.

أسعار الفاكهة.. أكثر من مجرد جشع تجار

Foto

لماذا تلقى الدولة بالكرة فى ملعب المواطن وتطالبه بمقاطعة الفاكهة؟ لماذا قصرَ رئيس سوق العبور أزمة أسعار الفاكهة على جشع التجار؟


دون مقدمات.. أبواق إعلامية أطلقت حملة هزلية وهزيلة لمقاطعة الفاكهة بسبب غلاء أسعارها، وإن كان لى وصف هذه الدعوة بـ«الهزلية» فهى لأنها غير جادة، فالفاكهة ليست مطلب المواطن الأول أو الثانى أو الثالث الآن، كما أن الحملة تُظهر تعاطفًا كاذبًا من طبقة تكاد تكون الأبعد عن الشعب، فللأسف ما تبقى من إعلاميين على الشاشات تفننوا فى مطالبة المواطن بالتقشف والتحمل، وأصروا على تغذية عقله بالمواد التى تفزعه من مصائر دول المنطقة، كما أنهم شاركوا فى الترويج للحكومات المتعاقبة وسياساتها وبرامجها الاقتصادية التى أحنت ظهر المواطن وجعلته يعيش صراعًا من أجل البقاء، ويفتقد القدرة على التفكير فى غده.

 

وإن كانت الحملة الإعلامية «هزيلة» فبمنتهى البساطة لأن كل الأسباب الماضية أفقدت الإعلام قدرته على التأثير، فالمواطن لم يعد يأبَه بالاستماع إلى آراء الإعلاميين، أو الالتزام بنصائحهم، فضلًا عن أن المقاطعة ليست وسيلة لخفض الأسعار؛ لذلك فحملة مقاطعة الفاكهة ببساطة «هزلية وهزيلة» وغير مؤثرة.


«خليها تحمض».. هكذا كان عنوان الحملة التى -للأسف- لم تُسمن أو تغنى من جوع، فعلى سبيل المثال؛ قال مجموعة من تجار الجملة فى تقرير موقع «مصراوى» لاستطلاع ما وصلت إليه الحملة، إن السوق لن تتأثر والأسعار لن تتغير بسبب المقاطعة، وذلك نظرًا لحالة الركود الشديدة التى تعانيها السوق من قبل حملات المقاطعة.

 

وقال يحيى السنى، رئيس شعبة الخضراوات والفاكهة بغرفة القاهرة التجارية، إن سوق الجملة للفاكهة تشهد حالة من الركود التام بعد انتهاء عيد الأضحى، وما زالت مستمرة حتى الآن.
 

يعنى بالبلدى «تلفانة تلفانة».. فأى مقاطعة تلك التى يتحدث عنها الإعلاميون؟! وهل جشع التجار وحده هو سبب الطفرة الكبيرة فى أسعار كل السلع، لا الفاكهة فقط؟ الإيمان بهذا الافتراض هو جشع أكثر قسوةً وغباءً من جشع التجار، فالتشخيص الخاطئ حتمًا سيؤدى إلى علاج خاطئ، وحكوماتنا -للأسف- أدمنت أنصاف الحلول والخطوات الخاطئة، كان آخرها حكومة المهندس شريف إسماعيل وامتدادها الحالى مع حكومة الدكتور مصطفى مدبولى، والحكومتان اتفقتا فى خطوات الإصلاح الاقتصادى، التى لم يشعر المواطن أنها أصلحت أى شىء.


 

خطوات الإصلاح الاقتصادى التى أجبرنا عليها صندوق النقد الدولى، اعتمدت فى الأساس على خفض الدعم، وبالفعل انخفض الدعم على المحروقات بشكل مكثف خلال الأعوام السابقة، وكانت آخر موجة لأسعار الوقود الجديدة فى شهر يونيو الماضى، وسياسة خفض الدعم لابد أن تكون لها تبعيات مؤسفة.
 

خفض الدعم أمر يؤدى إلى زيادة تكلفة الإنتاج، ما يؤدى بدوره إلى زيادة سعر المنتَج، فينعكس بشكل عام على الحياة العامة، فيذهب أصحاب المهن الحرة إلى رفع أسعار الخدمات، بينما يبقى محدود الدخل مقيدًا بسبب ثبات دَخله غير المتلائم مع موجة الغلاء؛ لذلك يتجه التجار إلى خفض الإنتاج ولا يستطيعون خفض الأسعار بسبب زيادة تكاليف الإنتاج الناجمة عن خفض الدعم، فبالتبعية يصبح المعروض أقل من المطلوب فتزداد البطالة، وهكذا نحن ندور فى هذه الدائرة المفرغة منذ قرابة 5 سنوات.
 

ما سبق ليس تحليلًا مُرسلًا أو حديثًا تشاؤميًّا، ولكنه قوانين اقتصادية لا جدال فيها، مثل حاصل جمع «1+1» الذى من المستحيل تمام الاستحالة أن يعطى ناتجًا سوى «2»، فخفض الدعم أمر من شأنه زيادة التكاليف التى تنعكس على هيئة زيادة فى الأسعار، تؤدى إلى حالة من الركود العام مثل التى نشهدها الآن.
 

أى التفاف على القواعد الاقتصادية السابق الإشارة إليها هو محض محاولة لتلميع جهود الحكومة والتغنّى بإنجازات البرنامج الاقتصادى، الذى يوجه الرئيس كل المسؤولين باتباعه والالتزام به. وللأسف، إن محاولات إخفاء الحقيقة صدرت من اللواء محمد شرف، رئيس جهاز سوق العبور، الذى قال فى تصريحات تليفزيونية إن أسعار الجملة فى السوق جيدة، ولا توجد أى مشكلات، مشيرًا إلى أن رفع أسعار الوقود لم يؤثر فى أسعار الخضراوات والفاكهة بشكل كبير، ولكن التجار هم مَن يرفعون الأسعار حسب أهوائهم، مستشهدًا بأن «السيارة حمولة 1500 كيلو زاد استهلاكها للوقود بمقدار 100 جنيه، وعندما نوزع الزيادة على حمولة العربية سنجد أن الزيادة تكون نحو سبعة قروش فقط»! هكذا كان رأى اللواء رئيس السوق، ولكنه فى الواقع تجاهل العديد من العوامل المؤثرة؛ مثل أسعار الأسمدة، وأجرة العمال فى الزراعة والحصاد، والماكينات والجرارات التى يستخدمها المزارعون، ومناخ الحياة بشكل عام الذى طغى عليه الغلاء، فهل يُعقل اختزال الأزمة فى جشع التجار؟!


 

وإذا كانت حقًّا الأزمة تكمن فى جشع التجار، فأين الدولة من ذلك؟! ألم تجد الدولة حلًّا سوى أن تلقى بالأزمة للمواطنين وتطالبهم بالتصدى لهذا الجشع وإشهار سلاح المقاطعة؟! مثلما سبق وطالبتهم بالتقشف وتحمُّل الفواتير والرسوم وموجة الغلاء.
 

الأزمة ليست مستجدة، ولك، عزيزى القارئ، أن تقارن سعر أى فاكهة الآن بنظيره منذ 3 أعوام فقط، ستجد الطفرة هائلة ومرعبة، فبعض الأصناف زاد سعرها بمقدار أربعة أضعاف، فهل جشع التجار أيضًا هو السبب فى هذه الطفرة السعرية؟!
 

للأسف، الدولة لا تؤمن بالشفافية، وتصارح المواطن فقط بضرورة التحمل، ولكنها لا تشرح له: كيف يتحمل؟ لماذا يتحمل؟ إلى متى سيظل متحاملًا على نفسه؟ ما الإجراءات التى تتبعها الدولة حتى تعوّض المواطن عن هذا التحمل والتحامل؟ ثم إن محافظ البنك المركزى والمسؤولين الحكوميين جميعهم يشتركون فى الإشادة بنتائج الإصلاح الاقتصادى رغم أن المواطن لم يشعر بشىء من الرخاء، أو اختلاف فى جودة الخدمات المُقدمة إليه.


 

وحتى الإنجازات التى تريد الدولة تصديرها للمواطن؛ مثل الطرق أو مشروعات الإسكان المتوسط، فهى أيضًا ليست مجانية أو بأسعار معقولة كما قبل، هذه المشروعات ليست مستحدثة، ولكن المستحدث حقًّا محطات الرسوم الموجودة على كل الطرق الجديدة، والقيمة المادية المبالغ فيها لأسعار وحدات الإسكان؛ وذلك لأن الدولة انصب اهتمامها على التنمية غير المستدامة وسوق العقارات فقط لا غير، فكان من الطبيعى أن تشهد سوق الغذاء والفاكهة أزمة مثل التى تشهدها اليوم.

 


5 سنوات شهدنا خلالها خفضًا للدعم، ثم زيادة فى الأسعار، وارتفاعًا فى معدلات البطالة، وبقى المواطن الطبيعى يتعرض للضغوط من كل مناحى الحياة، حتى أصبحت مقاطعة السلع والرفاهيات أمرًا واقعًا مفروضًا عليه، لا رفاهية أو تعبيرًا عن الغضب أو أداة لمواجهة جشع التجار.


 

وبتقييم التجربة ككل نجد أنه على مستوى الاقتصاد الكلى تمت السيطرة على السوق الموازية، والاستثمارات الأجنبية تتدفق، لكن -للأسف- فى صورة قروض، وعجز الموازنة تتم السيطرة عليه، وصندوق النقد يجدد ثقته بالاقتصاد مع صرف كل شريحة، بينما الأثر الاجتماعى وصل إلى مرحلة فادحة، فالطبقة المتوسطة أخذت فى التلاشى تدريجيًّا، وتقريبًا هى وحدها مَن دفعت ضريبة الإصلاح القاسية.
 

وعلى مستوى الأفراد والشركات، فالوضع مختلف، إذ إن التضخم الرهيب أدى إلى تآكل القوة الشرائية للعائلات، بينما لم ينتعش الاقتصاد ولم تزِد الرواتب وفرص العمل بشكل يعوض تلك الارتفاعات.

 

ولعل تآكل القوة الشرائية الذى تزامن مع ارتفاع الفائدة كان له أثر سلبى فى الشركات، بالإضافة إلى تأثر بعضها بالتعويم وما تبعه من خسائر، ما أدى إلى تراجع معدلات النمو والأرباح فى تلك الشركات.
 

الفجوة بين مؤشرات الاقتصاد الكلى وأداء الاقتصاد الحقيقى على مستوى الأفراد والشركات ليست جديدة على برامج الإصلاح الاقتصادى، وهنا يأتى دور السياسات القطاعية الوسيطة لسد الفجوة بين التوجهات الكلية والاقتصاد الحقيقى الذى يلمسه الناس، إذ تعمل تلك السياسات على تحفيز قطاعات لمصر فيها ميزة تنافسية، سواء فى مجال تصدير السلع أو الخدمات لإحداث نمو مستدام يستطيع توفير عملة صعبة بشكل دائم، وليس اعتمادًا على الاقتراض الخارجى.
 

الخلاصة أنه بعد قرض صندوق النقد، تم القضاء على السوق الموازية وبدأ الميزان التجارى وعجز الموازنة فى التحسن، لكن ذلك جاء على حساب تضخم غير مسبوق ونمو متواضع مصحوب بمعدلات اقتراض خيالية، ويمكن القول إن الاقتصاد يقف على مفترق طرق، فالعام القادم سيمر بهدوء إلى حد كبير بإجراءات قليلة وتضخم أقل، وربما نمو أفضل من العام الحالى، لكن بعد ذلك سيكون علينا تسديد الكثير من الديون الخارجية، التى من دون نمو فعال ومصادر مستدامة للعملة الصعبة، فإن الاقتصاد سيكون فى مأزق كبير.


 

فى النهاية، الأزمة اقتصادية وأشمل من غلاء أسعار الفاكهة، وعلى الحكومة عدم التسفيه من الأزمة، وعلى الإعلاميين عدم إلقاء الكرة فى ملعب المواطن ومطالبته بتحمل آثار الإصلاح وحده والاتجاه للمقاطعة، فللأسف، المقاطعة أصبحت أمرًا واقعًا مؤسفًا، وليست وسيلة لمواجهة هذه الموجة العنيفة من الغلاء والتخبط.

هامش
خليها تحمض
دعا مواطنون وإعلاميون عبر مواقع التواصل الاجتماعى إلى مقاطعة شراء الفاكهة، فى الفترة من 1 إلى 7 سبتمبر؛ لإجبار التجار على خفض سعرها بعد تراكمها لديهم، ولاقت هذه الدعوة قبولًا من الآلاف عبر فيسبوك وتويتر، وتم تجديد الدعوة بعد عدم تحرك الأسعار بالشكل المرجو.



 

أسعار الوقود الجديدة
أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية أن مجلس الوزراء أقر زيادة أسعار المنتجات البترولية فى 16 يونيو الماضى، وأصبح بنزين 95.. 7.75 جنيه للتر، بنزين 92.. 6.75 جنيه للتر، بنزين 80.. 5.50 جنيه للتر، والسولار 5.50 جنيه للتر.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات