.

الإسلام السياسى ليس ظاهرة دينية والتسامح معه خطأ تاريخى

Foto

لماذا كان اكتشاف حسن البنا التنظيمى لجماعة الإخوان عام 1928 بمثابة اكتشاف القنبلة النووية فى نظر القصر والاحتلال والرجعية؟ كيف ابتلع التيار التنويرى الطعم عدة مرات واعتبر مظاهر التوظيف السياسى للإسلام ظاهرة دينية؟ ما الذى يسهِّل على جماعة الإخوان خداع المصريين؟


شهد عام 1939، المحطة التالية الكبرى من محطات التعاون بين ملكين من ملوك أسرة محمد على، وجماعة الإخوان المسلمين.

كانت المحطة الأولى مع الملك فؤاد الأول، الذى دعم وآزر إنشاء جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 بكل السبل الممكنة، وهيأت جهود ديوان قصره الملكى، بالتحالف مع الاحتلال والرجعية المرتبط بهما، الأجواء لتقبل معتقدات الجماعة ومتاجرتها بالإسلام وأساليبها الدينية السياسية ذات الطبيعة البدائية والفجة والفاشية، وكانت لا تزال تعد شاذة وغريبة على المجتمع المصرى ومناخه السياسى الليبرالى السائد أيامها.

وقع ذلك فى إطار صراع الملكية مع حزب الوفد الذى نهض شعبيا بتمثيل القضية الوطنية الأولى آنذاك، وهى قضية الاستقلال، ما جعله يحظى بشعبية ساحقة وبتمثيل أوفى لمعظم فئات وطبقات المصريين.

وكان اكتشاف حسن البنا التنظيمى لجماعته الوليدة أيامها بمثابة اكتشاف القنبلة النووية فى نظر ثلاثى القصر والاحتلال والرجعية المتحفزة بكل السبل للقضاء على شعبية حزب الوفد.

أدخل مؤسس جماعة الإخوان، الإسلام إلى ساحة المعركة ضد شعبية الوفد الطاغية، وطوع نفسه وجماعته كأداة طعن مسمومة قابلة للتوظيف للقضاء على شعبية الوفد، ومن ورائه مستقبل قضية الاستقلال الوطنى كلها.


ثم أتت المحطة الثانية الخطيرة فى بداية صعود الجماعة إلى أوج قوتها عام 1939، حين أسلم خليفة «فؤاد» وابنه الملك الشاب وقتها «فاروق الأول» قيادة ديوان القصر الملكى إلى ثلاثى أصبح بمثابة رأس الحربة فى توظيف الإسلام السياسى لصالح توجهات القصر والملك، وهم: أحمد ماهر وكامل البندارى والشيخ المراغى.

وقد تولى الأول، وهو رئيس الوزراء السابق الذى كان يحظى بإعجاب حسن البنا الشديد، مهمة تنسيق التحالف بين القصر الملكى والجماعة، ووضع على عاتقه أيضا مهمة تحريك مرشدها والتحكم فى أدائها. بينما تولى الأخير، وكان شيخ الأزهر، توظيف المؤسسة الدينية الأزهرية لخدمة القصر وتوجهاته المعادية لحزب الوفد.

وأفرزت هذه الاستراتيجية الملكية الجديدة كأثر جانبى -لأن الهدف الأول منها كان تدمير شعبية الوفد سياسيا- مناخا عاما جديدا سلبيا ومتشددا نتيجة القبول بشكل رسمى بالتوظيف السياسى للإسلام فى الصراعات الحزبية.

وعرفت مصر من هذه الآونة أساليب القمع الأصولى التكفيرى الشرس لمجمل تيار التنوير والتجديد، ولرموزه وأحزابه واتجاهاته.

وكان ذلك بمثابة رد على مناخ التفتح الفكرى الذى كان سائدا قبل عام 1939.

وبدءًا من هذا العام أيضًا، شهد نشاط جماعة الإخوان طفرة هائلة ارتكزت على دعم اقتصادى مهول، وشاركتها فى ذلك أحزاب أخرى صغيرة تختلف عنها فى البناء السياسى، لكن ليس فى الطبيعة الدينية وشبه العسكرية «الفاشية»، ولا فى العداء لحزب الوفد، مثل «مصر الفتاة».


المدهش هنا، كان التقدم السهل الذى حققه هذا المناخ الجديد، وما كان يعنيه ذلك من هزيمة لتيار التنوير والنهضة والتجديد، هزيمة تمثلت فى تراجع لمجمل هذا التيار المدنى التنويرى أمام ظاهرة التوظيف السياسى للدين، سواءً كأفراد ورموز أو كمؤسسات على رأسها الجامعة المصرية «جامعة فؤاد الأول سابقا»، وهو تراجع أدى إلى مزيد من استفحال نمو ظاهرة الإسلام السياسى بالتضافر مع عوامل الدعم السياسى والمالى الكاسح لجماعة الإخوان ومؤسسها من قبل ثلاثى «القصر والاحتلال والرجعية الاجتماعية».

وكان هذا التراجع المؤسف أمام تمدد ظاهرة الإسلام السياسى، قد وصل إلى حد أن وصفه باحث فى تاريخ هذه الفترة، هو د.محمد جابر الأنصارى، بشبه انقلاب أدى إلى أن «انقلبت الصورة تماما فإذا بالإسلام باعتباره قوة عقَدية اجتماعية سياسية جامعة يقوم، وإذا بالليبرالية العلمانية تنحسر، وحتى الليبرالية المخففة المطعمة بعناصر تراثية أخذت تزيد من تقبلها للأفكار الرجعية، فقد أصبح واضحًا أن رغبة العرب فى دفع السيطرة الأوروبية عنهم تفوق بكثير رغبتهم فى استيعاب الحضارة الأوروبية».


ويبدو أن ما أخطأ فيه التيار التجديدى التنويرى بكل اتجاهاته وأطيافه من خطأ فادح وقتذاك، كان أنه ابتلع الطعم عندما اعتبر هذه الظاهرة السياسية التى نتجت عن تحالف القصر وتيار الإسلام السياسى، ظاهرة دينية مجتمعية وتعامل معها على أساس من هذه النظرة الخاطئة.

وبحسب ما لاحظه مستشرق أمريكى، هو «ج.بادوا» فى دراسته لتاريخ هذه الفترة، فإن «نمو الظاهرة الدينية ليس إحياء عقَديا فكريا وإنما إحياء سياسى اجتماعى، فليس فيها اجتهاد دينى وفكرى جديد، وإنما هى ظاهرة اجتماعية تستخدم الدين لأهداف سياسية، فالإحياء هنا وعلى وجه التحديد إحياء للدين كعامل اجتماعى وكحزب سياسى».


هذا التراجع والانقلاب، الذى أفضل وصفه بالانكسار، أمام التوظيف السياسى للإسلام بمظاهره المزيفة وأسلحته التكفيرية، تمثل فى تسامح التيار التنويرى مع أفكار «تديين» المناخ العام بكل مخاطره على حاضر ومستقبل القضايا السياسية والوطنية المصيرية، ورغم أنه تديين مزيف ومضلل ومعطل لحركة تحديث المجتمع وتنميته واستقلاله، ورغم أنه كان يغطى شبكة آثمة من مصالح الاستبداد الملكى والرجعية السياسية والمحتل الأجنبى.

يمكننا احتساب هذا الاستسلام لموجة التوظيف السياسى للإسلام عاملا من العوامل الهامة التى أدت فى ما بعد إلى تدهور وانحطاط الحقبة الليبرالية الذهبية الأطول فى التاريخ المصرى، رغم وجود الاحتلال.

كما يمكننا احتسابه أيضا من بين نقاط الضعف البنيوية التى شابت جهود التجديد الفكرى والدينى المصرى فى القرن العشرين كله.

وهو ما تكرر نصا تقريبًا فى عام 1974، العام الذى شهد تحالف السلطة الساداتية مع الإسلام السياسى، وفى المقدمة كذلك كانت جماعة الإخوان. ثم ما أفرزه ذلك بالتالى من مناخ دينى واجتماعى متشدد، أدى بدوره إلى انحسار وانكسار التيار المدنى التنويرى.

وهو انكسار يعود بدوره فى الأساس إلى هذه النظرة الخاطئة لظاهرة التمدد السياسى الأصولى باعتبارها ظاهرة دينية، وهى نظرة تجسدها مقولات انتشرت منذ هذا الوقت؛ مثل «التمسك بالهوية» و«العلم والإيمان» و«الأصالة والمعاصرة» و«شعب متدين بطبعه».


لقد أدى تسامح عقل التنوير والتجديد المصرى مع مناخ التطرف وظواهر التشدد التى أفرزها تحالف السلطة السياسية للدولة مع تيار الإسلام السياسى إلى تكرار مؤسف لنفس الخطأ التاريخى عدة مرات، وهو محاولة مسايرة هذا المناخ والاستجابة لما ينطوى عليه من ضيق أفق واستعداد للعنف ومصادرة على العقل ومطاردة للتجديد، بل والحذر والتخوف أمام الابتزاز الدينى بأدوات التكفير والتخوين والإرهاب؛ وهو ما أدى على مر عقود إلى خفوت بريق أفكار التنوير والتجديد فى نسيج العقل المصرى بعامة، وإلى إصابته بعجز استمر لعقود عن التعامل بعقلانية وتماسك مع ظواهر التشدد وعلل التخلف التى يفرزها ويحارب بها تيار الإسلام السياسى حربه غير الشريفة، وهى علل تبدأ من إشاعة واستثمار أجواء النفاق الدينى وصفقات الاستغلال السياسى والنصب الاقتصادى، ولا تنتهى عند حد الاغتيال المعنوى وتصفية الخصوم.


وأعتقد أنه لولا التكرار المستمر لهذا الخطأ الشنيع طيلة القرن العشرين كله، لما كان ممكنا لجماعة مثل الإخوان المسلمين أن تبلغ ما بلغته من توحش مدمر عدة مرات خلال تاريخها، ولا أن تمارس ما مارسته من خداع للمصريين، بما فيه ما كان عقب ثورة 25 يناير.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات