت مسمى التدخل الإنسانى أو بذريعة محاربة الإرهاب، وهو النهج ذاته الذى التزمه باراك أوباما كما يتضح من عدوان إدارته العسكرى الفج على سوريا ومشاركتها فى تدمير ليبيا على الرغم من سابق انتقاده سياسات المحافظين الجدد العدوانية. ويدل ما يكاد أن يكون تطابقًا تامًّا بين الليبراليين الجدد أمثال كلينتون وأوباما والمحافظين الجدد فى استخدام شعارَى الدمقرطة والحرب على الإرهاب، لإسقاط الأنظمة بل وتفكيك الدول الرافضة للانضواء تحت الهيمنة الأمريكية على أن السياسة الخارجية للفريقين -وليس سياسة المحافظين الجدد فقط- ما هى إلا امتداد وتطوير للسياسة الخارجية الريجانية. وفى هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن هيلارى كلينتون فى حملتها الانتخابية الأخيرة كررت أكثر من مرة عبارة شك وتحقق لتحديد موقفها من العلاقات مع إيران، وهذه العبارة تعكس عقلية أكثر تشددًا من موقف رونالد ريجان نفسه فى مفاوضات الحد من التسلح من الاتحاد السوفييتى والذى صاغه فى شعار ثق ولكن تحقَّق.
ولا يعد الطريق الثالث فى الولايات المتحدة امتدادًا أكثر تشددًا من الريجانية لا بديلًا لها فى السياسة الخارجية فحسب، وإنما أيضًا فى الموقف الطبقى المنحاز لصالح ملاك ومديرى الشركات الكبرى على حساب الطبقة العاملة ومعظم شرائح الطبقة الوسطى، وفى هذا السياق تجدر الإشارة على سبيل المثال إلى قيام ديمقراطى كلينتون بإلغاء الضوابط المنظمة لعمل البنوك التى وضعها قانون جلاس- ستيجال، واضعين بذلك مدخرات الطبقتَين الوسطى والعاملة تحت رحمة مضاربات البنوك، وهو ما ظهرت نتائجه الكارثية لحظة الانهيار المالى فى عام 2008. وترافق مع إطلاق جماح الرأسمالية المالية عدم التصدى لسياسة تصدير الوظائف التى تبنتها الرأسمالية الصناعية والخدمية سعيًا إلى مراكمة المزيد من الأرباح، وأدى هذان الأمران إلى زيادة الأعباء الاقتصادية على معظم طبقات المجتمع التى انخفضت بحدة القيمة الحقيقية لدخولها كذلك نصيبها فى الثروة الوطنية فى الوقت الذى ارتفع فيه نصيب الشريحة الأكثر ثراءً فى المجتمع الأمريكى أو مَن بات يطلق عليهم شريحة الـ%1، وتجدر الإشارة إلى أن غالبية الأقليات العرقية تنتمى إلى الفئة الأولى بينما تتكون الفئة الثانية بشكل رئيسى من البيض، وهو ما يكشف زيف ادعاءات الديمقراطيين عن سعيهم لتمكين الأقليات العرقية وسد الفجوات بينهم وبين البيض. فجل ما قام به الديمقراطيون هو دمج بعض الأفراد الملونين أمثال أوباما وسوزان ريس وتوماس بيريز فى نخبتهم (وهو ما قام به أيضًا الجمهوريون -ولكن على نطاق أقل- كما فى حال كولن باول وكوندليزا رايس وألبرتوا جونزاليس) دون أن يعملوا على تغيير البنى الاقتصادية والاجتماعية المنتجة للتفاوتات بين الجماعات العرقية المختلفة، ولكن الخطاب الديمقراطى عن تمكين الأقليات فى حد ذاته كان كافيًا لتنشيط التيار العنصرى الأبيض الضارب بجذوره فى المجتمع الأمريكى ولإقناع غالبية الناخبين البيض فى ظل التدهور الاقتصادى الذى تعانى منه بالتصويت لدونالد ترامب والذى نجح على الرغم من عنصريته فى الحصول على حصة أكبر من المتوقع من أصوات الناخبين الملونين، إما بسبب النقمة على السياسات الاقتصادية للديمقراطيين وإما تبنيًا لخطابه المعاد للمهاجرين، خصوصًا للمسلمين منهم. وفى هذا السياق تعد محاولات الديمقراطيين تبرير هزيمة هيلارى كلينتون بالذكورية السائدة فى المجتمع الأمريكى ليست فقط حقًّا يراد به باطل (حصل ترامب على %53 من أصوات النساء البيض) وإنما أيضًا بمثابة دفن لرؤوسهم فى الرمال، فهم لم يخسروا الانتخابات الرئاسية فقط وإنما أيضًا الانتخابات التشريعية، بعبارة أخرى كان التصويت فى الانتخابات الأمريكية فى نوفمبر الماضى بمثابة تصويت على نهج بأكمله وليس على أشخاص، وهو ما يفسر هزيمة الديمقراطيين المدوية وفشل استراتيجيتهم التى ركزت على النقائص الشخصية لترامب. ولا يعنى التصويت للجمهوريين أنهم نقيض الديمقراطيين، وإنما يدل على تهافت الديمقراطية الليبرالية، ومدى بؤس الخيارات التى تتيحها للناخبين الذين تقتصر قدرتهم على الاختيار بين مرشحين يتبنون تنويعات مختلفة من نفس النهج، والمطالبين دومًا من قبل الإعلام الليبرالى بالتصويت للمرشح الأقل «شرًّا».
لم يصل الطريق الثالث إلى نهايته المحتومة فى الولايات المتحدة فقط، فحزب العمل الجديد فى بريطانيا لقى المصير نفسه، كما عكست نتيجة الاستفتاء على عضوية الاتحاد الأوروبى فى بريطانيا ذات الرفض للسياسات الاقتصادية- الاجتماعية الذى عبَّرت عنه نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة. وأصبح من المعتاد قبل أى انتخابات رئاسية أو برلمانية أو محلية فى الديمقراطيات الليبرالية -خصوصًا فرنسا والنمسا- أن ترتفع الأصوات محذرة من وصول قوى أقصى اليمين إلى السلطة وداعية إلى توحد اليمين و«اليسار» فى وجهها.
وليس أدل على عمق مأزق الحكومات المعبرة عن الطريق الثالث بكل تنوعاته من تصريحات مسؤوليها التى تتهم روسيا بمحاولة التأثير على نتائج الانتخابات بهذه الدول، والاتهامات الموجهة إلى بعض مرشحى أقصى اليمين بالحصول على قروض من البنوك الروسية لتمويل حملاتهم الانتخابية، واتهامات البرلمان الأوروبى لوسائل الإعلام الروسية بتشويه الحقائق سعيًا لتدمير الاتحاد الأوروبى، وهى كلها اتهامات توجهها الأنظمة السلطوية إلى الديمقراطيات الغربية ووسائل إعلامها، ولكن يبدو أن جميع الأنظمة المأزومة تلجأ إلى نفس الخطاب السياسى لصرف الانتباه عن الأسباب الحقيقية لأزماتها.
بعد ربع قرن من الاستغلال الدؤوب لانهيار الاتحاد السوفييتى لتشويه الاشتراكية كبديل ضرورى للرأسمالية لم تنجح الليبرالية فى حل أزمتها الممتدة منذ الحرب العالمية الأولى، بل تجد الليبراليات الغربية نفسها اليوم مهددة جراء سياساتها الطبقية بالسقوط فى براثن ما تصفه باليمين المتطرف. وخلال ربع القرن هذا عانى العالم، خصوصًا وطننا العربى، ليس فقط من غطرسة وهمجية ليبراليى الطريق الثالث فى الغرب، بل أيضًا من تركيز خطابهم السياسى على القضايا الهوياتية لتهميش القضايا الطبقية وإخفاءً لانحيازاتهم الطبقية، وهو ما تبعهم فيه العديد من الليبراليين العرب الذين أسهموا مع حلفائهم من الإسلاميين فى ترويج خطابات سياسية- أكاديمية- مجتمعية منتجة ومفجرة لاحتقانات وأزمات بين المكونات الدينية والمذهبية والقومية المختلفة فى الوطن العربى لم تستفد منها إلا القوى الأكثر رجعية فى بلداننا العربية وجوارها الجغرافى فى تمزيق مجتمعاتنا.
إن الخروج من دائرة الحروب الداخلية الجهنمية التى تعصف بعدد من دولنا والعمل على منع انفجارها فى دول أخرى يتطلب ضمن ما يتطلب إعادة طرح والعمل على حل الكثير من التحديات التى تواجه مجتمعاتنا وجوارها من منظور طبقى عابر لا لاغى للطوائف والمذاهب والقوميات، ولكن مناقض للطائفية والمذهبية والشوفونية، منظور يشدد على المصالح المشتركة بين المستغلين من كل هذه الفئات -الذين يشكلون وقود تلك الحروب- والمتعارضة مع مصالح المركز الرأسمالى وحليفه الكيان الصهيونى وأدواتهما من الرجعيات الإقليمية. دون هكذا منظور فى فهم هذه التحديات وتوجه فى حلها ستظل مجتمعاتنا حبلى بحروب وبمذابح الهوية العدمية المهيأة للتفجير متى كانت حلًّا ولو مؤقتًا لأزمات أى من الإمبريالية أو الصهيونية أو الرجعية العربية أو ضرورة لتوسعها على حساب تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات