.

المَس الشيطانى.. خرافة سببها أخطاء المفسرين الأوائل

Foto

لماذا تخيَّل المفسرون الأوائل أن تفسير «المس» هو مرض الجنون الذى تسببه الشياطين ولم ينتبهوا إلى معنى المس كما ورد فى القرآن؟ كيف توسع المفسرون فى أنباء الغيب وأخبار الجن رغم أن القرآن نفى صراحةً لقاء النبى واستحالة الاتصال بهم؟


يقول تعالى: «الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس» «البقرة: 275».


الناظر فى تراث التفسير القرآنى يمكنه أن يلمس كيف أفسحت التفسيرات الغيبية المتوهمة لهذه الآية الكريمة مجالًا واسعًا لانتشار الكثير من الخرافات المرتبطة بعلاقة الإنس بالجان منذ أقدم العصور وحتى اليوم، فالاتجاه الغالب عند المفسرين الأوائل -وعلى خلفية ثقافتهم الغيبية ذات الميسم الخرافى- كان تشخيص «المس» المقصود بالآية بمعناه الحرفى، أى كما لو كان جنونًا مرضيًّا لم تكتشف أسبابه، واعتقدوا أنه ناتج عن لمس بعض الجن للإنسان!

 

يذهب «قتادة» و«السدى» وغيرهما، كما يُذكر فى تفسير «الطبرى»، إلى تأويل المس بما يعنى أنهم «بُعثوا وبهم خبل من الشيطان، وهو التخبل الذى يتخبله الشيطان من الجنون»، ويقول عنه «ابن زيد»: «هذا مثلهم يوم القيامة لا يقومون يوم القيامة مع الناس إلا كما يقوم الذى يخنق من الناس، كأنه خنق، كأنه مجنون»! ويستنتج «الطبرى» من سائر التأويلات المأثورة التى يسردها أن المس هو «إذا ألم به اللمم فجن»!
 

ورغم أننا نعود فى زماننا -كثيرًا وبزهو- إلى كشوف كبار الأطباء الفلاسفة فى عصور الازدهار العلمى العربى، كـ«ابن سينا» و«الرازى» وغيرهما، للأمراض مجهولة الأسباب مثل الجنون، ونفخر بأن طبيبًا مثل «ابن سينا» رفض أن يشخّص المرض العقلى بوصفه من عمل الجان الخفى أو من أعراض المس الشيطانى الخبيث، وأنه كتب وصفًا علميا دقيقًا بديعًا لأعراض «المالنخوليا»، قال فيه: «علامة ابتداء المالنخوليا ظن ردىء وخوف بلا سبب وسرعة غضب وحب التخلى واختلاج ودوار ودوى... فإذا استحكم فالتفزع وسوء الظن والغم والوحشة والكرب وهذيان كلام وأصناف من الخوف مما لا يكون أو يكون». إلا أننا ننسى غالبًا التأثير المحدود للغاية لعلوم كبار الفلاسفة وصفوة حكمائهم على الناس الذين كانوا يوصفون فى هذه العصور بالعامة والدهماء. ننسى كذلك السلطة اللا محدودة التى مارسها عليهم -وعلى الخلفاء والسلاطين والولاة أيضًا- رجال الدين والفقهاء والسلفيون، وهؤلاء نادرًا ما يخرج من بين صفوفهم مَن ينحازون للعلم ويعادون الخرافة، ويندر بينهم مَن لا يحولون هذه الأخيرة إلى خرافة مقدسة يكفر من لا يعتنقها عبر إلباسها ثوب الدين والوحى الإلهى، وهو ما ظل يحدث لقرون متعاقبة من غرس تأويلهم الخاطئ لقوله تعالى: «الذى يتخبطه الشيطان من المس» باعتبار المقصود به المصاب بمرض الجنون والمس الشيطانى.
 

وبما أن القرآن الكريم تحدّث بالفعل عن وسوسة الشياطين، فكان فى وسع المفسرين أن يفترضوا أن المراد ببساطة هو التخبط الذى ينتج عن وساوس الشيطان المغرية الخبيثة واستحواذها على عقل وعاطفة الإنسان، ما يسبب الحيرة والتخبط. أى يقومون بتفسيرها فى ضوء قوله تعالى: «كالذى استهوته الشياطين فى الأرض حيران» «الأنعام: 71»، خصوصًا أن المس مذكور بهذا المعنى الأخير -أى التخبط الذى تسببه وساوس الشياطين- فى آيات أخرى، كقوله تعالى: «واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مَسنى الشيطان بنصب وعذاب» «ص: 41»، وكقوله: «وأيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين» «الأنبياء: 83». والمقصود فى الآيتين بوضوح ضر وساوس الشيطان ودسائسه الخبيثة التى توقع الإنسان فى مكابدة الآلام، وليس الجنون والمس بمعناه الحرفى الخرافى.
 

وقد يكون للخلفية الثقافية والمعرفية الموروثة لدى المفسرين الأوائل والمتصلة بالجنون ما يُلتمس به عذر لهم، فالجنون كما يبدو من الاصطلاح يرتبط بلفظ «جن»، وفى ذلك يقول معجم «لسان العرب»: «فى الحديث: جنّ عليه الليل أى: ستره، وبه سمى الجن لاستتارهم واختفائهم عن الأبصار، ومنه سمى الجنين لاستتاره فى بطن أمه…» وقد يقال قياسًا على ذلك إن أصل «الجنون» هو معنى استتار العقل أو نقصانه، لكن «لسان العرب» يؤكد بعكس ذلك ارتباطه بالجن، فيقول: «لفظ (ج ن) إنما هو موضوع للتستر على ما تقدم وإنما عبر عنه بأُجَن لأن الجن مما يلابس الفكر ويجنه القلب فكأن النفس مجنة له ومنطوية عليه»!
 

ولعلنا بذلك نكون خرجنا من موضوع إساءة قراءة المفسرين الأوائل لمعنى المس الشيطانى كما ورد فى القرآن، واستشرفنا إساءة قراءة أخرى مرتبطة بها، هى إساءة تأويل وصف العلاقة بين الجن والإنس كما هى عليه فى القرآن. وربما يتطلب هذا الموضوع مقالًا أو مقالات مستقلة، لكن قصارى القول فيه، فى تقديرى، هو ما ذكره الإمام «محمد عبده» فى واحدة من فتاواه الهامة فى نهاية القرن التاسع عشر، ذهب فيها إلى أن الجن قوة من قوى الكون الخفية والمستترة عن حواس الإنسان، وأنه لم يثبت من القرآن الكريم أى إمكانية تتوفر لدى البشر للاتصال بهم، فضلًا عن أن يفكر أحد فى أنه من الممكن تسخيرهم فى أعمال الشر -أو فى أعمال الخير- حسب الخرافة السائرة، فالله مَن أوحى للنبى طرفًا من أخبار الجن، ونفى أن النبى اطّلع على هذه الأخبار بنفسه، وهو فحوى قوله تعالى: «قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3)» «الجن».
 

فى تفسير هذه الآية يقول «ابن عباس» كما ينقل عنه تفسير «الطبرى»: «ما قرأ رسول الله على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله فى نفر من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، قال: وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب فقالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شىء حدث، فانطلقوا فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذى حدث. فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يتتبعون ما هذا الذى حال بينهم وبين خبر السماء، فانطلق النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله بنخلة وهو عامد إلى سوق عكاظ وهو يصلى بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا والله الذى حال بينكم وبين خبر السماء…».

 

المتأمل فى الخبر ربما يلتفت إلى مفارقة أن «ابن عباس» الذى نفى أن يكون النبى التقى مع الجن يعقب ذلك بخبر مطول يصف فيه من أنبائهم ما لا يصح معرفة تفاصيله دون افتراض وقوع لقاء معهم، إن لم تكن معايشة بشرية لهم أيضًا! ولعل قارئ الخبر يلاحظ كذلك أنه يعتمد فى ما يرويه من أنباء الجن على تفسيره آيات أخرى وردت فى سورة الجن، وتقول على لسانهم: «وأنّا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا، وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا، وأنا لا ندرى أشر أريد بمن فى الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا» «الجن: 8 و9 و10». وذهب المفسرون إلى أن الشياطين طُردت من مقاعدها وضُربت بالشهب حين بُعث النبى لِئلا يسترقوا شيئًا من القرآن. ورغم أن اللفظ القرآنى صريح فى نفى العلم بما يجرى فى السماء عن الجن، فإن المفسرين لم يترددوا فى أن يخبرونا بما أحيطوا هم به علمًا! فينقل «الطبرى» عن «السدى» قوله: «لم تكن السماء تحرس إلا أن يكون فى الأرض نبى أو دين لله ظاهر، فكانت الشياطين قبل محمد اتخذت المقاعد فى السماء الدنيا يستمعون ما يحدث فى السماء من أمر، فلما بعث الله محمدًا نبيا رجموا ليلة من الليالى ففزع لذلك أهل الطائف فقالوا: هلك أهل السماء، لما رأوا من شدة النار فى السماء واختلاف الشهب، فجعلوا يعتقون أرقاءهم ويسيبون مواشيهم، فقال لهم (عبد ياليل بن عمرو بن عمير): ويحكم يا معشر أهل الطائف، أمسكوا عن أموالكم وانظروا إلى معالم النجوم فإن رأيتموها مستقرة فى أمكنتها فلم يهلك أهل السماء، إنما هذا من أجل ابن أبى كبشة. يعنى محمدًا، صلى الله عليه وسلم»!
 

والظاهر أن «عبد ياليل» استمد علمه اللدنّى بدوره من نفس المصدر الذى استمد منه المفسرون قصصهم عن مس الشياطين وعلاقة الإنسان بالجان مما لم يوحِ به علّام الغيوب!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات