.

علِى أبو شادى.. عدّة وجوه لناقد «قام بواجبه»

Foto

الناقد الكبير يحكى عن نوادى السينما ومقص الرقيب والمهرجانات.. الأجهزة الأمنية اعترضت على اسم فيلم «هى فوضى» فطالبت صناعه بوضع علامة استفهام بعده


المخرج والسيناريست الراحل رأفت الميهى، كان يرى فيه أن مكانه هو الكتابة للسينما أما هو فكان يفضِّل أن يكتب عن السينما، لا أدرى إن كنَّا خسرنا مبدعًا فى مجال الدراما، ولكنى على يقين بأننا كسبنا كاتبًا وناقدًا مهمًّا جدًا هو الأستاذ علِى أبو شادى.

فى حوار طويل امتد لما يزيد على الساعتَين حاولت الإحاطة بالوجوه المختلفة للناقد الكبير ورئيس جهاز الرقابة على المصنفات الفنية والمركز القومى للسينما الأسبق، ولكن مع شخص شغل الكثير من المناصب المهمة وعاصر عدة أجيال سينمائية مهمة غيَّرت فى تاريخ وشكل السينما المصرية، يصبح الوقت قصيرًا مهما طال وتصبح الكلمات مقصرة وإن كثُرت، ولكن بقدر الإمكان كانت لنا جولة فى أهم الجولات العديدة التى خاضها الأستاذ على طوال مشواره الحافل.

حكاية جيل يعشق السينما
الأجواء كانت مهيئة للكتابة السينمائية مع بداية السبعينيات، ولكننى اخترت أن أكتب عن السينما وليس عنها، يضيف مازحًا: أنا أحب أن أصحّح للناس وليس أن تصحّح لى الناس. البداية الحقيقية كانت فى عام 1972 مع دخولى إلى معهد النقد، ومعه بدأت الكتابة النقدية وتدرَّجت فى المساحات شيئًا فشىء. لا يمكن المرور على هذه المرحلة دون التوقُّف طويلاً عند نوادى السينما التابعة للقصور الثقافية التى تشرف عليها وزارة الثقافة. كان فى مصر آنذاك 27 نادى سينما موزَّعة على كل المحافظات، اختفت كلها تقريبًا فى الوقت الحالى، وكنت أنا وأبناء جيلى نواظب على السفر أسبوعيًّا إلى هذه النوادى، أسبوعيًّا كان هناك فيلم سينمائى يُعرض وتليه مناقشة مطولة حول الفيلم.
كل ناقد كان يتولَّى محافظة لزيارة النادى الخاص بها أسبوعيًّا، الناقد كمال رمزى كان مسؤولاً عن الفيوم، والناقد سمير فريد كان يزور مدينة بنها بمحافظة القليوبية، وجدير بالذكر أنه كان يقوم بطباعة دراسته عن الفيلم المعروض على نفقته الخاصة لتوزيعها على رواد نادى السينما، فى حين كان الناقد مصطفى درويش متخصصًا فى الإسكندرية وأسوان.
كنت أنا مسؤولاً عن المحافظات البعيدة، وتحديدًا سوهاج، أسبوعيًّا كنت أقوم بركوب القطار حتى محافظة سوهاج، أصل إلى الأوتيل ذى الـ«3 نجوم»، لأضع حقيبتى وأجهز نفسى للعرض الذى يبدأ فى تمام التاسعة مساءً، كل هذا كان مقابل 4 جنيهات فقط. أذكر أنى بدأت زيارة النادى وكان يتردَّد عليه شخص واحد فقط كان يأتى إلى النادى بالدراجة وبعد انتهاء الفيلم يصطحبنى حتى الأوتيل.
ثم ازداد هذا العدد تدريجيًّا، من ناحية كانت قصور الثقافة آنذاك تعرض الأفلام التجارية المعروضة، ومن هنا كان رواد المكان يعرفون بعروض نادى السينما، بالإضافة إلى أن فكرة الحوار بعد الفيلم خلقت جوًّا من الحميمية بينى وبين الرواد، مما جعل مَن يحضر مرة يشجع غيره على الذهاب فى المرة التالية.
كل هذا أضاف إلىَّ وإلى جيلى على عدة مستويات، من الجهة السينمائية شاهدنا الكثير من الأفلام ومن الجهة الثقافية كنا «نذاكر» جيدًا قبل أى محاضرة، بالإضافة إلى الثراء الذى أضافه إلينا التعامل مع شخصيات وعقليات مختلفة، ولمعرفة مدى القيمة التى صنعتها أندية السينما يكفى معرفة أن النشرات التى صاحبت الأفلام المعروضة تم جمعها فى 52 مجلدًا، والمجلد الواحد لا يقل عن 300 صفحة، هذه النشرات كنت أشارك فيها بالكتابة أحيانًا، وأحيانًا أخرى بالمراجعة والتصحيح.
جيلنا كان شديد التعاون والترابط، أذكر أن سمير فريد كان يعود من مهرجان «كان» محملاً بنشرات وكتب لزملائه، فى حين كان ليوسف شريف رزق الله دور كبير فى تثقيف النقاد أنفسهم، فكان يقوم بنفسه بترجمة أهم الدوريات، مثل مجلة «كراريس السينما» الفرنسية، و«إمباير» الإنجليزية لاحقًا، وهو مترجم هائل بالمناسبة.

تأثير نوادى السينما والثقافة الجماهيرية
عندما بدأت عملى فى نادى السينما بسوهاج كان هناك شخص واحد يحضر -كما ذكرت- وعندما غادرته كان العدد قد ارتفع إلى 150 شخصًا يذهبون لحضور الفيلم ويشاركون فى المناقشة حتى يغلقوا النادى، الوعى السينمائى نفسه تطوَّر خلال الوقت، فمَن كان يخجل أن يقول رأيه فى المرات الأولى، صار يشارك ويسأل ويعلق لاحقًا بسبب الجو العام المشجع. طلبة الأقاليم والطلبة المغتربون كانوا يشكّلون جمهورًا كبيرًا، وأخرجت هذه النوادى كتابًا وسينمائيين آخرين أذكر منهم الكاتب مدحت محفوظ الذى كان من أبناء محافظة المنيا.
كنا نعرض الجيد من أفلام العالم كله مع الحرص على وجود الترجمة العربية، وفى ما بعد أضفت ما أسميته بأسبوع السينما التسجيلية، قبل ذلك كانت الأفلام التسجيلية تعرض مع أفلام أخرى إلى أن بدأت بإضافة هذا الأسبوع، لاختيار مجموعة من الأفلام التسجيلية يتم عرضها معًا.
هذه التجارب كان لها أثر كبير علينا، وأثر أيضًا فى القراء الذين يقرؤون لنا، فصار القارئ بعد فترة يدرك جيدًا الفارق بين النقد الذى يكتبه ناقد فنى متخصص وبين الرأى الفنى الذى يكتبه صحفى.
أما تأثيره على صناعة السينما نفسها فكان أكبر، أرى أن ما خلقته أندية السينما من وعى وذائقة لدى روادها حمى السينما، خصوصًا الواقعية التى انطلقت فى الثمانينيات من هجوم آخرين غير مدركين قيمتها.
عندما غادرت الهيئة فى بداية عام 2001 كانت لا تزال هناك نوادٍ للسينما، ولكن خفتت تدريجيًّا كما أى شىء آخر ولأسباب غير مفهومة.
وكانت لى تجربة مهمة أخرى عندما استلمت منصب مدير إدارة السينما فى الثقافة الجماهيرية بين عامَى 1981 و1989، حيث حرصنا على عمل تقليد سنوى، أن أصطحب كبار الفنانين إلى المحافظات المختلفة فى الأعياد القومية للمحافظات مع إقامة أسبوع سينمائى فى هذا التوقيت. صاحبت المخرج الراحل يوسف شاهين إلى محافظة بورسعيد، والفنانة نبيلة عبيد إلى محافظة الوادى الجديد، أما الفنان نور الشريف فصاحبنى إلى السويس.

النقد.. إنت بتعمل شغلك وأنا باعمل شغلى
«كتبت قدر ما كتبت، وكان معظم الفنانين أصدقائى، ولكن هذا لم يمنعنى قط من أن أقول رأيى صراحة فى أى فيلم بالسلب أو الإيجاب، وكان هناك مَن يغضب للنقد السلبى بطبيعة الحال، ولكنى كنت أرد عليهم «إنت بتعمل شغلك وأنا باعمل شغلى»، وكان فى ذهنى أولاً القارئ الذى سيقرأ ما أكتبه وليس الأصدقاء، وبعد هذا الغضب المؤقت من الفنانين تستمر صداقتنا. والاهتمام الأكبر بقراءة ما يُكتب كان من الفنيين ومن وراء الكاميرا بعكس الممثلين، ومثلما هى الحال حاليًّا كانت الغلبة للسينما التجارية، لكن الآراء والقراءة كانا مستمرَّين، وأذكر أن أحد الزملاء من موزّعى الفيديو فيلم قديمًا كان يقول ساخرًا «يوم ما سمير فريد يكتب عن فيلم كويس يبقى اتخرب بيتى»، بالنظر إلى أن هذا معناه أن الفيلم جاد وذو قمية، وبالتالى لن ينجح فى جذب الجمهور.
كانت مساحة ما أكتبه فى النقد قديمًا تصل إلى 8 صفحات بمقياس «A2» الحالى، لأن المجلات والصحف كانت تستوعب هذا فى حين أن المساحات تقلَّصت حاليًّا إلى 700 كلمة تقريبًا.

- متى توقَّف الناس عن قراءة النقد؟
عندما توقَّف الناس عن القراءة عمومًا، فصارت صفحات الفن تختفى لحساب صفحات أخرى وصارت مساحات النقد تصغر شيئًا فشيئًا.
وأرى أن للدولة دورًا كبيرًا فى عدم وجود مجلة سينمائية متخصصة تصدر بانتظام، فهناك عدة مجلات تصدر عن الهيئة العامة للكتاب ولها جمهور محدود، ولكن يجب أن تستمر فى الصدور لهذا القارئ، ومؤخرًا قامت الهيئة العامة للكتاب بإعادة إصدار المجلات التى كانت تصدرها بداية من الستينيات إلا مجلة السينما، وكان آخر عدد صدر منها فى شهر نوفمبر عام 1970، وحاليًّا لا يصدر عن السينما فى مصر سوى مجلتَى «أبيض وأسود» من وزارة الثقافة، ومجلة «فُرجَة».
وأرى أن الجيل الحالى هو جيل مبشِّر جدَّا بعد فترة كان منحنى الكتابة فيها متجهًا إلى الهبوط، هناك مَن يكتب عن الفن عمومًا، وآخرون يكتبون النقد، وأرى أن هذا فى النهاية سيفرز جيلاً جيدًا، وتقييمى للناقد الجيد يعتمد على نقطتَين، الأولى أن يكتب عن الفيلم المصرى، لأن الفيلم الأجنبى مكتوب عنه آلاف المقالات عبر الإنترنت، ولكن ما يكتبه الناقد عن الفيلم المصرى سيكون وليده هو مباشرة بعيدًا عن أى تأثُّر برأى آخر، وهنا تظهر رؤيته، والنقطة الثانية أن تكون لديه وجهة نظر تظهر فى مقالاته، بمعنى أن يستطيع أن يبدى رأيه فى فيلم أعجبه فنيًّا حتى لو رفض محتوى أو مضمون الفيلم.
وعن نفسى مع الوقت أعيد اكتشاف أفلام بعينها كنت أرفضها من قبل، منها «خلِّى بالك من زوزو» الذى لم أفضّله وقت عرضه، فى حين أراه الآن بعين أخرى، فيلم يرفع من قيمة العمل وقيمة العلم.

الرقابة ضد الديمقراطية
أنا رجل ديمقراطى وأؤمن أن الرقابة قيد، وحتى أوضح فى البداية أنا رجل كنت موظفًا حكوميًّا أعمل مع الدولة وليس النظام، ولهذا كنت أعمل ما أراه فى مصلحة الدولة حتى لو أغضب منى النظام، وفى الوقت نفسه دون أن أثيره للدرجة التى تغلق فى وجهى كل شىء.

- ما الذى دفعنى لقبول منصب رئيس الهيئة العامة للرقابة على المصنفات؟
كنت أستمع إلى رفض المبدعين للرقابة والرقباء، وكنت أرى فى الآن ذاته أن هناك قانونًا للرقابة موجود ويسمح بالتحرُّك داخله، ورؤيتى أن الرقيب كان عليه أن يستخدم القانون فى خدمة رجل الشارع والمبدع، ومن جهة أخرى كنت أنا نفسى من المعترضين على الرقابة، فعندما عُرض علىَّ المنصب على طريقة  «تعالَ احكم انت» وافقت وقُلت فى ذلك جملة شهيرة «القانون واحد يستعمله المحامى ليبرئ المتهم ويستعمله وكيل النيابة ليدين المتهم»، وأنا اخترت أن أكون محاميًا عن المبدعين، أما الرقباء فإنهم يتبعون سياسة رئيسهم، وهذا كان منهجى فى السنوات الثمانى التى تولَّيت فيها مسؤولية الرقابة على فترتين، الأولى من 1996 حتى 1999، والثانية من 2004 حتى 2009، قررت أن أعطى مساحة كبيرة للإبداع ومساحة صغيرة للرقابة، وفى نفس الوقت كنت حريصًا أن أقرأ المناخ العام للدولة والشارع، فالمبدع يطالب بإلغاء الرقابة فى حين أن الشارع صار رقيبًا أشد من الرقابة نفسها حتى لو كان ما يمارسونه من رقابة هو نتاج تديُّن شكلى.
وأرى أن تعاطى الناس مع مشروعاتهم الثقافية بصيغة العناد هو ما يفسد أعمالهم، فالكثير من الأعمال الجيدة يمكن أن تمر بهدوء وذكاء دون إثارة أية مشكلات.
فى هذا يحضرنى فيلم «صعيدى فى الجامعة الأمريكية» الذى كان فيه مشهد خاص بحرق العلم الإسرائيلى، بعد عرض الفيلم تعجب الكثيرون من مرور المشهد، وعلَّقت مازحًا «هو كان فى علم جوا؟!» كان الغرض أن يمر مشهد مثل هذا داخل عمل كوميدى حتى تستطيع أعمال جادة أخرى أن تقدّمه مثل فيلم «العاصفة».
ومن هنا كانت فى الفترة الأخيرة لى فى الرقابة الكثير من طلبات الإحاطة فى مجلس الشعب بخلاف العديد من الصدامات بالنظر إلى وجود أفلام تمس العديد من التابوهات المصرية، مثل «عمارة يعقوبيان» و«هى فوضى».

«يعقوبيان» فى مجلس الشعب.. و«هى فوضى» فى أمن الدولة
وحيد حامد من أكثر المؤلفين الذين تعاملت معهم معرفةً بكيفية صياغة أعماله بشكل شديد الذكاء وعالى الاحتراف، ومن أجل ذلك كنت أعمل على التعاون معه حتى تخرج أفلامه إلى النور.
فيلم «عمارة يعقوبيان» كنموذج، جاء السيناريو إلينا وكان الرقباء فى حالة رعب ولديهم أكثر من 50 ملاحظة تحتوى على طلب حذف وتخفيف لعدة مشاهد، مما كان سيقضى على الفيلم تقريبًا.
جاءنى مخرج الفيلم مروان حامد، لمناقشتى فى الملاحظات، وأخبرته ببعض المشاهد التى عليها جدل، وكانت إجابته «لن أضيع الفيلم من أجل مشهد»، ولكنى كان لى رأى آخر، على نسخة السيناريو قمت بكتابة «الرأى النهائى بعد مشاهدة نسخة العمل»، وطالبته بالبدء فى تصوير فيلمه، وهو بالمناسبة ما فعلته مع الكثير من المبدعين الآخرين، مثل داوود عبد السيد.
كانت رؤيتى فى هذا أن الفيلم ما دامت تمت صناعته لن يوجد مَن يستطيع منعه، والتاريخ يشهد على ذلك فى أفلام تم منعها لسنوات ثم ظهرت للنور، مثل فيلمَى «العصفور» و«عودة الابن الضال» ليوسف شاهين.
بعد الانتهاء من تصوير فيلم «يعقوبيان» شاهدت النسخة النهائية للعمل ولم أحذف منها كادرًا واحدًا، فقط طالبت بأن تعرض تحت لافتة «للكبار فقط».
وكانت النتيجة أن ذهبت بسبب الفيلم إلى مجلس الشعب فى طلب إحاطة، وكنت أنا ومنتج الفيلم عماد أديب، أمام لجنة من 15 نائبًا.
أمام اللجنة استخدمت منطقًا، الناقد الذى بداخلى يرفضه، وهو منطق العدالة الشعرية فى الفيلم، فأخبرتهم أن كل الشخصيات الفاسدة فى الفيلم أخذت جزاءها فى النهاية ما عدا -وأذكر هذه الجملة جيدًا- الفاسد السياسى، وهذا دوركم أنتم أن تعطوه جزاءه، وحصلنا على موافقة 11 صوتًا من الـ15، وعُرض الفيلم.
فيلم «هى فوضى» كان من الأفلام الصعبة الأخرى، وكان من الأفلام التى رفضها الكثير من أجهزة الدولة.
منذ البداية الفيلم كان عليه الكثير من الملاحظات أيضًا، ولكنى طلبت من المنتج جابى خورى، أن يقوم بالبدء فى تصوير الفيلم. الصدام الأول كان مع اسم الفيلم الذى اعترضت عليه الأجهزة الأمنية، لأنه فى نظرهم يقر بحالة الفوضى، وقُمت بتوضيح أن المقصود هو التساؤل، وعندما أصروا طالبت صناع الفيلم بأن يضيفوا علامة استفهام بعد اسم الفيلم، ولكن كان هذا على الأفيشات فقط، ولم أغيِّر شيئًا داخل الفيلم، ويمكن الرجوع إلى نسخة الفيلم.
المشكلة الكبرى كانت مع انتهاء تنفيذ الفيلم، الأجهزة الأمنية رفضت عرض الفيلم تمامًا، وتبقَّى يومان فقط على موعد العرض، حاولت التحدث إلى المسؤولين بكل الطرق التى قد تجعلهم يغيرون رأيهم دون فائدة، إلى أن قلت للمسؤول فى نهاية الحوار: «ده فيلم يوسف شاهين، ويوسف شاهين مريض، وهو مقرر لو حصل أى حاجة للفيلم هيروح يربط نفسه قُدَّام مجلس الشعب وهيموت، ولو مات مننا هتبقى الدولة اللى قتلته، وعلينا أن نتحمَّل كل ما سيحدث من العالم نتيجة اغتيال يوسف شاهين».
فكان أن تفهَّم المسؤول هذا الكلام وأخبرنى أن المشكلة فى مشهد ضرب وكيل النيابة لمفتش المباحث، فهل يصح أن وزارة العدل تضرب وزارة الداخلية؟ فكان ردّى أن هذا المشهد لن يؤثّر فى الدراما وسنقوم بحذفه، وهذا ما كتب فى التصريح، ولكن ليس هذا هو ما حدث.
قُمت بالاتفاق مع خالد يوسف على حذف هذا المشهد من خمس نسخ فقط فى سينمات القاهرة، من أجل التفتيش، على أن يتركوا بقية النسخ تُعرض كما هى دون حذف، وقد كان، والآن الفيلم يُعرض كاملاً، كان من الممكن أن يعرضنى هذا لمشكلات كبيرة ولكنى لم أهتم بذلك.
وأرى أن القرار الذى صدر فى ما يخص قانون الرقابة فى بداية عام 2015 هو قرار سيئ وغير موفَّق، وكنت عضوًا فى اللجنة ورفضت القرار، ولكن تمت الموافقة عليه بالأغلبية، وأرى أنه زاد من القيود المفروضة على السينما.
وأقول فى ختام كلامى عن تجربتى فى الرقابة: إنى لم يكن لدىَّ ما أستطيع أن أفعله أكثر مما فعلته، هناك من يعتبون ويقولون إنى لم أسمح بانتقاد رئيس الجمهورية، وأقول إنى كنت محكومًا بقانون، وأين الصحف التى كانت تدين رئيس الجمهوية؟

تجربة الإنتاج
خضت تجربة الإنتاج مع المنتج حسين القلا وآخرين هم سمير فريد، وسمير نصرى، وقصى درويش، ورأفت الميهى. استمرت التجربة نحو 3 سنوات ونصف السنة منذ 1984 حتى 1987 عبر الشركة، أنتجنا أكثر من 10 أفلام، معظمها من أفضل الأفلام فى تاريخ السينما المصرية.
أعتبرها تجربة خصبة جدًّا واستفدت منها استفادة هائلة، ومن نصحنى بالذهاب كان المخرج الراحل رأفت الميهى، الذى طالبنى بأن أكون «إسفنجة» لأمتص كل ما يخص صناعة الأفلام وكواليسها. المسؤول الأساسى كان سمير فريد، وتنقَّلت بين أكثر من مكان داخل الشركة، بدأت بأن أكون مسؤولاً عن قراءة السيناريوهات ثم قطاع الفيديو كله، ولكن بعض الخلافات الشخصية أدَّت إلى انتهاء الشركة مبكرًا.
خلال هذه الفترة القصيرة قمنا بإنتاج عدة أفلام أراها مهمة جدًّا، وأعتقد أن أهمها بالسنبة إلىَّ «الطوق والأسورة» و«للحب قصة أخيرة».
بعيدًا عن هذه التجربة قمت الإشراف العام على إنتاج ما يقرب من مئة فيلم بين تسجيلى وروائى قصير وتحريك بالمركز القومى للسينما، وأرى أننا أخذنا الكثير من الجوائز، ومن الأفلام التى أعتز بها فى هذه الفترة فيلما «صباح الفل» لشريف البندارى، و«٢٩ فبراير» لجيهان الأعصر.

مهرجان الإسماعيلية
طوال 10 سنوات تولّيت رئاسة مهرجان الإسماعيلية للأفلام القصيرة والتسجيلية، وكان آخر دورة لى عام 2010، وأظن أنى وزملائى الذين عملوا معًا تركنا المهرجان وهو مهرجان قوى وكبير بالمعنى الحقيقى، وخطأً ينسبون إلىَّ نجاح المهرجان، لأنى لم أعمل وحيدًا بل عمل معى الكثيرون ومنهم أصدقاء من المركز القومى للسينما، وقد كان هدفنا أن نضع المهرجان على خريطة المهرجانات الكبرى فى العالم، وقد كان، للدرجة التى جعلت بعض صناع الأفلام يعودون إلى بلادهم لصناعة أفلام جديدة ليعودوا بها فى الدورة التالية، وحتى عندما لم يكن لديهم أفلام كانوا يرسلون إلينا رغبتهم فى الحضور.
وأرى أن الجميع تضافر لإنجاح المهرجان، حتى الصحافة كانت أحيانًا تتغاضى عن العيوب، رغبة منها فى مساندة المهرجان، والمحافظ آنذاك كان يدعمنا إلى درجة أن أجبر المحلات المختلفة على وضع إعلانات للمهرجان حتى يعرف الجميع بوجوده.
تركت المهرجان، وفى الدورة الأخيرة كان لدينا أكثر من 1500 فيلم متقدمة لتشارك فى المسابقات المختلفة، وعلى عكس المهرجانات الأخرى كنا نعانى فى اختيار الأفلام الجيدة التى تعرض، ليس لقلتها بل لكثرتها، فى حين كان الإقبال الجماهيرى يزداد عامًا بعد الآخر، وكنا من جانبنا نسعى لأن نقترب من الجمهور، فكنا نخرج من قصر الثقافة، لأن قصر الثقافة يأتى إليه المهتمون فقط، وكنا نذهب إلى القنطرة شرق ونادى التجديف لتوسيع الرقعة التى يغطيها المهرجان.
أرى أن تميُّز المهرجان -أى مهرجان- يبدأ من احترام المشاهد وهذا ينطبق على اختيار الأفلام وعلى تنظيم العروض، من الممكن أن تختار أفلامًا ممتازة وتعرضها فى غير مواعيدها أو أن تكون دور العرض غير مجهزة لاستقبالها، بالإضافة إلى ذلك يجب أن يكون هناك تطوير من خلال تلافى مشكلات الدورة السابقة فى الدورة اللاحقة، ومن جهتى كنت أقوم بالإشراف والمشاركة فى كل التفاصيل، حتى الكتالوج كنت أقوم بمراجعته وتعديله قبل طباعته. أرى أن تجربة مهرجان الإسماعيلية من أرقى تجارب المهرجانات فى مصر.

جولة فى بعض المهرجانات المصرية الأخرى
مهرجان القاهرة السينمائى الدولى: لم أحضر من الدورة الأخيرة سوى يومَين وإن كنت أرى أن الدورة التى قبلها رقم 36 من أفضل دورات المهرجان وأن الناقد سمير فريد قام بدور كبير فى استحداث العديد من البرامج والقيام بمجهود كبير فى تنظيم المهرجان وإعادة هيكلته.
مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية: أرى أن فيه جهدًا كبيرًا مبذولاً ويقوم بنشاط ثقافى جيد وإدارته تعمل طوال العام، ويقومون بمجهود جيد فى مجال الكتب السينمائية، ومن ذلك أن قاموا بترجمة كتاب «وقائع السينما المصرية» للغة الفرنسية وهو أحد كتبى، كما قاموا فى دورة لاحقة بترجمة كتاب عن «الفيسباكو مهرجان واجادوجو» وأشرفت على تحريره، وفى الدورة القادمة «الدورة الرابعة» أقوم بالعمل معهم على تحرير كتاب جديد.
مهرجان الإسكندرية: أرى أنه يمكن أن يصبح أفضل، ولكنه صار متخمًا بالكثير من البرامج.
المهرجان القومى للسينما: أرى أن مستواه مقبول بالنسبة إلى الوقت الراهن بالنظر إلى مستوى الأفلام المعروضة، وأتمنى إعادة الندوات التى كانت تُقام للمكرمين.
وأرى أن كل المهرجانات التى تفتقر إلى ميزانية كبيرة يجب أن تعمل فى إطار أفقى لا رأسى.

الكتب
معظم الكتب التى كتبتها لم تعد موجودة، لأنها إما طبعت ضمن مكتبة الأسرة، وهى فى الأغلب لا تعيد طباعة كتبها، أو طبعت خارج مصر. والكتاب الذى أود إعادة طباعته هو كلاسيكيات السينما المصرية، لأنه طبع فى مصر على أجزاء ولم يطبع طبعة جيدة. وقريبًا سيصدر لى كتاب «وجوه ومرايا» وهو عبارة عن مجموعة من المقالات التى كتبتها من قبل عن عدد من الفنانين، مثل يوسف شاهين وكمال الشيخ. وأنا أعترف بأنى كسول فى تجميع كتاباتى على الرغم من ملاحقة الكثيرين لى حتى أقوم بالنشر.

قائمة الكتب
- «السينما التسجيلية فى السبعينات» ١٩٨٠
- «السينما التسجيلية- مقالات ودراسات» «إعداد» ١٩٨٢
- «الفيلم السينمائى» «طبعة أولى» ١٩٨٢
- «أفلامنا التسجيلية وجوائزها الدولية» ١٩٩٠
- «أحمد راشد.. عيون تعشق الحياة» ١٩٩٣
- «كلاسيكيات السينما العربية» ١٩٩٤
- «أبيض وأسود» ١٩٩٤
- «السينما المصرية ٩٤» «إعداد ومشاركة فى التحرير» ١٩٩٥
- «لغة السينما» «طبعة ثانية» من «الفيلم السينمائى» ١٩٩٦
- «كمال الشناوى.. شمس لا تغيب» ١٩٩٧ 
- «وقائع السينما المصرية فى مئة عام (١٨٩٥- ١٩٩٤)» ١٩٩٧
- «كلاسيكيات السينما المصرية- جزء ١» ١٩٩٧
- «كلاسيكيات السينما المصرية- جزء ٢» ١٩٩٨
- «كلاسيكيات السينما المصرية- جزء ٣» ١٩٩٩
- «السينما والسياسة» طبعة أولى ٢٠٠٠
- «من أفلام التسعينات» ٢٠٠٠
- «اتجاهات السينما المصرية» طبعة أولى ٢٠٠١
- «اتجاهات السينما المصرية» طبعة ثانية ٢٠٠١
- «السينما والسياسة» طبعة ثانية ٢٠٠١
- «الفن بين العمامة والدولة» مع كمال رمزى ومادلين تادرس ٢٠٠١
- «اتجاهات السينما المصرية» طبعة ثالثة ٢٠٠٢
- «سينما وسياسة» طبعة ثالثة ٢٠٠٣
- «وقائع السينما المصرية فى القرن العشرين» ٢٠٠٤
- «وقائع السينما المصرية (١٨٩٥- ٢٠٠٢)» ٢٠٠٤
- «خمسون فيلمًا من كلاسيكيات السينما المصرية» ٢٠٠٤
- تحت الطبع «وجوه ومرايا».

فى كل ما سبق لم أسعَ قط إلى أى منصب «أنا اتعلمت أشتغل وبس» وكنت أستيقظ وأجد نفسى فى مهمة جديدة، كل ما أعرفه أنى أعشق العمل، ولم يعن لى من قبل أن أكون أمينًا عامًّا فى أى جهة، ثم أنتقل إلى مقعد أحد الأعضاء، كل ما أريده أن أعمل فقط.
سألتنى من قبل الأستاذة إيناس جوهر، لو كان هناك كتاب سيكتب عنك سطرًا واحدًا، سيكتب عن علِى أبو شادى فى كتاب، ماذا تود أن يُكتب؟
فقلت -اقتباسًا من الأستاذ محمد حسنين هيكل- أتمنى أن يكتب عنى «رجل قام بواجبه ومضى».

 

نقلًا عن مجلة «فُرجة»

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات