.

سيرة باتريك موديانو الروائية

Foto

رواية «سلالة» تنتمى إلى رواية تيار الوعى الذى يعتمد على الراوى الذاتى الذى ينقل لنا فيض مشاعره وأفكاره، ويصور الواقع حسب «وعى» الشخصية، حسب ما يراه هو، لا كما هو واقع فى الحقيقة


 «أنا كلب يريد الإيحاء بأنه يتمتع بسلالة، كلب بلا سلالة، بقى متروكا لحاله أكثر مما ينبغى».. بهذا التوصيف اندفع الكاتب الفرنسى «باتريك موديانو» الحاصل على جائزة نوبل عام 2014، فى كتابة سيرته الذاتية فى رواية «سلالة»، ترجمة دانيال صالح، الصادرة عن مشروع «كلمة» التابع لهيئة أبو ظبى للسياحة والثقافة.


ولد «باتريك موديانو» قرب باريس فى 30 يوليو 1945 لأب يهودى فرنسى من أصل إيطالى، يقوم بأعمال مشبوهة ويعتاش من السوق السوداء، وأمه ممثلة مغمورة من أصل فلامندى، وعن علاقته بوالدته يقول «لم أنجح فى تبديد العدائية التى لطالما أظهرتها والدتى حيالى وقلة عطفها على.. أحيانًا تتملكنى رغبة طفولية فى أن أدون بشكل واضح ومفصل كل ما عانيته من جراء قسوتها وطيشها»، والداه يسعيان دومًا للتخلص منه، عند أحد المعارف أو الأصدقاء أو فى مدرسة داخلية أو لتجنيده، وهذا ما جعله يلهث باحثًا عن أى صلة بهما، يبحث لنفسه عن أصول، أو «سلالة» ينتمى إليها، فجاءت سيرته الذاتية، بعيدة عن التجميل أو الإدانة أو الحميمة أو التأمل أو إصدار الأحكام: «فى عبارة موجزة، أكتب هذه الصفحات كمن يحرر محضرًا أو سيرة شخصية بصفة توثيقية، ربما للانتهاء من حياة لم تكن تخصنى».


رواية «سلالة» تنتمى إلى رواية تيار الوعى الذى يعتمد على الراوى الذاتى الذى ينقل لنا فيض مشاعره وأفكاره، ويصور الواقع حسب «وعى» الشخصية، حسب ما يراه هو، لا كما هو واقع فى الحقيقة، وهذا ما جعل تقنيات رواية تيار الوعى تلجأ إلى أشكال جديدة تناسبها، وتتخلى عن الراوى العالم والتسلسل المنطقى للأحداث، كما فى القصة الكلاسيكية، مستخدمًا تقنية «عين الكاميرا»، والتداعى الحر للأشياء، فتبدو الرواية غامضة ومعقدة، متقاطعة ومتشابكة، والحبكة مفككة، ومبعثرة ومختفية فى كل أجزاء الرواية، معتمدًا على «المحور» الذى يضىء الرواية ويفسرها.

المحور الذى تدور حوله جميع عناصر الرواية.. محور «سلالة» ذاكرة تجاهد النسيان، وتوثق لضياع الأبوين، فى ظل الاحتلال الألمانى لفرنسا وأجواء الحرب العالمية الثانية، مساحات من البؤس، كائنات هشة بلا مصائر، والشخصيات أشباح تظهر وتختفى، «إنهم أشخاص من المستحيل إطالة التوقف عندهم، مجرد مسافرين مشبوهين يعبرون ردهات محطات القطارات من غير أن أعرف يومًا وجهتهم، إن افترضنا أن لهم وجهة».


تعتمد الرواية لغة خاصة، «فتاة جميلة، جافة القلب، التقت برجل أسمر قصير القامة عاطفى للغاية ولبق للغاية، أصبحت عشيقته.. عصبية جدًّا، تصغره بعشرين عامًا، شعرها أصفر بلون القش.. عادت والدتى من رحلتها من إسبانيا، كانت مفلسة تمامًا ولا تمتلك إلا زوجين من الأحذية، ولم تتخلَّ عن عنجهيتها وتتحدث بزهو عن إندونيسيا ومصارعى الثيران.. شاب روسى يدعى جورج إسمعيلوف، كان مصابًا بالسل غير أنه كان يخرج على الدوام بلا معطف فى شتاءات الاحتلال القارسة»، الكاتب «يرشق» الشخصية أو المكان بوصف فى كلمة أو كلمات قليلة، وصف موجز، تظهر فيه الشخصية وتختفى سريعًا، وتظل عالقة فى ذهن القارئ.


تتابع المعرفة المعلوماتية، والسرد التوثيقى فى الرواية: «انقلاب الجزائر» فى 21 إبريل 1961.. اللافتة الحمراء أعدتها أجهزة الدعاية النازية وعُلقت فى باريس والمدن الكبرى فى 21 فبراير 1944، لإعلان إعدام 23 مقاومًا،  فتحقق الإثراء الفنى، وتؤسس لفضاء النص، وتعطى صورة كاملة عن البيئة الخارجية التى يتفاعل معها الراوى ويتأثر بها، مما جعل رواية «سلالة» التى لا تتجاوز مئة وخمسين صفحة، مكثفة وموجزة وناجزة.


يعترف الكاتب أنه سلب، ملابس وكتب وآلة موسيقية؛ لأنه لم يكن يملك النقود، واعتبارًا من اللحظة التى بدأ فيها الكتابة، لم يعد يرتكب أدنى سرقة، وإنه منذ قبول روايته الأولى فى ربيع 1967، ومع نجاحه الأدبى، توصل إلى سلالته، التى تتمثل فى أن سيرة الإنسان الحقيقية هى عمله، «فى ذلك المساء، شعرت بنفسى خفيفًا لأول مرة فى حياتى، التهديد الذى كان يلقى بظله علىّ طوال تلك السنوات، فيرغمنى على البقاء مترصدًا دومًا، ذلك التهديد تبدد فى هواء باريس».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات