.

اللقطات اللى شايفينها كلها حقيقية

Foto


لم يعد ناقصًا الآن إلا أن يضع إبراهيم نصر يده على كتفنا وهو يخلع الباروكة ويزيل الماكياج ويشير بيده إلى اتجاه الكاميرا ضاحكًا ومخبرًا إيانا أنه «دا برنامج الكاميرا الخفية.. كل سنة وانت طيب.. عايز تذيع قول ذيع»، وسوف نضحك ونحتضنه بمحبة شأننا فى ذلك شأن كل ضيوف البرنامج ونحن نخبره أنه «ذيع»، هذا طبعًا قبل أن تتحول الكاميرا الخفية على يد رامز جلال إلى حفلات تعذيب سادية ومريضة وحائزة أعلى نسب مشاهدة فى رمضان.


المشكلة أن كل ما يحدث الآن على كافة الأصعدة الحياتية ليس برنامج الكاميرا الخفية الطيب بتاع إبراهيم نصر ولا حتى هو برنامج الكاميرا الخفية الشرير بتاع رامز جلال، ما يحدث الآن حقيقى، حقيقى تمامًا، كل ما يحدث حقيقى «اللقطات اللى شايفينها كلها حقيقية، والأبطال أنا وانت وهى.. أنا وانت وهيَّه» كما تقول أغنية تتر البرنامج الشهيرة. لهذا، لا تنتظروا من أحد أن يخلع ماكياجه وهو يضع يده على كتفكم ويشير بيده إلى الكاميرا الخفية، لن يفعل أحد ذلك، لأننا بمنتهى البساطة لسنا فى الكاميرا الخفية، نحن فى الحياة الحقيقية، نحن فى قلب الواقع.
 

وعلى الرغم من أن التفاؤل عمال على بطال يعد هبلًا، إلا أن التشاؤم طوال الوقت يعد أيضًا حماقة. وأنا شأنى فى ذلك شأنكم جميعًا، تتراوح مشاعرى فى هذا الصدد بين التفاؤل شوية من منطلق أن التشاؤم حماقة ثم التشاؤم شوية من منطلق أن التفاؤل عبط. أحاول قفش تلك المنطقة الفاصلة بينهما، أحاول الوصول إلى ذلك التوازن الشعورى الذى يمكننى من وضع الحياة فى جملة مفيدة وحقيقية ومعبرة دون أن أبدو أمام نفسى متفائلًا لحد العبط أو متشائمًا لدرجة الحماقة.

 

أنعزل وأحاول استحلاب سلامى النفسى علَّه يصل بى إلى رؤية أى ضوء تفاؤلى فى نهاية النفق الطويل والمظلم فأجد نفسى عاجزًا عن رؤية أى ضوء، ثم أعود إلى أرض الواقع والتعاملات الحياتية فأجد نفسى واقعًا على جذور رقبتى -مثلكم جميعًا- فى قاع النفق المظلم دون بصيص أمل وفاقدًا كل سلامى النفسى.
 

ربما كل حاجة زى الفل كما تقول البرامج المسائية والتقارير الإخبارية، إلا أن المؤكد أن الناس مكتئبة كما تقول وجوههم فى الشوارع والمواصلات، ربما المجتمع ملتزم ومتدين بطبعه كما تعلمون وعنده أخلاق ومش متناقض خالص ولا بيقول الحاجة ويعمل عكسها، إلا أن المؤكد أن هناك خللًا فى هذا المجتمع اللى ما حصلش هو السبب فى كل تلك الحوادث البشعة التى بتنا نسمع عنها مؤخرًا، أب يذبح أسرته، رجل يائس يقتل أبناءه الأربعة وينتحر بعدها، بنت تستدرج حبيبها لأبيها لكى يقتله ويدفنه فى مطبخ منزلهم، كهنة فى دير يتعاونون لقتل كاهن زميل ويحاول أحدهم بعدها الانتحار ندمًا.
 

ربما الأحوال زى الفل والبلد جميلة والمجتمع ما حصلش، إلا أن المؤكد أن هناك أسبابًا وراء تلك الزيادة فى نسب الانتحار الناجم بدوره عن الزيادة فى نسب الاكتئاب الذى من المؤكد أنه ليس ناجمًا عن أنه كله زى الفل. أسباب ينبغى على الدولة أن تدرسها بجدية، حيث إنه ما المغزى من محاولات النهوض بدولة شعبها مكتئب؟! كيف سيستطيع المكتئب المنشغل بمصاريف المدارس والفواتير والإيجار والأقساط والأكل والشرب النهوض بدولته؟!
 

مؤكد طبعًا أن كل مدينة سكنية جديدة يتم إنشاؤها هى بمثابة رئة جديدة يمكن للوطن من خلالها أن يتنفس بشكل أفضل، وكل طريق أو كوبرى جديد يتم إنشاؤه هو بمثابة شريان جديد يجعل انتقال الناس أسهل وحياتهم أيسر، وكل مشروع جديد يتم إطلاقه يعنى فرص عمل جديدة وإنتاجًا منتظرًا وأرباحًا متوقعة واقتصادًا قادرًا على مواصلة الحياة بمعزل عن القروض الدولية والمنح. تلك كلها أشياء متفق عليها، ولكنها تقودنا بدورها إلى أسئلة سوف تضطرنا إجاباتها إلى الولوج إلى مناطق اختلاف فى الرأى، أسئلة مثل: مَن يبنى تلك المدن ومَن الذى سوف يعيش فيها؟ مَن يشيد تلك الطرق والكبارى ومَن الذى سوف يسير فيها أو يعبر من فوقها؟ مَن يضع خطط هذه المشروعات الضخمة ومَن المسؤول عن إدارتها؟
 

كل تلك الأسئلة وعلى الرغم من تنوعها وتفرعها إلا أن إجابتها فى النهاية واحدة، الإنسان. الإنسان هو مَن يصنع الأشياء ويشيد الأبنية ويبتكر الأفكار ويدير كل هذه المشروعات. وهى الإجابة التى سوف تدفعنا إلى السؤال الأهم: وماذا فعلنا للإنسان؟! ماذا فعلنا لبناء عقله الذى ينبغى أن نبنيه أولًا لكى يستطيع هو بناء أى شىء بعد ذلك؟ بنينا مدارس؟ جميل.. ولكن ماذا عن بناء عقل تلامذة ومدرسى هذه المدارس؟ بنينا مدنًا للقضاء على العشوائيات؟ صح جدًّا طبعًا.. ولكن ماذا عن نفس الأفكار العشوائية التى سوف تنتقل من العشوائيات القديمة لتعَشْوئ المناطق الجديدة؟ ماذا فعلنا للإنسان؟! تركناه لاكتئابه وإحباطاته اليومية، ثم عندما لم يجد أمامه إلا الانتحار تحت عجلات المترو أخبرناه بمنتهى الحزم والحسم أنه «اللى عايز ينتحر ينتحر بعيد عن المترو.. عشان مصالح الناس ماتتعطلش»!
 

لهذا، لا تنتظروا من أحد أن يخلع ماكياجه وهو يضع يده على كتفكم ويشير بيده إلى الكاميرا الخفية، لن يفعل أحد ذلك، لأننا بمنتهى البساطة لسنا فى الكاميرا الخفية، نحن فى الحياة الحقيقية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات