.

غسـيل كلـوى ديـرب نـجم.. خلل إدارى وعشوائية

Foto

كيف جاء اهتمام رئيس الوزراء مصطفى مدبولى بكارثة مستشفى ديرب نجم سريعًا وإنسانيًّا؟ ما الأسباب المبدئية لكارثة تسمم ووفاة بعض المترددين على وحدة الغسيل الكلوى بمستشفى ديرب نجم المركزى؟


استمرارًا لمسلسل الكوارث والمخالفات التى يشهدها القطاع الطبى والصحى فى مصر، منذ عقود، شهد مركز ومدينة ديرب نجم بمحافظة الشرقية، كارثة بالمستشفى المركزى الوحيد التابع للمركز، الذى يضم 45 قرية و172 عزبة وكفرًا (توابع)، تلتئمها سبع وحدات محلية، بالإضافة إلى المدينة وتوابعها، إذْ تُوفّى 3 أشخاص (رجلان وامرأة)، بسبب تلوث وحدة الغسيل الكلوى بمستشفى ديرب نجم، فى أثناء خضوعهم لجلسة غسيل كلوى، صباح يوم السبت الماضى، بينما بلغ عدد المصابين بحالات تسمم 12 شخصًا، نُقل 6 منهم فى حالة حرجة إلى العناية المركزة بمستشفى جامعة الزقازيق، بينما تُوزّع الآخرون على بعض المستشفيات الخاصة والتعليمية داخل المحافظة، لتنقلب الدنيا رأسًا على عقب فى تلك المدينة الصغيرة الهادئة، التى تقع فى الطرف الغربى لمحافظة الشرقية، ويُصدِر النائب العام المستشار نبيل صادق، قرارًا بتكليف فريق من النيابة العامة بتولِّى التحقيق والانتقال إلى موقع الحادث، برئاسة المحامى العام لنيابة جنوب الزقازيق الكلية، إلى مستشفى ديرب نجم المركزى، لإجراء المعاينة اللازمة لوحدة الغسيل الكلوى، والتحفظ على الأجهزة والأدوات المستخدمة فى عمليات الغسيل الكلوى، وسؤال المصابين وإجراء المناظرة للمتوفين، وندب الطب الشرعى لتشريح الجثامين، لبيان سبب الوفاة، وسؤال المختصين بالمستشفى محلّ الكارثة!

 

فى الحق، إن اهتمام رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى، شخصيًّا، بتلك الكارثة، يُعدّ أمرًا رائعًا وإنسانيًّا قبل أن يكون وظيفيًّا، فقد وجَّه مدبولى وزيرة الصحة هالة زايد، بسرعة التوجه إلى مستشفى ديرب نجم، لمتابعة الأزمة، وإجراء تحقيق عاجل فى ملابسات الحادث، ومراجعة أعمال الغسيل الكلوى للمرضى فى المستشفى، مع اتخاذ إجراءات صارمة فى حالة وجود إهمال أو تقصير، أو إثبات أية مخالفة، كما شدَّد مدبولى، فى بيان صادر عن مجلس الوزراء، على أنه لن يتم التسامح فى هذا الملف، مؤكدًا أن حكومته ستُعلن نتائج التحقيقات كاملة للرأى العام، وما تم اتخاذه من إجراءات وقرارات، وهو ما يشير إلى سرعة استجابة الدكتور مدبولى، وتفاعله مع كارثة كهذه، لكننا فى الوقت نفسه لابد أن نتساءل ملحِفين: هل ثمة خطة حكومية ذات استراتيجيات واضحة ومعالم زمنية محددة، لرفع كفاءة القطاع الطبى بكامله فى مصر؟! يقينًا، ستخرج تقارير وبيانات حكومية تؤكد أن الحكومة تولِى قطاع الصحة فى مصر أهمية كبيرة، ورعاية شاملة، إنْ فى توفير احتياجات المستشفيات الحكومية والجامعية والتعليمية، وإنْ بتوفير المستلزمات الطبية المختلفة، وإنْ بالقضاء على طوابير انتظار العمليات الجراحية على مستوى محافظات الجمهورية، وإنْ، وإن، وإن... لكن الحقيقة على أرض الواقع المعيش تأتى على خلاف ذلك جملة وتفصيلًا، فيكفى أن تسأل أى مواطن مصرى عن مستوى الرعاية والخدمات التى يقدِّمها أى مستشفى فى برّ مصـر، عندئذ ستجد الإجابة تتلخص فى عبارة شهيرة، ابتدعها المصريون، منذ عقود، وهى «الداخل فيها مفقود، والخارج مولود»!
 

كان يوم السبت الماضى يومًا عسيرًا على معظم أهالى مركز ديرب نجم، فخلال أقل من عشر دقائق على بداية جلسة الغسيل الكلوى بوحدة الغسيل الكلوى بمستشفى ديرب نجم المركزى، توفّى فى الحال ثلاثة مرضى دفعة واحدة، بعد إذ انتابتهم أعراض تمثَّلت فى اختناق وضيق تنفُّس، وزغللة فى العين مع انهمار دموع غزيرة، بينما أُصيب 12 آخرون بالأعراض نفسها، فيتحوَّل الطابقان اللذان يضمان وحدة الغسيل الكلوى فى المبنى الجديد بالمستشفى إلى خلية نحل، فى محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فتنقلب الدنيا رأسًا على عقب، ويتوافد أهالى المرضى وذووهم إلى المستشفى، وتحتشد الجموع بين ترقُّب وتوجُّس، وحزن وغضب!
مما يُعجَب منه، أن مسؤولى وحدة الغسيل الكلوى، التى تشرف عليها طبيبة واحدة، ومجموعة مساعِدة من الممرضات واختصاصيين فنيين للصيانة، أقنعوا أهالى حالتَين ممن قضيا نحبهما بمغادرة المستشفى مع جثتَيهما، وخوّفوهما من تشريح الجثتَين، ما لم يُغادرا قبل وصول أطقم النيابة والطب الشرعى، لكن لولا أن أهالى الضحية الثالثة أصرّوا على البقاء حتى يتم تحرير محضر بالواقعة، لكانت إدارة المستشفى قد نجحت فى إخفاء الواقعة كلها، وذلك حسب تصريحات خاصة لـ«المقال» من الأستاذ عادل مهدى عبد الله، عضو مجلس محلى مركز ديرب نجم (سابقًا)، الذى أكّد هو الآخر تدنِّى خدمات المستشفى الوحيد بالمركز، من حيث نقص أعداد الأطباء المناوبين وأطباء الطوارئ والعظام والمخ والأعصاب، وكذا نقص المستلزمات الطبية والأدوية وأجهزة التنفس الصناعى.

 

مبدئيًّا، فمن المؤكَّد وجود ملوّثات بكتيرية فى المياه المسؤولة عن تغذية ماكينات الغسيل، فلماذا لا تُنشَأ محطة مياه خالية من الأملاح، لكى تضاف بدقة على محاليل الغسيل الكلوى المركَّز حتى تحدث عملية التبادل السليم؟! أفلا يجب، بشكل دورى، فحص وتحليل محطة المياه المسؤولة عن مدِّ ماكينات الغسيل الكلوى؟! وهـل ثمة أخطاء كارثية تتعلق بعقود الصيانة الخاصة بوحدة الغسيل الكلوى؟! وهى أسئلة نأمل ظهور إجاباتها بشفافية فور الانتهاء من التحقيقات.
 

ويظهر الخلل الإدارى والعشوائية بوضوح فى هذا المستشفى، محل الكارثة، إذا نحن عرفنا أن المدير الحالى له قد تولَّى المسؤولية قبل يومَين فقط من وقوع الكارثة، أى يوم الخميس الماضى، بعد إذ استدعى وكيل وزارة الصحة بمحافظة الشرقية، الدكتور هشام مسعود مدير مستشفى ديرب نجم السابق، إلى مكتبه بالزقازيق، مطالبًا إياه بتقديم إجازة حتى بلوغه سن المعاش بعد نحو شهر من الآن، وقد صرَّح مدير المستشفى السابق بهذا الأمر علانية، قائلًا: إن سبب تقديمه طلب إجازة من المستشفى كان بناءً على طلب من وكيل مديرية الصحة بالشرقية، الدكتور هشام مسعود، لتعيين مدير المستشفى الحالى والقيام بمهام عمله، وأضاف فى مداخلة هاتفية لبرنامج «مساء dmc»، أن وكيل مديرية الصحة بالشرقية مارَس ضغوطًا عليه لتقديم إجازة لترك المستشفى، موضحًا أنه فى نهاية اليوم أجبره وكيل مديرية الصحة على تقديم طلب إجازة، مفجّرًا مفاجأة مدهِشة بقوله: «تقدمت بأوراق رسمية لوكيل مديرية الصحة طلبت فيها تغيير بعض الفلاتر الخاصة بغرَف عمليات غسيل الفشل الكلوى بالمستشفى ولم يرد عليه»، ما يعنى أن ثمة مسؤولية كبيرة تقع على وكيل وزارة الصحة بالشرقية، خصوصًا إذا أثبتت تحقيقات النيابة صحة تصريحات المدير السابق للمستشفى!
 

دستور 2014 حدَّد نصيب القطاع الصحى من الميزانية السنوية بما لا يقل عن 3% من الناتج القومى، ما يعادل نحو 105 مليارات جنيه (نحو 6 مليارات دولار)، إلا أن ما يُستقطع فعليًّا للقطاع لا يتجاوز نصف هذا الرقم، فضلًا عما يمثله ارتفاع تكاليف العلاج والرعاية الطبية، وصدور قرار بضم ميزانية علاج وزارات كالدفاع والداخلية وهيئات أخرى مملوكة للدولة إلى ميزانية الصحة بالمخالفة للدستور، ومن ثَمَّ فإن الانخفاض الحالى فى الإنفاق الصحى رقميًّا هو أقل من الانخفاض الفعلى بعد تضخُّم الرقم بفعل إضافة تلك الهيئات، وكذلك ارتفاع نسبة التضخم وأسعار المستلزمات والأدوية وما إلى ذلك، الأمر الذى يؤكد أن الدولة لا تولِى القطاع الصحى فى مصر أهمية كبرى، لما نزل ننشدها ونطالب بها، على الرغم من أنها بالفعل تتحمّل جلسات الغسيل الكلوى على نفقتها، فحسب الأرقام الرسمية فإن إجمالى تكلفة الغسيل الكلوى على نفقة الدولة يستحوذ على رُبع مخصصات العلاج على نفقة الدولة، خصوصًا بعد زيادة قيمة جلسة الغسيل من 200 إلى 400 جنيه، كما أن مخصصات الصحة ارتفعت، خلال العام المالى الجديد الحالى، 2018- 2019، إلى 76 مليار جنيه، بزيادة نحو 10 مليارات جنيه، إذ كانت فى العام الماضى 2017- 2018 تبلغ 66.8 مليار جنيه، منها 11 مليارًا للمستشفيات الجامعية، و55.8 لمستشفيات وزارة الصحة والسكان، بينما سيُوجَّه فى العام المالى الحالى 12.5 مليار جنيه إلى المستشفيات الجامعية، أما مستشفيات وزارة الصحة فستحصل على 63.5 مليار جنيه، لكن هذا كله لا يعطى دليلًا مؤكَّدًا على أرض الواقع برقى وتحسُّن الخدمات الطبية والصحية فى البلاد، بدليل ما نشاهده، يوميًّا، من شكاوى وكوارث فى حقل الصحة والطب عمومًا فى مصر، وهو ما يشى بأن كارثة تسمُّم ووفاة 3 مواطنين فى وحدة غسيل كلوى مستشفى ديرب نجم المركزى، لن تكون الأخيرة، ما دامت الأسباب الأساسية لوقوع مثل تلك الكارثة وأشباهها، قائمة ومتجددة، بفعل تدهور التعليم الطبى من ناحية، والإدارة الطبية المتخصصة الحديثة من ناحية أخرى، كما بفعل انعدام الشفافية، ومحاولة التقليل من حجم كل كارثة، علاوة على تدنِّى مخصصات الصحة والطب فى البلاد، فالأرقام الرسمية تؤكد أن مصر كانت تخصص، فقط، 5.6% من الموازنة، للإنفاق الصحى فى عام 2014، بينما النسبة المعتمدَة عالميًّا 15%، وتمثِّل تلك النسبة، بجانب ما تتكفل به الجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدنى، 40% فقط من الإنفاق الصحى العام، بينما ينفق المواطنون مباشرة من أموالهم الخاصة نحو 60% من إجمالى الإنفاق على الصحة، وتعدّ هذه النسبة، مع معظم دول شرق المتوسط، من أعلى النسب العالمية!
 

وقد كشفت كارثة مستشفى ديرب نجم أيضًا عن أن كثيرًا من المستشفيات الحكومية فى مصر تعانى إما نقصًا كبيرًا فى أعداد الأطباء، خصوصًا أطباء الطوارئ والعظام والمخ والأعصاب والعناية المركَّزة، وإما سوء توزيع واضحًا للأطباء، إذ توجد محافظات بها نسبة مرتفعة من الأطباء، بينما هناك محافظات أخرى تعانى نقصًا حادًّا فى أعدادهم، فقد كشفت كارثة ديرب نجم عن أن ثمة طبيبة واحدة مسؤولة بمفردها عن وحدة غسيل كلوى كاملة تخدم يوميًّا نحو 39 مريضًا، وإن الأرقام لتخبرنا، فى مفاجأة كبيرة، أن مصر من أقل بلاد العالم من حيث معدل الأطباء بالنسبة إلى عدد السكان، إذ يوجد بمصر 0.814 طبيب لكل 1000 مواطن، أى طبيب لكل 1234 مواطنًا تقريبًا، وهى نسبة منخفضة جدًّا، إذا ما قورنت بالمتوسط العالمى، فهى تبلغ تقريبًا عُشْر نسبة الأطباء بدولة نامية مثل كوبا (7.52 طبيب لكل 1000 مواطن)، ما يعنى وجوب اعتماد الحكومة خططًا للتعاطى مع تلك الأرقام، ووضع حلول عاجلة على المستويين، القريب والبعيد، لمواجهة نقص أعداد الأطباء، وكذا سوء توزيعهم بالمحافظات، بل سوء توزيعهم على التخصصات الطبية المختلفة، فليس من المعقول وجود طبيب أو طبيبَين فقط لوحدة غسيل الكلى بمستشفى كتلك التى بمدينة ديرب نجم، بينما أعداد أطباء الأطفال أو الجلدية أو النساء والتوليد أو العلاج الطبيعى بالعشرات!
 

وحتى لا يتهمنا أحدٌ بالتحامُل أو التربُّص، فإننى أكتفى، فى نهاية مقالى هذا، بنقل شهادة الدكتور سمير بانوب مستشار الإدارة الصحية الدولية وخبير بمنظمة الصحة العالمية، الذى أكد أن أهم أسباب التدهور فى قطاع الصحة فى مصر، هو قصور وانعدام التخطيط والكفاءة الإدارية للتخطيط والإدارة، وقصور التعليم والتدريب الطبى والتمريضى والفنى والإدارى، الأمر الذى أدَّى إلى تدنِّى مستوى كليات الطب المصرية والمعاهد والخريجين والشهادات العلمية، أى أن ما ينقصنا -بصرف النظر عن كارثة مستشفى ديرب نجم أو غيرها- هو التخطيط الشامل، والنظرة الكلية، ووضع الخطط العلمية والعملية، للارتقاء بالمنظومة الطبية كاملة، أما إذا ظننا أن تغيير وزراء الصحة واحدًا بعد آخر هو الحل، فهذا مما ليس بمُجدٍ أو مفيد على الإطلاق، بدليل أن كرسى وزارة الصحة، منذ اندلاع أحداث الخامس والعشرين من يناير عام 2011، قد استوى عليه أكثر من أحد عشر وزيرًا، ومع ذلك لم نشهد أى تقدُّم أو تجديد أو تطوير ملموس فى قطاع الصحة، لكننا لمسنا صدق العبارة الذكية التى أطلقها المصريون على «مستشفيات الحكومة»، واصفين إياها بأن «الخارج منها مولود، والداخل مفقود»!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات