من المترو إلى المواطنين: انتحروا بعيدًا عن هنا

Foto

لماذا خرج متحدث المترو بتصريحات مستفزة؟ هل تدرك الدولة خطورة الانتحار؟ كيف تواجه الدولة أزمة الانتحار؟ ما عدد المنتحرين فى الشهور الأخيرة؟


«المترو لا يجب أن يكون واجهة المرضى النفسيين وراغبى الانتحار، لا يجب تعطيل حالات الملايين يوميًّا». هذا التصريح الغريب نُسِب إلى أحمد عبد الهادى، المتحدث الرسمى باسم شركة مترو الأنفاق، فى أثناء تعليقه على محاولة انتحار فاشلة لموظف يبلغ من العمر 41 عامًا فى محطة جمال عبد الناصر، والتى أدت إلى بتر قدمه اليمنى وتعطل حركة المترو 15 دقيقة.


ظللتُ أنتظر نفى مسؤول المترو صحة هذا التصريح، ولكنه لم يكذّبه أو ينفيه أو يحاول التوضيح حتى، كان غريبًا أن يخرج مسؤول حكومى رسمى ليعلن عن محاولة انتحار فاشلة، ثم يوبخ المنتحرين ويرسل إليهم رسالة مفادها: «انتحروا بعيدًا عن هنا».
 

«استهانة».. هذا هو الوصف الدقيق لتصريحات متحدث هيئة المترو، فهى تمثل استهانة حكومية لأزمة مؤلمة ومحزنة، وسيتذوق المجتمع بأكمله مرارتها، وللأسف لم يخرج رئيس هيئة السكك الحديدية أو وزير النقل أو أى مسؤول آخر ليدين تصريحات المتحدث، ما يؤكد أن الاستهانة أسلوب حياة داخل أروقة النظام الحكومى.. إيه يعنى كام واحد بينتحروا؟ المهم المترو مايتعطلش!
 

متحدث المترو الذى انزعج من تعطل الخط لمدة 15 دقيقة ولم يبالِ أو يعلق على الشخص البائس الذى فقد قدمه فى محاولة فاشلة لفقد حياته، تغافل أن المترو يمكن أن يتعطل أكثر من هذه المدة بسبب انقطاع التيار الكهربائى أو تعطل أحد القطارات، وتجاهل أيضًا تدهور القطاع الذى شهد زيادة فى أسعار تذكرته لأكثر من 300% دون أن تزيد جودة الخدمة المقدمة 1%. للأسف، متحدث المترو لم يقدّر أن حياة الإنسان أهم وأغلى من تعطل المترو 15 دقيقة، فالدقائق يمكن تعويضها، ولكن الإنسان لن يُعوَّض.
 

تصريحات متحدث المترو، والصمت الذى تلاها أمر غير منقطع عن التجاهل الحكومى لأزمة الانتحار، التى بزغت بشدة فى هذا العام الذى شاهدنا فيه نحو 10 حالات انتحار تحت عجلات المترو، فضلا عن المحاولات الفاشلة التى منح الله أصحابها ومنحنا فرصة جديدة للحفاظ على قيمة حياة إنسان.
 

لا أعلم السبب الخفى وراء صمت أجهزة الدولة الرسمية عن الأزمة المؤسفة، المفترض أن رئيس الجمهورية يتابع كل المستجدات بشكل مستمر، حتى إنه علق يومًا على تحدى «الكيكى» الساخر، وانتقد انتشار هاشتاج يهاجمه شخصيًّا، فلماذا يتغافل المسؤولون عن أزمة الانتحار التى تقطف شباب المجتمع بشكل سريع ومفزع؟ ألم يقرأ رئيس الوزراء أخبار الانتحار بشكل مكثف فى الأشهر الثلاثة الأخيرة؟ ألا تدرك وزيرة التضامن أن الحفاظ على حياة المواطنين أمر لا يقل أهمية عن مكافحة الإدمان وتوفير رعاية اجتماعية بسيطة للفقراء؟ وألا تعلم وزيرة الصحة أن العلاج النفسى يجب توفيره بشكل آمن وسرى وغير باهظ الثمن بدلًا من الحديث عن تشغيل النشيد الوطنى فى المستشفيات؟ لماذا هذا الصمت الحكومى والتجاهل، الذى لن يحل الأزمة أو يحركها، بل سيزيدها سوءًا وتفاقمًا؟
 

الأزمة ليست فقط أن الدولة تشاهد مثلنا ولا تفعل شيئًا، الأزمة الكبرى تكمن فى أن الدولة لا تدرك الأزمة أصلًا، لا تعرف خطورة أن يقبل هذا العدد من المواطنين على الانتحار بطريقة بشعة توثقها كاميرات مترو الأنفاق، لا تهتم بمواطن سئم الحياة وتخلص منها بنفسه على مرأى ومسمع من الجميع، لا تقرأ رسائل اليأس والبؤس والغضب التى يتركها المنتحر للمجتمع بفعلته.
 

متحدث هيئة المترو خرج فى مداخلة هاتفية عبر إحدى القنوات الفضائية، قائلًا إن «الانتحار تحت عجلات المترو موجود فى كل دول العالم»، فى نظرة سخيفة وسطحية للأزمة، وهذا السلوك الحكومى ليس جديدًا، فدائمًا وأبدًا أول تعليق من المسؤولين على الأزمات يكون «هذه الأزمة تحدث فى كل دول العالم.. ولسنا الدولة الوحيدة التى تعانى من.. إلخ». بالفعل، الأزمات تحدث وتتكرر فى كل دول العالم، ولكن -للأسف- فى مصر لا نتصرف مثل بقية دول العالم.
 

على سبيل المثال؛ دولة اليابان خصصت خطوطًا ساخنة يتواصل عبرها الشخص إذا شعر بالضعف أو الإقدام على الانتحار؛ ما أدى إلى انخفاض نسَبه بشكل ملحوظ فى الأعوام الثلاثة الماضية، وعندما ارتفعت نسبة الانتحار فى إسبانيا عام 2013، ووصلت إلى 3870 شخصًا بسبب الاضطراب العقلى والهوس الاكتئابى والفصام والإدمان، فتحت الحكومة المصحات النفسية للمواطنين بشكل سرى ومجانى.
 

أما فى مصر فلا حياة لمن تنادى، ولا دية لمَن أقبل على الانتحار، فالدولة لا تضع نفسها موضع المواطن الذى شرب السم أو تعلق فى مشنقة، ولا تشعر بما سببه من ألم نفسى لأفراد أسرته والمحيطين به، وكأن مَن مات «أراح واستراح»، وتطالبه بالانتحار بعيدًا عن المرافق الحيوية حرصًا على مصالح المواطنين.
 

البحث وراء الانتحار مرهق جدا، فكالعادة مصر تفتقد الإحصائيات والنسب، أو ربما تعرفها ولكن لا تعلن عنها أو تكشفها للمواطنين والباحثين، ففى تحقيق أجرته «BBC» عام 2015 بعنوان «لماذا زاد الإقدام على الانتحار فى مصر؟» كشفت عن صعوبة الحصول على أرقام رسمية بشأن أعداد المنتحرين فى مصر، فقال المتحدث باسم وزارة الصحة -آنذاك- حسام عبد الغفار، فى التحقيق، إن الوزارة ليس لديها أرقام بشأن حالات الانتحار، وتتعامل معها كحوادث عادية مثلها مثل «حوادث الطرق»، وأوضح التحقيق الصحفى أن تقرير الأمن العام، الذى تصدره وزارة الداخلية المصرية سنويًّا، ذكر أن عام 2011 شهد 253 حالة انتحار وشروع فى الانتحار، زادت لتصل إلى 310 حالات فى 2012، وبالطبع هناك صعوبة شديدة فى تحديد أرقام حالات الانتحار؛ لأن أهل الشخص المنتحر يرفضون الإعلان عن ذلك، ومن ثم لا يتم توثيق أغلب الحالات؛ لذلك لا توجد وسيلة تؤكد أو تنفى زيادة معدلات الانتحار.
 

وبالبحث عن دوافع المنتحرين نقف أمام «أعباء اقتصادية- أزمات نفسية»، فهذان السببان هما دائمًا وراء أغلب حالات الانتحار، أو -بالأحرى- هما السببان اللذان تتناقلهما الألسنة والبيانات الحكومية عقب أى حادث، ولكن الدولة تكتفى بإصدار البيانات، ولم تدرك أن حبل الأعباء الاقتصادية الذى يلتف حول رقاب المواطنين ممكن أن يكون مشنقة يتعلقون بها ويتركون كل شىء خلفهم، ولم تتفهم حتى الآن أن المجتمع المصرى يفتقر ويفتقد مفهوم الصحة النفسية، هذا المفهوم الغائب عن المناهج الدراسية والأماكن العلاجية والأعمال الفنية، فبكل أسف، أصبح المريض النفسى فى نظر المجتمع إما مجنونًا مثل الذين قدمتهم السينما العقيمة فى مستشفى المجانين أو السراى الصفراء، وإما شخصًا بائسًا مكتئبًا غير مهندَم مُقبلًا على الانتحار فى أى وقت، مثلما كشفت تصريحات مسؤول المترو الذى طالب المرضى باتخاذ وجهة أخرى للانتحار غير المترو.
 

وفقًا لآراء كثير من الأطباء النفسيين، وبعد التمعن فى قراءة رسائل تركها منتحرون، طالبين فيها سداد ديونهم، نستنتج أن الأوضاع الاقتصادية لها تأثيرها فى اتجاه بعض الأشخاص للانتحار، وخلال السنوات القليلة الماضية تزايدت معدلات الانتحار نتيجة أن بعض الأشخاص لديهم ظروف معيشية لا يستطيعون تحسينها، أو مشكلات لا يقدرون على حلها، فالراغب فى الانتحار هو شخص لديه حالة اكتئاب شديدة، وبعض الأشخاص تكون لديهم حالات مرضية عضوية مزمنة، ويئسوا من العلاج أو تكاليفه الباهظة، ولكن ربط كل حادثة انتحار بالأوضاع الاقتصادية الصعبة هو نوع من الافتراء والجهل والتصيد؛ لأن من غير المعقول أن كل انتحار سببه الحالة الاقتصادية، خصوصًا مع انتشار الانتحار بكثرة بين صفوف الشباب وصغار السن وأبناء الطبقات المتيسرة ماديًّا.
 

أما الأزمات والأمراض النفسية فقد تكون هى الدافع الرئيسى وراء الانتحار، خصوصًا مع الآثار الجانبية لأمراض «الاكتئاب- الفصام- الاضطراب الذهانى- الهستيريا العصبية»، وأيضًا الإدمان الذى لا تمتلك الدولة أى أجندة حقيقية للقضاء عليه سوى الإعلانات المعلقة على الكبارى تحت شعار «أنت أقوى من المخدرات».
 

الحلول دائمًا غير رسمية، وإذا ظللنا ننتظر الحل الرسمى سينتحر الأغلبية العظمى من المواطنين؛ لذلك يجب أن ينشغل كل مَن يقرأ هذه السطور وتقع على كاهله مسؤولية الإنسانية بالبحث عن حل غير رسمى لإنقاذ المنتحرين الذين يمكن أن نصبح مكانهم يومًا ما.
فى الوقت الذى أطلق فيه متحدث المترو تصريحاته المستفزة، خرج الدكتور إبراهيم مجدى حسين، استشارى الطب النفسى بجامعة عين شمس، ليرد بمنتهى الإنسانية، مفضلًا أن تنشئ الدولة «أكشاك للفضفضة» على غرار أكشاك الفتوى، مشيرًا إلى اختيار المنتحرين مترو الأنفاق لارتكاب الحادث أمام المواطنين فى دقائق معدودات، وكأنهم يريدون إرسال رسائل غضب واستغاثة لبقية أفراد المجتمع، تُرى إذا كنا أدركنا هذه الرسائل.. ألم نكن لننقذ الكثيرين؟!

 

البعض سيقابل اقتراح «كشك الفضفضة» بالسخرية والضحك، ولكن نفس العقول التى تنتقد هذه الفكرة مجَّدت أكشاك الفتوى، وكأنهم يكفرون بدين الإنسانية والعلم والتخصص، ولكن سواء طُبق الاقتراح أم لم يُطبق فيكفى صاحبه شرفًا أنه احترم قيمة الإنسان المُنتحر، وتألم لفقدانه، وبحث عن حل، بدلًا من نصحه بالانتحار بعيدًا عن المرفق.
 

أطلق العنان، عزيزى القارئ، لبحثك وتفكيرك، وابذل قصارى الجهد من أجل إنقاذ أحدهم، لا تستهن بقدراتك فأنت أقوى من أجهزة الدولة وأكثر إنسانيةً منهم أيضًا، فالكلمة الطيبة التى تقولها، والنصيحة الصادقة التى تقدمها، والدور الاجتماعى المناهض لكل مظاهر الكره والبغض والعنصرية الذى تؤديه.. كل هذا قد يحول بين إنسان ومصير مؤلم تجسد فى الانتحار.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات