سيد قطب أحال أوهامه العقلية إلى القدرة الإلهية

Foto

كيف كان تكفير سيد قطب واضحًا وصريحًا وقبله الناس بهذه الكثافة؟ إذا كان مالك قدم أفعال أهل المدينة على الحديث وأبو حنيفة قدم أفعال أهل الكوفة على الحديث.. ألا يحق لنا أن نقدم أفعال «أهل كايرو» على الحديث؟


بين الحين والآخر يجب علينا أن نعيد قراءة الأفكار المتطرفة ونذكر بها القارئ، ورغم القراءات المتعددة لسيد قطب، فإن بلاغة الكتابة كثيرًا ما تشغلنا عن وضوح التكفير، ولذلك وجب علينا إعادة القراءة والتذكير المتكرر للقارئ، سندع قطب يتحدث فى السطور القادمة ثم نعلق، وهذه الكلمات من كتابه «معالم فى الطريق» طبعة دار الشروق، عام 1973، صـ35 و36:

 

«وحين يقوم هذا المجتمع فعلًا، تكون له حياة واقعية تحتاج إلى تنظيم وإلى تشريع، وعندئذ فقط يبدأ هذا الدين فى تقرير النظم وفى سَن الشرائع لقوم مستسلمين أصلًا للنظم والشرائع، رافضين أصلًا غيرها من النظم والشرائع، ولابد أن يكون للمؤمنين بهذه العقيدة من سلطان على أنفسهم وعلى مجتمعهم ما يكفل تنفيذ النظام والشرائع فى هذا المجتمع حتى يكون للنظام هيبته.
 

والذين يريدون من الإسلام اليوم أن يصوغ نظرية وأن يصوغ قوالب نظام وأن يصوغ تشريعات للحياة بينما ليس على وجه الأرض مجتمع قد قرر فعلًا تحكيم شريعة الله وحدها ورفض كل شريعة سواها مع تملُّكه للسلطة التى تفرض هذا وتنفذه، الذين يدركون من الإسلام هذا لا يدركون طبيعة هذا الدين، ولا كيف يعمل فى الحياة… كما يريد الله.
 

كذلك ينبغى أن يكون مفهومًا لأصحاب الدعوة الإسلامية أنهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين يجب أن يدعوهم أولًا إلى اعتناق العقيدة حتى لو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون، يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو أولًا إقرار عقيدة (لا إله إلا الله) بمدلولها الحقيقى، وهو رد الحاكمية لله فى أمرهم كله وطرد المعتدين على سلطان الله بادعاء هذا الحق لأنفسهم، وإقرارها فى ضمائرهم وشعائرهم، وإقرارها فى أوضاعهم وواقعهم.
 

ولتكن هذه القضية هى أساس دعوة الناس إلى الإسلام، كانت هى أساس دعوتهم إلى الإسلام أول مرة، هذه الدعوة التى تكفل بها القرآن المكى طوال ثلاثة عشر عامًا كاملة، فإذا دخل فى هذا الدين بمفهومه هذا الأصيل عصبة من الناس، فهذه العصبة هى التى يطلق عليها (المجتمع المسلم)، المجتمع الذى يصلح لمزاولة النظام الإسلامى فى حياته الاجتماعية، لأنه قرر بينه وبين نفسه أن تقوم حياته كلها على هذا الأساس، وأن لا يحكم فى حياته كلها إلا الله، وحين يقوم هذا المجتمع بالفعل يبدأ عرض أسس النظام الإسلامى عليه، كما يأخذ هذا المجتمع نفسه فى التشريعات التى تقتضيها حياته الواقعية، فى إطار الأسس العامة للنظام الإسلامى، فهذا هو الترتيب الصحيح لخطوات المنهج الإسلامى الواقعى العملى الجاد.
 

ولقد يخيل لبعض المخلصين المتعجلين ممن لا يتدبرون طبيعة هذا الدين وطبيعة منهجه الربّانى القويم المؤسس على حكمه العليم الحكيم وعلمه بطبائع البشر وحاجات الحياة.. نقول: لقد يُخيل لبعض هؤلاء أن عرض أسس النظام الإسلامى، بل التشريعات الإسلامية كذلك على الناس مما ييسر لهم طريق الدعوة، ويحبب الناس فى هذا الدين!
وهذا وهم تنشئة العجلة! وَهم كالذى كان يمكن أن يقترحه المقترحون: أن تقوم دعوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فى أولها تحت راية قومية، أو راية اجتماعية، أو راية أخلاقية، تيسيرًا للطريق!

 

إن القلوب يجب أن تخلص أولًا لله، وتعلن عبوديتها له وحده، بقبول شرعه وحده ورفض كل شرع آخر غيره، من ناحية المبدأ، قبل أن تخاطب بأى تفصيل عن ذلك الشرع يرغبها فيه!».
نكتفى بهذه المقاطع من كلام قطب. بمنتهى السطحية، قطب بيعمل كلاكيت تانى مرة الدعوة الإسلامية، إحنا مؤمنين وهم جاهلية، توحدوا من جديد تسلموا من جديد، نعد 13 سنة دعوة من جديد فى مكة، بعد كده نروح المدينة نعمل تشريعات، ماحدش يطالبنا بتشريعات دلوقتى، مش وقته، إنتم ليه متعجلين، إحنا لسه فى مكة! وقال بشكل واضح: الذين يُدعَون مسلمين يجب دعوتهم للعقيدة من جديد وأن يسلموا من جديد. المشكلة أنه يستخدم كلمة «يريد الله لهم» فهو يحيل الأمر إلى الإرادة الإلهية وليس إلى الأوهام العقلية التى تخاطره، ولكنه فى هذا الخضم يقع فى الخطأ ويقول: «التشريعات التى تقتضيها حياته الواقعية فى إطار الأسس العامة للنظام الإسلامى…».

 

نحن -إذن- نتحدث عن حياة واقعية وعن إطار الأسس العامة، نحن -إذن- نُحال فى النهاية إلى تقديرات بشرية مبنية على حياة واقعية وعلى أسس عامة، وهى ما يطلق عليها «مقاصد الشريعة» من عدالة وحرية ومساواة، وهى فى النهاية أمور نسبية يقررها البشر، أين -إذن- حاكمية الله المقابلة لحاكمية البشر؟!

 

إننا نحال فى النهاية إلى القانون الوضعى، فحاكمية الله وتشريعات الله ما هى إلا أوهام فى عقول مَن أطلقوها، أو أنهم يعرفون الحقيقة ويضللون الناس مع سبق الإصرار والترصد، فقطب يرفض بشكل واضح تقديم تفاصيل عن المنهج الإسلامى، لأنه يعرف أنه مع طرح التفاصيل ستظهر الخديعة وسيختلف الناس وسيعرفون أنها «افتكاسات» بشرية، خصوصًا فى ما يدَّعون أن التشريعات الإلهية تغطى جميع مناحى الحياة، وهذا ليس حقيقيًّا، فالقرآن جاء مُجملًا لا مفصلًا، وتحدث عن أخلاق كلية وعن بعض التفاصيل، فمدى إلزاميته عليها خلاف، فتوصيف الدكتور محمد عمارة نفسه لخرق «عُمر» نَص «المؤلفة قلوبهم» أن عمر اعتبره من أمور السياسة لا من أمور التشريع الملزمة.

 

إذن فوجود العقل البشرى حاكم، وهو موضع التكليف والاستخلاف، وحتى مَن وضعوا فى مصادر التشريع الاستحسان والمصالح المرسلة، وقالوا إن ما رآه الناس حسنًا فهو عند الله حسن، وجعلوا تقدير القبح والحُسن موكلًا إلى الناس، كانوا يعرفون أن الأمور نسبية ومتغيرة، وربما ما كان حسنًا فى زمن يصبح قبيحًا فى زمن آخر، وما كان قبيحًا فى زمن ربما يتحول إلى حسن؛ وعلى سبيل المثال، ربما كان ضرب الرجل زوجته فى زمن قديم أمرًا حسنًا وتعبيرًا عن الرجولة، ولكنه الآن فعل قبيح لا يقبله صاحب أى ضمير إنسانى على ابنته إذا تزوجت، حتى من أصحاب اللحى وأتباع السُّنة ومتبعى السلف الصالح، ربما يريد هو أن يضرب زوجته، لكنه لن يقبل ذلك على ابنته أو أخته.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات