.

عقول مغلقة.. وشقق مقفولة

Foto

لماذا يغلق المصريون الشقق أو يشترونها ولا يعيشون فيها؟ كيف نهتم بالبناطيل المقطعة والرموز وأمور لا أهمية لها؟ لماذا لا تتناسب مشروعات القوانين مع الوضع الراهن فى مصر؟


الواحد منا أصبح لا يعرف بالفعل ما الذى يفعله بنا نوابنا؟ فمن كثرة ما نتعرض له من قبَلهم جراء مشاريع قوانينهم أو مقترحاتهم، أصبحنا لا نعرف إلى أين سيصلون بنا؟ ففى الوقت الذى يؤكد فيه وزير المالية أنه «لن تكون هناك ضرائب جديدة على المواطن، وحتى لا نفقد مصداقيتنا «كحكومة» أمامه»، يخرج علينا نائب محترم يطالب بفرض ضريبة على الشقق المغلقة حلًّا لأزمة الإسكان.

 

سيادة النائب تناسى أن هناك أسبابًا ضرورية جعلت البعض من أصحاب هذه الشقق يفضلون غلقها وعدم الانتفاع بها، أولها أنه ليس هناك من قانون يحميه ويحمى استثماره من جبروت المنتفع بعقاره بالحصول عليه دون إرادته، خصوصًا أنه عندما يحاول الحفاظ على حقه تواجهه الجملة الشهيرة «يبقى الوضع على ما هو عليه، وعلى المتضرر اللجوء للقضاء»، وثانى الأسباب يعود إلى تفكير صاحب الشقة فى توفيرها لابنه أو ابنته فى ظل الأزمة التى تمر بها مصر فى الإسكان، وما نتج عنها من ارتفاع كبير فى أسعار الشقق التى يتم تأجيرها وفقًا لقانون الإيجار الجديد، الذى بدوره فشل فى إنهاء التعاقد مع المستأجر الطامع دائمًا فى حق الغير. وثالثها أن البعض من هذه الشقق غير المستغلة لم يتم إنهاء تشطيبها نظرًا لارتفاع أسعار المواد المستخدمة فى التشطيب، وعدم قدرة المالك المالية على الوفاء بذلك؛ لهذا ولغيره كثير يفضل البعض غلق شقة تابعة له بدلا من الانتفاع من إيجارها كنتيجة طبيعية لعدم الثقة المتوفر بشدة بين المالك والمستأجر بعد غياب الضمير وضعف القوانين التى تصون الحقوق وتحدد الواجبات.

 

وإذا كان اقتراح فرض ضرائب على الشقق المغلقة يقلق منام عدد كبير من المصريين، فإن هناك الكثير من مشاريع القوانين التى تقلق المنام أيضًا، منها قانون الرموز الذى اقترحه عضو آخر فى البرلمان، قانون هلامى ويحوى العديد من الجمل المطاطة حمّالة الأوجه، لم نعرف من خلاله مَن الرمز من عدمه؟! فمثلًا، هل يعد أحمد عرابى خائنًا للوطن كما كتب البعض؟ وهل يمكن أن نعتبر حسن البنا وسيد قطب من الرموز الدينية؟ وهل وضع محمد نجيب يده فى يد الإخوان لتصفية جمال عبد الناصر؟ وهل يعد اللورد كرومر، الذى أذاق المصريين العذاب، رمزًا من رموز الدولة المصرية، لا يجب التعرض إليه؟ وهل قتل البحث العلمى والقضاء على حرية الرأى، اللذين نص عليهما دستور البلاد، ينطبق عليهما مثل هذا القانون فى حالة التعرض للباحثين وأعمالهم أو لمَن له رأى مخالف لرمز من الرموز؟ وفى النهاية نقول إن الغرض من هذا القانون هو حماية رموز الوطن، علمًا أن حماية رموز الوطن تحددها أفعال وسلوكيات مَن ينطبق عليهم وصف الرمز الذى لم نجد له تعريفًا حتى الآن. عمومًا، أعتقد أن الغالبية العظمى من المصريين يعرفون ويعون تمامًا من هو الرمز من عدمه حين يتذكرونه، سواء أكان بمدحه أم بذمه.

 

مقترح آخر لنفس عضو البرلمان يطالبنا فيه بالأخذ بالجلسات العرفية التى يرى أنها تساعد فى استقرار المجتمع وإنهاء الخصومات بين أطراف النزاع بصفة عاجلة «لا أدرى عن أى مجتمع يتحدث عضو البرلمان؟!» فى الوقت الذى تُستغل فيه مثل هذه الجلسات لإضاعة الحقوق بعد أن تحولت بقدرة قادر من محاكم أو جلسات عرفية إلى مجالس زور، أو كما يحلو للبعض أن يطلق عليها «مجالس أكل الحقوق»، خصوصًا عند استخدامها فى الأحداث الناتجة عن جرائم الفتن الطائفية فى الصعيد. وفى النهاية نتحدث عن هيبة الدولة وسيادة القانون «الذى يجب أن يُطبق على الجميع» التى نهدرها نحن بأنفسنا، والتى من خلالها أهدرنا حقوق مواطنين مصريين، كل ذنبهم أنهم يدينون بديانة غير الإسلام، وهجَّرناهم من منازلهم تحت وهم نزع فتيل الأزمة.

 

بالطبع، هناك مقترحات قوانين أخرى سبق أن تقدم بها السادة النواب والنائبات من عينة مقترح القانون الذى تقدمت به نائبة فى البرلمان، تطالب فيه بإخصاء الرجل المتحرش حمايةً للمجتمع، ومقترح قانون منع تسمية الأطفال بأسماء أجنبية ليس لها أصل عربى، وقانون منع الشباب من ارتداء «بناطيل مقطعة» داخل الجامعات والمؤسسات العلمية، على أن يتم تحديد زى موحد للطلبة والطالبات للقضاء على ظاهرة الأزياء غير المحتشمة، ومواجهة التحرش، ناهيك بمشروعات قوانين النائب إياه، التى منها مطالبته بإجراء الختان حتى نقلل الشهوة الجنسية لدى المرأة، ومطالبته بضرورة توقيع كشف العذرية على الطالبات قبل دخول الجامعة للقضاء على ظاهرة الزواج العرفى فى الجامعات. هذه عينة بسيطة من مقترحات ومشاريع قوانين نواب مصر، وهناك غيرها الكثير، ولكن الاستطراد فى الحديث عنها يتطلب مجلدات.
 

السادة النواب، أعرف أنكم تجتهدون فى حل العديد من المشكلات المستعصية التى مر بها الوطن خلال العقود السابقة، كل ما فى الأمر أننا -نحن الشعب- نطالبكم ببعض التروّى وإعمال العقل والدراسة وعدم التسرع فى ما تقترحونه من قوانين، بدلًا من اللهث خلف أضواء الشهرة والتلميع الإعلامى عبر الصحف والفضائيات، وهو المبدأ الذى ينتهجه البعض منكم دون معرفة حقيقية للعواقب التى ستنتج عن عدم دراسة ما تصرحون به أو تقترحونه من مشاريع قوانين لا تتناسب مع الوضع الراهن الذى تمر به البلاد.

 

السادة نواب ونائبات البرلمان، أفهم وأعلم كما يعلم غيرى أنكم تجلسون تحت قبة برلمان مصر لخدمة المصريين والسهر على راحتهم وتيسير الدنيا لهم، وهذا ما يطلبه أبناء المحروسة منكم، بعيدًا عن مطالبكم الشخصية غير المفهومة لدى أغلب المصريين بتمييز أنفسكم عن باقى المصريين بعدم دفعكم ضرائب على ما تحصلون عليه من أموال مقابل وجودكم فى البرلمان، أو مطالبة البعض منكم مؤخرًا بحصولكم على معاش عقب خروجكم من البرلمان، وهو المطلب الذى جعلنى وجعل غيرى يتساءل: كيف أطاعكم قلبكم قبل عقلكم على أن تطلبوه أصلًا؟! ولهذا أقول لكم: رفقًا بالمصريين، يا نواب الشعب.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات