.

السؤال الذى لا يجيب عنه «خوف» وودورد

Foto

كيف استفاد ترامب من هبوط المشاركة السياسية فى أمريكا؟


 

ترجمة: أميرة جبر عن «سى. إن. إن»

 

إن كتاب بوب وودورد «الخوف.. ترامب فى البيت الأبيض» ضربة ناجحة، فقد استولى على الكثير من مانشيتات واشنطن منذ تسريب أجزاء منه الأسبوع الماضى، وفى أول أيام طرحه -الثلاثاء- باع أكثر من ٧٥٠ ألف نسخة.

 

يقدم المراسل الفائز بجائزة «بوليتزر» شذرات دسمة عن شكل الحياة فى المكتب البيضاوى. وحتى فى ظل رئيس يصدم الأمة بشكل فورى عبر الدورة الإخبارية على مدار الـ٢٤ ساعة، استطاع وودورد اكتشاف بعض المفاجآت المذهلة؛ مثل جارى كوهن، الرئيس السابق للمجلس الاقتصادى الوطنى بالبيت الأبيض، الذى -حرفيًّا- سرق وثيقة من أعلى مكتب ترامب ليحمى الأمة ممّا رأى أنه خطر محتمل.
 

ولكن، هل فعلًا يصور كتاب وودورد أبرز ما فى هذه الرئاسة؟ وفى بعض الجوانب وبكل ما فيه من تفاصيل ومصادر مُجهلة، الكتاب سهل التنبؤ به جدا، فمثله مثل كتاب مايكل وولف «النار والغضب»، يغوص كتاب وودورد -بدقة أكبر كثيرًا- فى أعماق سياسة صالونات «ترامبلاند»، غير أن قيامه بذلك قد جعله يفقد الصورة الكبرى.
 

ومثله مثل الكثير من التغطيات الإخبارية التى تركز عدستها على العالمين ببواطن أمور السياسة، لا يتناول وودورد فعليًّا لماذا يستطيع رئيس شديد الاضطراب، تدور أجندته حول الوطنية البيضاء و«أمريكا أولًا»، السيطرة على السياسة الأمريكية فى عام ٢٠١٨، فبعد مرور ٥٠ عامًا على تحويل حركة الحقوق المدنية للبلاد بدفعها نحو الاتجاه التقدمى فى ما يتعلق بالعدالة الاجتماعية، يبدو أننا قد اتخذنا خطوة عملاقة إلى الخلف.
 

لماذا يحدث هذا؟ لا تتعلق الأجوبة بالرئيس بقدر ما تتعلق بكل ما يدور حوله. تلك أسئلة تحتاج إلى الاهتمام المؤرخ بالسياق بدلًا من تعطش المراسل للتفاصيل، والأسئلة بحاجة إلى أن تبدأ بالحزب الجمهورى الذى وفر منزلًا آمنًا لنوعية السياسة الرجعية التى يناصرها دونالد ترامب.
وكما تم توثيقه جيدًا، وعلى الرغم من كل العبارات والتغريدات الكاذبة والمهينة التى خرجت من هذا البيت الأبيض والسياسات الصادمة؛ مثل تفريق الأسر على الحدود، ففى النهاية لا يفعل الجمهوريون فى الكونجرس شيئًا.

 

وعندما أثيرت أسئلة جادة عن الممارسات الأخلاقية للقائد الأعلى، أو قدر ما سيفعله ليحمى عملياتنا الانتخابية، لم يتحرك جمهوريو الكونجرس لتقييد ترامب، وحتى فى الوقت الذى يشن فيه الرئيس هجومًا شاملًا على الصحافة الحرة، يصيح بعض الجمهوريين فى «كابيتول هيل» ويصرخون، لكن لا يقومون بأى مراقبة حقيقية.
 

إن الولاء الحزبى كثيرًا ما يغلب الشجاعة السياسية فى زمن الاستقطاب الحاد. أصبح هناك جمهوريون أكثر وأكثر مستعدين ومتحمسين لتأييد الرئيس فى الانتخابات التمهيدية. وعليه، فقد أثارت قصة ترامب أسئلة عن حالة الحزب الجمهورى بقدر ما أثارت من أسئلة عنه.
 

كما تثير رئاسة ترامب أسئلة جادة عن نظامنا العزيز للضوابط والتوازنات. إلى أى مدى نستطيع فعلًا الاعتماد على الضوابط لتكبح جماح رئيس خارج عن السيطرة؟ ولقد تخيل صناع أفلام هوليوود سيناريوهات بأن ينتهى أمرنا بقادة مستعدين للقيام بأشياء خطيرة، إلا أن الجمهور يميل إلى عدم تصديق إمكانية حدوث ذلك فى حياة الواقعية.
 

وإذا كانت القصص الأفظع فى كتاب وودورد حقيقية، وإذا كانت الاكتشافات فى مقال رأى «نيويورك تايمز» المُجهل عن رئاسة ثنائية المسار.. صادقة، فتلك الكتابات إلى جانب كل شىء آخر رأيناه منذ يناير ٢٠١٧، تشير إلى وجود فجوات كبيرة فى الآليات التى نعتمد عليها لتقييد الرئيس.
 

وربما يكون الإيمان بأن «النظام» بطريقة ما سينقذنا من الموقف الخطير فى غير محله. لقد حان الوقت لنسأل: لماذا لا يوفر نظامنا الدستورى ضمانات أفضل؟ لماذا ينبغى أن نعتمد على مسؤولين فى البيت الأبيض يُخفون أوراقًا من الرئيس؟ ما الخطأ الذى وقع حتى تكون القصص الموجودة فى كتاب وودورد حقيقية؟
 

وماذا عن الناخبين؟ صحيح أن جزءًا كبيرًا من الأمة يرفض ترامب بشدة، ويفضّل وجود شخص آخر فى المنصب، إلا أننا بشكل جماعى سمحنا بتدهور ديمقراطيتنا إلى أن أصبحت رئاسة من هذا النوع ممكنة، وإذ لا يضطر قائد مثله إلى تغيير مساره.
 

وكما يقول يونى آبلبوم فى «أتلانتيك»، فقد نجح ترامب فى الاستفادة من حقيقة أن المشاركة السياسية الأمريكية والتجمع الطوعى مستمران فى الهبوط منذ القرن التاسع عشر، الأمر الذى جعل الناس أقل خبرة بالمؤسسات الديمقراطية، وأكثر انفتاحًا للازدراء الذى يحب بيعه.
 

وبعد ٥٠ عامًا، بدا فيها أن نوعية جورج والاس السياسية قد نُفيت إلى الأبد، يُحيَى إرثه فى البيت الأبيض. كانت عملياتنا السياسية مفككة إلى حد أن مبتدئًا سياسيًّا بتاريخ متقلب فى الأعمال التجارية وادعاء الشهرة من تليفزيون الواقع، سار فى طريقه نحو الرئاسة.
 

وفى الوقت الذى لم يسعد فيه الكثير من الناخبين بترامب أو بالنظام الذى أنتجه -وقد خسر فعليًّا التصويت الجماهيرى- فاز ترامب، فى النهاية، بفضل المجمع الانتخابى، وعلى الأرجح، أصبح انتصاره ممكنًا نتيجة مزيج من العناصر، تتضمن تنامى عدم المساواة وعدم تكافؤ التعافى من الركود الاقتصادى، والعفن الموجود فى نظام تمويل الحملات، وفشل الكونجرس فى الحكم بفاعلية، وعيوب منافسته، ونمو الإعلام الإخبارى المحافظ، واستخدام شبكات التواصل الاجتماعى من قبَل القراصنة الروس، واستمرار القوة الشعبية للأفكار الاجتماعية الرجعية فى أجزاء محددة من البلاد.
 

وحاليًّا، دعم ترامب بين المصوتين الجمهوريين ٨٥٪. ولن نجد الإجابة عن حالة ناخبينا فى بورتريهات المطلعين الذين يسيطرون على الأمور فى البيت الأبيض.
 

وعليه، فقد قدم وودورد مرة أخرى سردًا رائعًا لسياسة الصالونات، هذه المرة فى بيت ترامب الأبيض، ولكنه لم يقدم فهمًا لسبب حدوث كل هذا، ولماذا يسمح له بالاستمرار.
 

ورغم أن هذه ليست القصة التى انتوى وودورد سردها، فإنه لا يمكن تجاهلها؛ لأنها الطريقة الوحيدة للوصول إلى حقيقة ما يحدث اليوم فى السياسة الأمريكية. نحتاج إلى أن نبدأ النظر بدقة أكثر إلى الصورة الكبرى، لنفهم الاتجاهات والديناميات التى خلقت البيئة السياسية السامّة التى سمحت بالرئاسة التى يرسمها وودورد فى كتابه.
 

وحتى نحصل على إجابات عن هذه الأسئلة، لن نتمكن من الحصول على أى ضمان بأن الأمور ستنتهى على ما يرام، أو أن نوعية ترامب السياسية لن تصمد بعد انتهاء رئاسته.

 

...

 

جوليان زيلزير
محلل سياسى بقناة «سى. إن. إن» الأمريكية، أستاذ التاريخ والشؤون العامة بجامعة برينستون، محرر كتاب «رئاسة باراك أوباما.. تقييم تاريخى أول» (٢٠١٨)، ويشارك فى استضافة المدونة الصوتية «السياسة واستطلاعات الرأى».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات