.

ماذا قال كاتب إسرائيلى عن الملاك أشرف مروان؟

Foto


 

ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن فرى بيكون»

 

ينبغى أن تكون قراءة كتاب «الملاك» ليورى بار جوزيف مقررة، كتحذير رهيب، لكل من لهم علاقة بالاستخبارات. إنه قصة كيف أخطأ جهاز استخباراتى على الرغم من امتلاكه أفضل معلومات يمكن تخيلها.

يروى جوزيف أنه قبل حرب يوم كيبور عام ١٩٧٣ عندما تكبدت إسرائيل ضربة شبه قاضية كان لديها مسبقا معرفة تفصيلية بخطط مصر بفضل «وضع نادر بشكل استثنائى فى تاريخ الجاسوسية؛ حيث كان المساعد المباشر لقائد البلد الذى يستعد لإطلاق هجوم على عدوه عميلا سريا لصالح هذا العدو».

 

كان هذا العميل السرى أشرف مروان، زوج ابنة الرئيس المصرى جمال عبد الناصر وكاتم الأسرار الموثوق به لخليفته أنور السادات. ويمتلك جوزيف، أستاذ العلوم السياسية بجامعة حيفا، الخلفية المثالية لتأليف هذا الكتاب كمحارب قديم. وقد اتخذت محاولته المبكرة «الحارس قد نام» منظورا واسعا للإخفاقات الاستخباراتية التى أدت لحرب يوم كيبور، وهذا الكتاب يعد أهم دراسة فى هذا الشأن، وقد فاز بجائزة جمعية العلوم السياسية الإسرائيلية لأفضل كتاب عام ٢٠٠٢. وفى «الملاك»، الذى ترجمه ديفيد هازونى ببراعة، يركز جوزيف حصريا على قصة الجاسوس المحورى للدراما والتفكير المتحجر الذى منع إسرائيل من الاستفادة من الأسرار التى قدمها.

 

فى صيف ١٩٧٠ قام مروان ببساطة بمراجعة دفتر التليفونات واتصل بالسفارة الإسرائيلية من كابينة هاتف لندنية ليعرض خدماته. واستلزم الأمر مكالمة ثانية بعد ٥ أشهر ليفيق عملاء الموساد لحقيقة أنه يعرض عليهم ما يطلق عليه أحد رؤساء الموساد السابقين «أعظم مصدر كان لدينا على الإطلاق».

 

ماذا كان دافع مروان؟ يجازف جوزيف ببعض التخمينات. كان ناصر، على عكس طبيعة القادة العرب، محصنًا ضد الفساد المالى، ولم يكن لديه أى نية للسماح لزوج ابنته الطموح باستغلال اتصالاته العائلية الجديدة لإثراء نفسه. لم يكن يحب مروان، وعندما رفضت ابنته أمره بالطلاق منه، وضعه فى وظيفة بمرتب ضئيل ونطاق محدود. وفى الوقت الذى قد تفسر فيه الرغبة فى الانتقام من ناصر وتحسين وضعه المالى قرار مروان الأولى فإنهما لا يفسران تجسسا لصالح إسرائيل بعد وفاة ناصر. تحسن وضع مروان بشكل راديكالى بعدما دعم السادات فى مواجهة محاولة انقلاب قصر، ومنذ ذلك الحين تمتع بدور رئيسى فى دائرة السادات الداخلية. يقترح جوزيف بدلا من ذلك أن مروان كان لديه احتياج للعيش بشكل خطير والبحث عن المخاطر أشبه بعشاق الأدرينالين. وكما يكتب جوزيف، أيا كانت دوافعه فإن وفرة المعلومات التى تدفقت من خلاله، وأهمها كان بشأن الجيش المصرى «تخطت أى شىء كان الإسرائيليون يعرفونه. كانت غير مسبوقة فى جودتها».

 

ووجود هذا الكم الهائل من المعلومات تحت تصرف إسرائيل إنما يطرح سؤالا: ما الخطأ؟ وإذا ظهر مذنب واحد من هذه القصة فهو اللواء إيلى زيرا، رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية الذى أصبح أسير ما عرف باسم «kontzeptzia»، وهى النظرية التى قالت إن مصر لن تخوض حربا ضد إسرائيل إلا عندما تتخطى ضعفها العسكرى من خلال الحصول على طائرات حربية أفضل وقاذفات قنابل ذات مدى أبعد وصواريخ سكود.

 

وللمفارقة كان مروان شخصيا هو مصدر هذا التحليل. ولكن، كما يشير جوزيف، كان مروان أيضا «المصدر الرئيسى للمعلومات بشأن تغيير مصر لنواياها الأمر الذى كان ينبغى أن يقنع الإسرائيليين بأن الإطار لم يعد ذو صلة». وفى الوقت الذى غير السادات رأيه كان «زيرا» غير قادر على تغيير رأيه.

 

رفض «زيرا» ومجموعة الضباط الذين قادهم معلومات مروان الجديدة على أنها خاطئة أو غير ذات صلة. ويصف جوزيف إيمانهم بـ«kontzeptzia» بإيمان «حازم أقرب للدينى»، ومحصن ضد «كتلة من المعلومات الحرجة التى كان لها تفسير منطقى واحد فقط وهو أن مصر وسوريا متوجهتان للحرب.. وقد استمر عنادهم حتى صباح يوم ٦ أكتوبر عام ١٩٧٣ (يوم الهجوم)، وكان أكبر سبب منفرد لسيران الأمور على نحو خاطئ تماما من وجهة نظر إسرائيل».

 

ولم ينجح أى شىء فى الاختراق. الملك حسين حذر رئيسة الوزراء جولدا مائير. قال «زيرا» إن التحذير لا يمكن الاعتماد عليه. كانت هناك مستويات إنذار عالية فى القوات الجوية المصرية، المخابرات العسكرية تجاهلتها، ورفضت المخابرات العسكرية استعدادات الحرب السورية على اعتبار أن سوريا لن تهاجم من دون مصر. حتى الإخلاء الطارئ لجميع الأفراد السوفييت من مصر وسوريا لم يزحزح «زيرا» عن إيمانه.

 

وفى مواجهة أدلة دامغة المخابرات العسكرية «اختارت أى تفسير يسمح لهم بالاستمرار فى الإيمان بـ(kontzeptzia)»، كما يقول جوزيف. أخيرا، طالب مروان باجتماع فى لندن، تقابل معه رئيس الموساد تسفى زامير وقيل له إن مصر وسوريا سيطلقان هجوما شاملا فى اليوم التالى. ووافقت جولدا مائير أخيرا على استدعاء احتياطى الجيش.

 

وكان قد فات الأوان لمنع الكارثة على الجبهة الجنوبية. وكما يكتب جوزيف فى «الحارس قد نام»: «إن إجمالى عدد الجنود على خط بارليف فى الثانية عشرة من ظهر يوم كيبور وصل إلى ٤٥١ من بينهم ٣٣١ جنديا مقاتلا. وكانت هذه القوة المقاتلة الصغيرة ذات جودة ضعيفة؛ حيث انتمت الكتيبة ٦٨، التى دافع جنودها عن الخط، إلى فرقة القدس الإقليمية، وهى قوة احتياطى من الدرجة الثانية وفق معايير جيش الدفاع الإسرائيلى. كان الكثير من الجنود تقريبا غير مدربين، وأغلبهم لم يكن لديهم خبرة قتالية».

 

وحتى هذه اللحظة يبدو أنه كان من الأنسب تغيير عنوان الكتاب إلى «الجاسوس المصرى الذى حاول إنقاذ إسرائيل». ولكن جوزيف يرى أن التحذير جاء فى الوقت المناسب لتغيير المحصلة فى الجولان؛ إذ يكتب «باسترجاع الأحداث فإن أشرف مروان مسؤول بشكل منفرد عن تمكين إسرائيل من منع الغزو السورى لمرتفعات الجولان فى حرب يوم كيبور». كما منع تحذير مروان خطة مصرية بقذف وسط تل أبيب.

 

دفعت إسرائيل بطائرتين مقاتلتين لاعتراض قاذفات القنابل حيث قامت إحدى الطائرتين الإسرائيليتين حرفيا بضرب صاروخ أطلق من إحدى القاذفات المصرية. وإذا كان الهجوم على تل أبيب قد نجح كان قد أثر بشكل كبير على الروح المعنوية الإسرائيلية والطريقة التى تطور بها الصراع، بحسب جوزيف. وفى نهاية المطاف غيرت القدرة القتالية الإسرائيلية المتفوقة دفة الحرب.

 

وعلى الرغم من استبعاد «زيرا» من قبل اللجنة التى بحثت فى الأسباب وراء إخفاق إسرائيل الاستخباراتى، لم يكن قد انتهى؛ فبعد عقود بدأ يلمح بمن كان الجاسوس فعلا لبعض الكتاب والصحفيين. وأصر أن الجاسوس كان عميلا مزدوجا، وهى التهمة التى يكشف جوزيف عدم صحتها بشكل تام. كان هناك عملاء بالموساد يريدون تقديم «زيرا» للمحاكمة لكشفه مصدرا ولكن مير داجان رئيس الموساد رفض الفكرة لأنه شعر أن المحاكمة ستعترف بأن مروان كان الجاسوس. وثبت صحة وجهة نظره؛ إذ كانت محاكمة، هذه المرة بدأها «زيرا»، التى أدت إلى وفاة مروان.

 

فى عام ٢٠٠٤ نشر «زيرا» طبعة جديدة من كتابه والتى حدد فيها أشرف مروان بالاسم. واتهم تسفى زامير، رئيس الموساد فى وقت الحرب، «زيرا» بالكشف عن مصدر و«كسر الوصية الأولى من الوصايا العشر لوحدة الاستخبارات». ورفع عليه «زيرا» دعوى قضائية بتهمة التشهير، وجاء الحكم ضده وتم نشره يوم ٧ يونيو ٢٠٠٧. وبعد أقل من ٣ أسابيع سقط أشرف مروان لحتفه من شقته فى لندن. وبالنسبة لجوزيف من الواضح أن المصريين قتلوه. فى مواجهة الحقيقة المخجلة جدا بوجود خائن فى القمة تبنت القيادة خط أنه كان عميلا مزدوجا وتسترت على الأمر بحضور جنازة مروان.

 

إن «الملاك» كتاب رائع؛ به كل التوتر ومنعطفات الحبكة والشخصيات الدرامية الخاصة بروايات الجاسوسية، غير أنها قصة حقيقية بالإضافة إلى أنك تشجع مصريا وضد إسرائيلى. لم يدفع «زيرا» ثمن ما فعل. ولكن أكثر ما يثير القلق هو أن هناك مثله آخرين ملتزمين بـ«kontzeptzia» أخرى غير صحيحة؛ إذ قامت مؤخرا مجموعة مكونة من ٢١٤ لواء إسرائيليا متقاعدا بنشر تقدير موقف يدعو إسرائيل من جانب واحد أن تترك الضفة الغربية والقدس الشرقية. إنهم محبوسون فى «kontzeptzia» الأرض مقابل السلام، وهى فكرة تعيش على الرغم من الأدلة الدامغة على أنها لا تصلح. ونستطيع القول بأنها أكثر خطورة من الـ«kontzeptzia» التى قاربت على تدمير إسرائيل عام ١٩٧٣، وبالتأكيد ذات أجل أطول.

 

ديفيد إسحاق
محرر بموقع «نيوزماكس» ومؤسس موقع التاريخ الصهيونى

 

للاطلاع على المقال بالإنجليزية اضغط هنا

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات