قتل المسلمين فى المساجد سُنة وهابية بجذور تاريخية

Foto

لماذا ظهرت فتنة التكفير المعاصر مع انتشار الفكر الوهابى؟ كيف ابتُدع حديثًا قتل المصلين فى المساجد؟


اهتزت الضمائر واندهشت العقول بعملية القتل الجماعى للمُصلين فى جامع الروضة بسيناء. تعوَّد المصريون على تفجير الكنائس وقتل المصلين داخلها، يتعاطفون قليلًا مع الإخوة الأقباط، إذ توجد فتاوى تكفر المسيحيين، فربما خوفًا من المصريين على مصر أكثر من حرصهم على دماء المسيحيين، ولكنهم رأوا أن الإرهاب طال المسلمين يوم جمعة وهم يصلون ويتعبدون ويستمعون إلى خطبة الجمعة، فعظمت المصيبة وكثرت النوائح، ورغم تلك الدهشة الممزوجة بالألم، لم نندهش، لأن تاريخ قتل المسلمين فى المساجد مملوء بالدماء وممزوج بالغضب، ولكن علماء الأمة ومؤرخيها يتناسون تلك الجرائم، يتناسون -مثلًا- جريمة هدم الكعبة المشرفة وقتل عبد الله بن الزبير ومعه الآلاف داخل المسجد الحرام، ويتناسون جريمة وقعة الحرة على عهد يزيد بن معاوية، فقد قتل فى المدينة المنورة نحو عشرة آلاف، منهم مئة صحابى من أهل بدر، كما تم اغتصاب وفض أبكار ألف عذراء فى جريمة يندى لها جبين الإنسانية، وغيرها من جرائم قتل المصلين فى المساجد، والشيوخ المؤرخون يبررون تلك الجرائم بعقيدة إيمانية مزيفة، لا مجال للكتابة عنها الآن.

 

ومن ثم نسكت عن التاريخ القديم قليلًا لنكتب عن التاريخ المعاصر وخروج التكفير إلى العالم الإسلامى، ومنه إلى كل أرجاء الدنيا، ذلك أن قتل المسلمين للمسلمين داخل المساجد له جذور قديمة وأخرى غارقة فى القدم عند الخوارج وابن تيمية، ومهما قال العلماء والشيوخ عن تحريم القتل، وإن الإسلام دين سماحة، فإن ذلك لن يمنع وجود إرهابيين وهابيين سلفيين يطبقون تعاليم التكفير من فتاوى مرصودة فى بطون الكتب، وما زالت تلك الفتاوى تتردد فى المساجد وفى كتب شيوخ السلفية والوهابية، من أول ابن باز وحتى محمد حسان ورفاقه، ولو أردنا عمليًّا تفنيد الخطاب الدينى، فلابد من ذكر الأشياء بأسمائها، وأسماء علماء التكفير، وتاريخ التكفير المعاصر الذى روَّع العالم وأخاف البشر وشوَّه الإسلام، فعلينا رد الأمور إلى نصابها، لابد أن يخطب الخطباء وتشرح كتب المناهج التعليمية، وأن تذيع الفضائيات علنًا وبيانًا للناس أن فتنة التكفير المعاصر جاءت مع الفكر الوهابى بالدعم المالى السعودى، فقد أُنفق نحو 75 مليار دولار على هذا الفكر خلال خمسة وثلاثين عامًا، فهم الذين ابتدعوا حديثًا فتنة قتل المصلين فى المساجد استلهامًا من فكر الخوارج وفكر الأمويين معًا.

 

لن نكتب عن هدمهم كل الآثار فى الحجاز المقدس والتى تمُت للإسلام وللنبى محمد بصلة، رغم أنهم يرون الصهيونية تقلب أرض القدس رأسًا على عقب من أجل إيجاد دليل واحد على وجود هيكل سليمان، لأن الآثار تعتبر ذاكرة أى أمة، ولن نكتب عن قتل الوهابيين للشيعة فى كربلاء أو فى الأحساء والقطيف، لأن البعض يرى قتل الشيعة حلالًا، ولكن نورد القليل من قتل المصلين من أهل السُّنة والجماعة فى المساجد، ومَن يرِد الاستزادة فما عليه سوى الدخول فى شبكة الإنترنت ليرى كل الجرائم، المهم أن نكتب لعل القارئ يدرك مكمن الخطر.

 

يقول مؤرخ الوهابية «عثمان بن بشر النجدى» فى كتابه «عنوان المجد فى تاريخ نجد»، وهو فى غاية الانشراح والفخر، وكذلك روى حسين بن غنام فى تاريخه، إن محمد بن عبد الوهاب قال: «إن عثمان بن معمَّر، حاكم بلد عيينة، مشرك كافر يجب قتله، فلما تحقق المسلمون بقيادة ابن سعود من ذلك، تعاهدوا على قتله بعد إنهائه صلاة الجمعة، وقتلناه وهو فى مُصلّاه بالمسجد فى رجب 1163هـ/ 1750م»، أى أن عثمان بن معمر صلى وهو كافر، وطبعًا قُتل معه باقى مَن فى المسجد بعد صلاة الجمعة، ودائمًا فى الرسائل الوهابية يطلقون لفظ «المسلمين» على أنفسهم، ويطلقون «الكافرين» على غيرهم من المسلمين، فهم كفرة تُباح دماؤهم ونساؤهم وممتلكاتهم، والمسلم هو مَن آمن بالطريقة التى يسير عليها ابن عبد الوهاب وابن سعود، أما فى مكة المكرمة والمدينة المنورة فقد عاثوا فى الأرض فسادًا؛ يقول أحمد بن الزينى دحلان فى كتابه «خلاصة الكلام فى بيان أمراء البلد الحرام»: «كانت أولى الحملات العسكرية الوهابية على منطقة الحجاز فى شهر ذى القعدة سنة 1217هـ/ 1804م على مدينة الطائف… ولما دخلوا الطائف قتلوا الناس قتلًا عامًّا واستوعبوا الكبير والصغير، والمأمور والأمير، والشريف والوضيع، وصاروا يذبحون على صدر الأم الطفل الرضيع، وصاروا يصعدون البيوت يُخرجون مَن توارى فيها، فيقتلونهم، فوجدوا جماعة يتدارسون القرآن فقتلوهم عن آخرهم حتى أبادوا مَن فى البيوت جميعًا، ثم خرجوا إلى الحوانيت والمساجد وقتلوا مَن فيها، ويقتلون الرجل فى المسجد وهو راكع أو ساجد، حتى أفنوا هؤلاء المخلوقات»، وهذا هو ما فعله الإرهابيون فى مسجد الروضة تمامًا، عندما قتلوا المُصلين أطفالًا ورجالًا وهم يرددون: اقتلوا الكفار المشركين.

 

أما عند تأسيس الدولة السعودية الحالية، فنكتفى بما قاله المؤرخ اللبنانى أمين الريحانى فى كتابه «ملوك العرب» عن حوادث عام 1924: «تقدّم أربعة آلاف رجل من الإخوان، وارتدوا حرام الحج، وحملوا أسلحتهم، وتولى ابن بجاد وخالد بن نوى قيادة الإخوان، وأغاروا على الطائف وقتلوا حاميتها، وخرج جيش الشريف من المدينة، فدخل الإخوان الطائف وأوقعوا فيها مجازر مرعبة، وأعملوا السيف فى رقاب كل مَن يخالف العقيدة الوهابية، وقتلوا عددًا كبيرًا من وجهاء مكة فى مصايفهم، ونهبوا ممتلكاتهم، كما قتلوا عددًا من رجال الدين فى الحجاز، ونجا الشيخ عبد القادر الشيبى سادن الكعبة بعد أن تظاهر باعتناق الوهابية».

 

لقد جاءت تلك الأفكار الدموية وانتشرت وتوسعت فى ديار المسلمين، فقُتل المفكرون والسياسيون، وقُتل النصارى والسائحون، لا يخيفهم مسجد ولا مُصلَّى، ولا تنهاهم صلاة ولا يأمرهم شيخ أزهر. الأمر -إذن- واضح وضوح الشمس، وكل مَن يريد تحرير الأمة من خطابها التدميرى عليه مناقشة وتفنيد فكر الوهابية، وعدم الخوف من استعداء شيوخها من سلفيين فى مصر، ووهابيين وأمراء فى السعودية، حيث يطاردهم ولى العهد محمد بن سلمان، فقد أدرك أنها الخطر الأكبر ضد إصلاحه الدينى.

 

ونردد هنا مقولة للإمام علِى بن أبى طالب يصف فيها مثل هؤلاء الشيوخ بقوله: «يتفقهون لغير الله، ويتعلمون لغير العمل، ويعملون للدنيا بعمل أهل الآخرة»، ولله فى خلقه شؤون وشؤون.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات