.

حروب فاتنة.. وقائع مقاومة القبح بالسخرية والخيال

Foto

كيف انتصر الأبطال لأنفسهم وهم لا يملكون الأسلحة؟ وكيف حوَّل المؤلف حسن عبد الموجود التفاصيل العادية إلى عالم قصصى دسم وثرى؟


تخرق هذه المجموعة القصصية قواعد تقليدية عدة تتصف بها أغلب الإصدارات القصصية الحديثة، أهمها طبيعة المكان والزمن، واللافت أنها تفعل ذلك بنعومة ووعى واضحَين، كما أنها تتسم بخيال أقرب إلى الغلالة التى تغلف الأحداث شديدة الواقعية بطبقة رقيقة من عبث وسخرية، حتى يقف القارئ حائرًا غير قادر على فك الاشتباك بين ما يبدو واقعًا وما يمسكه بين يديه من خيال جامح، فلا يملك فى النهاية سوى أن يترك روحه لتتشرب الاثنين معًا برفق واستمتاع بسحرهما معًا.

 

هناك قصتان «إشارات حمراء تفضى إلى بحر» و«ليلة العقرب»، تدوران جغرافيًّا بعيدًا عن مصر، الأولى فى سلطنة عمان، والثانية وسط جبال اليمن، وهناك قصتان تعودان بالزمن إلى الوراء كثيرًا «دراجة تعيد رفيق الحزب القديم»، تستحضر زمن «الحزب الشيوعى» فى سنوات ما قبل ثورة يوليو وصولًا إلى الزمن الحاضر، بينما الثانية «الغرف المنسية» لا يزال بطلها يعيش أجواء زمن الوحدة المصرية- السورية مقصوفة العمر.
 

ويبدو الأثر الصحفى على المؤلف الروائى والقاص والصحفى حسن عبد الموجود، واضحًا، إذ يظهر عالم الصحافة بطلًا فى قصتَى «ماء العقرب وتراب العذراء» و«ضحكات التماسيح»، والأخيرة تستلهم واقعة متداولة بين الصحفيين عن رئيس تحرير مخضرم وجد نفسه فجأة خارج دائرة الاهتمامات والضوء عقب خروجه من منصبه، فيذهب ذات يوم إلى جريدته القديمة بكل ثقة، ويدخل إلى غرفة التنفيذ التى يتم فيها تجهيز الصحيفة، ليقوم بنفسه بوضع تصور للصفحة الأولى مثلما كان يفعل من قبل!
 

ذكاء حسن عبد الموجود القاص أن أخذ هذه الواقعة الصحفية لينسج حولها عالمًا مؤثرًا، إذ إن رئيس التحرير الأسبق يعانى أزمة ما بعد فقدان المنصب، تزامنًا مع انهيار آخر جسور التواصل مع زوجته العجوز الشاردة دومًا، فلا يجد بديلًا ليضفى مرحًا على حياته البائسة، سوى أن يطلق دعابته عن «هروب التمساح الخاص به»، على رواد المقهى، ليثير الفزع بين زبائنه الجدد، ويثير ضحكات زبائنه المخضرمين، حتى عندما يذهب إلى جريدته القديمة مرة أخرى محاولًا ممارسة صلاحيته كرئيس تحرير، ويفاجأ برد فعل عنيف من رئيس التحرير الفعلى، يلجأ إلى نفس الحيلة، ويحذِّر الصحفيين الموجودين فى المكان من أنه فقد «تمساحه» وعليهم الحذر!
 

تبدو «ضحكات التماسيح» واحدة من القصص التى يبدو فيها البطل واعيًا بسلاح الخيال الذى يشهره فى وجه الواقع القاسى الذى يعيشه، بينما الخيال فى معظم القصص الأخرى يتداخل مع مصائر الأبطال دون وعى منهم، مثلما يحدث مثلًا فى قصة «النوم مع فتاة مودليانى»، إذ تخرج الفتاة الشهيرة من إطار لوحتها لتحتضن البطل وتنزعه من عالمه العجيب العبثى، لتنقله إلى عالم مودليانى ونسائه.
 

فى «ماء العقرب وتراب العذراء»، وهى واحدة من أكثر قصص المجموعة ذكاءً فى حبكتها وبنيانها، يلجأ البطل الذى يعمل صحفيًّا إلى استخدام كل ما يملكه من قدرات قد تبدو للبعض خارقة بينما هو يراها عادية، حينما يعرف أن «ملكة» التى يحبها، ولديه كثير من الشكوك المختلطة بالأمانى فى أنها تحبه بدوره، قد تميل لأن تهجره وتتزوج شخصًا غريبًا عنها قادمًا من الإمارات، ولما كانت من برج العذراء، وكان هو مَن يكتب باب «حظك اليوم» فى جريدته، فقد قرر أن يستخدم الأبراج فى خطته، وهكذا مع اقتراب اليوم الذى سيأتى فيه «عريس الغفلة» يصعّد البطل من لهجته الخاصة بحظ برج العذراء «لا داعى للارتباط العاطفى فى الوقت الحالى»، «الرياح السوداء تأتى مع الغرباء»، ولما بدا أنه ليس هناك تفاعل من «ملكة»، قرر أن يجعل الموضوع أكثر صراحة ومباشرة «لا تتزوج شخصًا قادمًا من الإمارات»!
 

تستحضر «ليلة العقرب» أجواءً قد تبدو جديدة فى مكانها على القاص المصرى، زوجة مصرية تقرر اللحاق بزوجها الذى يعمل مدرسًا فى إحدى أقصى بقاع اليمن وعورة، يستقبلها مدير المدرسة بحماس زائد، ومن نظراته الأولى لها تستشعر اشتياقه لها، لكنها تخفى شكوكها عن زوجها المصاب بحمى بسبب لدغة بعوضة أصابته بالملاريا على الأرجح. يحدث ذلك فى زمن بعيد نسبيًّا تزامنًا مع اغتيال الرئيس السادات الذى يحتفظ الزوج بصورة له بجوار صورة زوجته.
تدرك الزوجة أنها فقط لن تبقى إلى جوار زوجها المريض فى أحد الفصول باعتباره «منزل الزوجية»، وأنها أيضًا مجبرة على تحمل بقاء المدير غريب الأطوار معهما، لأن الوقت قد تأخر ولا مواصلات هنا ليلًا. ستكون ليلة عصيبة على الجميع، فى أجواء حسية وتثير الرعب أيضًا من لدغات العقارب والثعابين التى تمرح فى المكان، وهدير القردة التى تلقى العابرين ليلًا بالحجارة.

 

أما فى «حروب فاتنة» التى تحمل المجموعة اسمها والصادرة عن دار كتب خان، فإننا أمام وضع عبثى جديد، يتجلَّى فى قيام مجند بحراسة شجرة جميز من هجمات الغربان، هو لا يعرف ما إذا كان هذا الأمر عقابًا أم تقديرًا له، لكنه فى كل الأحوال يتصور أنه أفضل من «تنظيف دورات المياه»، هذا قبل أن تقرر الغربان أن تعاقبه انتقامًا منه، فيجد نفسه متورطًا فى حرب لا ناقة له فيها ولا جمل.
 

تتسم قصص المجموعة إجمالًا ببناء سردى تصاعدى محكم، وقدرة لافتة من حسن عبد الموجود على اختيار نهايات غير متوقعة، ونفس ساخر حراق يبدو أقرب إلى رؤية فلسفية عميقة للأشياء أكثر منه مجرد حس ساخر محض، يتجلَّى فى قصص مثل «معزة جوركى» التى تبدو نموذجًا للعبث الذى يفضى إلى متعة عن تلك المعزة الشاردة التى وجدتها والدة البطل ذات يوم أمام المنزل، فصعدت بها إلى أعلى، فعاثت فسادًا وأكلًا فى مكتبة البطل، كما يظهر ذلك أيضًا فى «العرض الأخير» التى تروى تعمُّد عاشقَين ممارسة الجنس فى ظلال الأضواء القادمة من سجن مجاور لشقتهما، وسط متابعة من أعين المساجين المتسعة فى شهوة.

 

ويبدو هنا فعل الجنس وكأنه أداة مقاومة أخيرة للبطلَين فى مواجهة حراس السجن، وربما هو أيضًا نفس أداة المقاومة التى يملكها المساجين، حتى ولو اكتفوا بالفرجة.
 

فى العموم، فإن كل أبطال «حروب فاتنة» يقاومون واقعهم البائس والقبيح بالأسلحة المتاحة لهم على قلتها وفقرها الظاهر، قد يكون السلاح هو الخيال أو استحضار رائحة وصور الأحبة أو الارتماء فى أحضان لوحة أو حتى إلقاء الدعابات أو السخرية، وصولًا إلى التدخل فى حركة النجوم والأبراج.
 

ثمة وعى واضح بترتيب عرض القصص فى المجموعة، وكأن هناك غرضًا دراميًّا وسرديًّا من قراءة القصص بترتيب نشرها فى الكتاب. تبدو «دراجة تعيد رفيق الحزب القديم» بداية موفقة للغاية للمجموعة، كونها معزوفة شجية لزمن اندثر، بكل ما فيها من جمال وبراءة وأكاذيب كبرى، بينما تأتى «الغرف المنسية» تالية لها مباشرة، وهى واحدة من أكثر قصص المجموعة عذوبة وشجنًا وأكثرها تركًا للأثر فى نفس قارئها، لتحكى فى خطَّين متوازيين محاولات البطل الخروج من زمن انتهى بكل تفاصيله وآثاره، والامتزاج فى زمن جديد، لكنه يكتشف وهو يهم بذلك أنه يفعله ظنًّا منه أنه يعود إلى الزمن الذى أحبه لا الزمن الذى يعيش فيه.
 

«حروب فاتنة» مجموعة قصصية فاتنة بالفعل، تعيد الاعتبار إلى هذا النوع من الفن البديع الذى ظلمته «هوجة الروايات» فى السنوات العشر الأخيرة، إذ إنها تمنح قارئها نحو 10 دفقات من الحيوات الأخرى الثرية المدهشة التى يمكن أن تولد فى عدد قليل من الكلمات والصفحات، لتكشف لقارئها عن أن الفتنة لا تكمن فى كل ما هو ظاهر ومعروف ومعلن بالضرورة، وإنما فى تلك التفاصيل المدهشة التى يضمها الزمن بين راحتيه، ويغلق عليها كفّه لسنوات، قبل أن يأتى أحدهم -هو قاص متمكن من أدواته بلا شك- ليعيد خلق هذه الحكايات من جديد، وتولد معها متعة وفتنة.
 

اقرأ أيضًا: عندما هتفوا تعالوا نحرق الكتب من هنا

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات