.

الدولة العميقة والمعركة من أجل المدينة المجنونة

Foto

ماذا جرى فى جنازة ماكين؟ ما الفقاعة الأمريكية التى سيطرت على ترامب؟ كيف اتهم وودورد ترامب بالنرجسية والجهل والعند والتهور؟ ما الدولة العميقة فى أمريكا؟


 

ترجمة: أميرة جبر عن «فورين بوليسى»

 

يتضمن أحدث برامج تليفزيون الواقع المباشرة فى أمريكا مؤسسة السياسة الخارجية، وهى تصارع من أجل البقاء ضد دونالد ترامب.

 

كانت معارضة دونالد ترامب العابرة للحزبية من داخل مؤسسة السياسة الخارجية واحدة من أكثر مظاهر حملة ٢٠١٦ الرئاسية إثارةً للدهشة. عارضه الديمقراطيون لأسباب حزبية واضحة، غير أن العداء كان أشد من الجانب الجمهورى، ووقع العشرات من خبراء الحزب الجمهورى المتمرسين فى السياسة الخارجية خطابات مفتوحة تستنكر ترشحه، حتى إن أحد الخطابات أعلن أنه «غير مؤهل للمنصب على الإطلاق».


وهذا الصراع بين ترامب ومؤسسة السياسة الخارجية (المعروفة أيضًا بـ«الفقاعة») مستمر منذ فوزه بالرئاسة وتوليه المنصب فى يناير ٢٠١٧. ووُضع الرافضون لترامب رفضًا مطلقًا «Never Trumpers» على قوائم سوداء فى إدارته، وقد استمروا فى رميه بالانتقادات منذ ذلك الحين، وكانت بعض تعيينات ترامب الأولية (مثل ستيف بانون ومايكل فلين وسيباستيان جوركا الذى لقب نفسه بخبير الإرهاب) من خارج التيار الرئيسى؛ الأمر الذى أجبر وزير الدفاع جيم ماتيس، ووزير الخارجية ركس تليرسون، ومستشار الأمن القومى إتش. آر. ماكماستر، والمستشار الاقتصادى جارى كوهن، على العمل وقتًا إضافيًّا للسيطرة على أسوأ غرائز ترامب. وفى نهاية الأمر، أصيب ترامب بالإحباط، وتخلص من بعضهم، إلا أن وصول أفراد؛ مثل جون بولتون ومايك بومبيو وغيرهما، لم يُوقف الحرب الداخلية. لقد نجحت «الفقاعة» فى السيطرة على ترامب إلى حد كبير، لكن ليس بشكل كامل.
 

ووصلت هذه الدراما المستمرة إلى ذروة جديدة على مدار الأسابيع الأخيرة، وما كان يستطيع كاتب سيناريو شاطر القيام بعمل أفضل فى تصعيد التوترات وإحداث تغيرات مفاجئة فى الحبكة. ومثله مثل مسلسل نموذجى على «نتفليكس»، فبمجرد اعتقادك أن الأمور لا يمكن أن تصبح أغرب وأكثر إثارة للقلق، يحدث ذلك فعلًا. وهذا ليس إلا الموسم الأول!
وفى ما يلى الحبكة حتى الآن..

 

الحلقة الأولى: جنازة ماكين
يجب أن تعطى جون ماكين حقه، فقد كان يعرف كيفية الحصول على الكلمة الأخيرة (وأكثر)، علمًا أن ساعته كانت قد اقتربت. استطاع ماكين تنسيق توبيخ عابر للحزبية لرئيس احتقره السناتور بشكل واضح، ولم يكتفِ ماكين بتوضيح أن ترامب -الرئيس الحالى الذى ينتمى إلى نفس حزب السناتور- غير مُرحَّب به فى جنازته، بل طلب تأبينًا من باراك أوباما وجورج بوش الابن، ولم تفُت أيًّا منهما فرصة توجيه ضربات مستترة قليلًا تجاه القاطن الحالى فى البيت الأبيض.

 

وخرجت مؤسسة واشنطن بأعداد كبيرة لجنازة ماكين يوم ١ سبتمبر. وعلى كل سمعته كمستقل، كان السناتور فى نواحٍ كثيرة تجسيدًا حيًّا للتفكير الأرثوذكسى فى السياسة الخارجية، فكان نصيرًا دائمًا للتدخل العسكرى الأمريكى، ولم يرَ مستنقعًا إلا وأراد أن تقفز فيه الولايات المتحدة. كان يعتقد أن «الناتو» ضرورى وأن الولايات المتحدة لا يمكن الاستغناء عنها، وبدا أنه يعتقد أن من الحسن والمرغوب فيه أن تستخدم أمريكا القوة ضد أى أحد -تقريبًا- يضايقها. كانت معارضته للتعذيب صحيحة وجديرة بالإعجاب (مع أن المرء ليس بحاجة إلى أن يكون فيلسوفًا أخلاقيا ليدرك أن التعذيب خطأ) غير أنه لم يُبدِ قط أنه تعلم أى شىء من خطوات أمريكا الخاطئة. ورغم كل بطولاته الصادقة كأسير حرب ووطنيته غير المتنازع عليها، كان تفكيره فى السياسة الخارجية تقليديا حتى النخاع.
 

وعليه، كانت جنازته فرصة للمطلعين فى واشنطن -بما فى ذلك نخبة السياسة الخارجية- للاحتفال بواحد منهم. وكما قالت سوزان جلاسر فى «نيويوركر»: «كان اجتماعًا للمقاومة تحت أسقف مُقببة وخلف نوافذ من الزجاج الملون». ولكن تلك المقاومة لم تكن مجرد ديمقراطيين يهاجمون رئيسًا جمهوريا بعنف، بل كان حشدًا من داخل حزام واشنطن العاصمة، يتوحد ضد رئيس رفض جميع معتقداته التقليدية وأعرافه بتخَلٍّ مبتهج.
 

أعتقد أن جلاسر، صاحبة شبكة الاتصالات القوية بحكم رئاستها السابقة لتحرير هذه المطبوعة ولكونها زوجة مراسل «نيويورك تايمز» بيتر بايكر، قد أصابت الهدف بالضبط: «المدينة فى بعض النواحى أكثر عبورًا للحزبية من أى وقت مضى، أكثر توحدًا مما تبدو عليه حاليا فى كراهيتها لدونالد ترامب». ولعل قادة الحزب الجمهورى وتوابعه جبناء فى انصياعهم لترامب، إلا أن جنازة ماكين كانت لحظة استطاع فيها الديمقراطيون والجمهوريون، على حد سواء، الإشارة بمهارة إلى ازدرائهم رئيسًا عنيدًا يفضّل التغريد ولعب الجولف على ممارسة الحكم بمسؤولية. وإذا كنت لا تعتقد أن هذا الحدث قد أزعج الرئيس، فأنت غير منتبه.

 

الحلقة الثانية: دخول وودورد
لم يكَد ماكين يرقد فى قبره حتى حان موعد الحلقة الثانية، إذ نشرت، يوم الثلاثاء، مقتطفات تشويقية من كتاب بوب وودورد الجديد «الخوف.. ترامب فى البيت الأبيض»، وهو الأحدث فى سلسلة من الكتب التى تسرد كواليس رئاسة ترامب الكارثية، ومثله مثل جميع كتب وودورد الحديثة، يعتمد الكتاب على تغطية دسمة وله طابع نميمة ومبنى على مقابلات لا تُعَد ولا تُحصى مع مطلعين، تحدَّث أغلبهم بشكل غير رسمى «off the record». وفى الوقت الذى يحتوى فيه الكتاب على بضعة أخطاء (كما هو حال جميع الأعمال من هذا النوع) فإن تصويره لنرجسى جاهل وعنيد ومتهور تجب إدارته بفاعلية من قبَل موظفيه، فسيظل يمثل اتهامًا دامغًا حتى وإن كان نصف ما فى الكتاب فقط صحيحًا.


ويكتسب الكتاب مصداقية إضافية من سمعة وودورد المستحقة كمراسل جاد دائمًا ما يصيب فى فهم الصورة الكاملة، وكذلك من اتساقه مع الكتب الأخرى المبنية على ما يسرده المطلعون عن رئاسة ترامب. ولعلك لا تصدق كل (أو حتى بعض) ما جاء فى كتاب مايكل وولف «النار والغضب.. داخل بيت ترامب الأبيض»، إلا أن وودورد يسرد قصة مشابهة جدا، ولم يقدم أى شخص بأى قدر من المصداقية صورة تختلف كثيرًا، وإذا كان وودورد قد نشر كتابًا يصور ترامب فى خلوته كأوتو فون بسمارك فى حقيقته استراتيجى منضبط ومدير لامع -مثلما صور رونالد ريجان ذات مرة فى سكيتش شهير لبرنامج «مباشر ليلة السبت» (SNL)- لَكانت لدينا مساحة أكبر للشك، غير أن الصورة التى قدمها هى ذاتها التى رسمها آخرون.
 

أعتقد شخصيًّا أن ترامب لديه مواهب سياسية حقيقية كثيرًا ما يقلل من شأنها، وأنه لا يعانى الخرَف، وحتى إن لديه غرائز جيدة تجاه بعض القضايا فى بعض الأحيان. ولكن بعيدًا عن نوبات ثنائه على نفسه القهرية، فإنه لم يحاول أحد قط تصويره كمفكر راقٍ ومطلع أو مدير منضبط أو شخص ذى لمحة نزاهة، وكذلك لم يفعل وودورد.
 

وأخيرًا، يتسق كتاب وودورد أيضًا مع كل ما نعرفه عن رحلة ترامب المهنية قبل دخوله السياسة. كان رجل أعمال فوضويًّا عانى إفلاسات متكررة، وكان أفضل فى خداع الناس من إنجاز الأمور، واستلزمت الأمور إنقاذه بأموال من مصادر غامضة، واشتهر بالتقاضى واستهلاك الشركاء والزملاء والموظفين السابقين مثلما يفعل اليوم، وكان كاذبًا موهوبًا (ينغمس علنًا فى ما كان يحب أن يطلق عليه «الغلو الصادق»)، ولم يعزف قط عن كسر القواعد إذا ظن أن بإمكانه الإفلات. وكما هو واضح كان جلده رفيعًا جدا، فى جوهره طفل شديد الثراء يتوق إلى التزلف ولا يزال يفكر فى نفسه كضحية دائمة. ونحن نعلم كل هذا منذ سنوات، ما يعطى بورتريه وودورد الدامغ وجاهة من الوهلة الأولى. ولترامب أن ينكر كما يشاء، لكنه يعلم فى أعماقه أن الكثيرين سيصدقون وودورد.

 

الحلقة الثالثة: مَن المصدر المُجهل؟
قدم كتاب السيناريو، على نحو غير متوقع، شخصية جديدة فى هذه الحلقة، وهى «المصدر المجهل». حصل وودورد بالكاد على ٢٤ ساعة فى الأضواء قبل سقوط القنبلة التالية بنشر «نيويورك تايمز»، يوم الأربعاء، مقال رأى أثار الجدل لمسؤول كبير مجهل فى إدارة ترامب عرَّف نفسه بأنه جزء من المقاومة فى الداخل. ووصف المقال نفس نوع السلوك المرضى الذى سرده وودورد (وولف) فى كتابيهما، ولكنه أصر على أن الكثير من مستشارى ترامب يتقدمون لحماية البلاد من عجز الرئيس.

 

وكان رد الفعل الذى لا مفر منه هو أحدث نوبات تويتر المرتبطة بترامب، إذ شاركت الجحافل على الإنترنت (بمَن فيهم أنا شخصيًّا) بالإشادة بالمصدر المجهل ومساءلته وإدانته والبحث عن هويته، والسؤال عن ما إذا كان ينبغى الإشادة به أم شجبه أم تجاهله. هل كانت محاولة صارخة لإنقاذ المحافظة من حقبة ترامب، أم حيلة لحماية المسؤولين الحاليين من دفع الثمن لاحقًا، أم كانت جهدًا مبدئيا لتحذير الأمريكيين من أن المشكلة أكبر مما يعتقدون، أم محاولة لطمأنتهم بأن الرئيس ربما يمثل مشكلة، لكن لا يزال هناك كبار مسؤولون؟
 

ورأيى، لمَن يستحق، أنه كان سيُعد من الأفضل للكاتب الاستقالة ثم نشر القطعة باسمه. ورغم قولى ذلك فما زلتُ سعيدًا بأنه كتبها وأن «التايمز» نشرتها؛ لأن داخليات أى إدارة شأن عام ومن الأفضل لنا أن نعرف عندما تختل إدارة من أن لا نعرف (أليس مثيرًا للاهتمام أن ما من أحد نشر كتبًا دامغة بنفس القدر عن إدارة أوباما؟ فحتى المذكرات المنتقدة؛ مثل مذكرات روبرت جايتس الجمهورى، وليون بانيتا الديمقراطى، تقدم صورة تطرى فى معظمها أوباما وجهوده الصادقة لفعل الصواب).
 

وذكّرتنا الحلقة الثالثة بـ«لماذا يستقيل القليلون من حيث المبدأ فى الولايات المتحدة؟» بالمقارنة بدول أخرى مثل بريطانيا، حيث الأمر أكثر شيوعًا. فى هذه الأماكن الأخرى كثيرًا ما يُشاد بالمسؤولين الذين يستقيلون من حيث المبدأ لشجاعتهم ومعتقداتهم، ويظلون مؤهلين للخدمة فى المستقبل ما إذا تغيرت الرياح السياسية، ولكن فى الولايات المتحدة، حيث يأخذ الولاء الشخصى الأولوية، فالاستقالة من حيث المبدأ قد تكون انتحارًا مهنيًّا، فقد تحصل على الإشادة لنزاهتك وصواب حكمك، إلا أن السياسيين لا يريدون النزاهة، إنما يريدون مرؤوسين يكنّون لهم الولاء أيّما حدث. وإذا استقلت من موقع لأنك اختلفت مع السياسة أو الشخص الذى يطبقها، فقد تستقيل من موقع آخر فى المستقبل.
 

وكما هو حال أى دراما جيدة، تستطيع تفسير الحلقات الثلاث الأولى بطرق عديدة. أصبح الحديث عن «الدولة العميقة» موضة فى السنوات الأخيرة (وسرعان ما لقب بعض المهرجين الأذكياء كاتب مقال الرأى المجهل بـ«ذى حنجرة الدولة العميقة»)، ولكن بالنسبة إلىَّ فهذا اللقب غير مناسب. نعم، هناك نخبة سياسة خارجية، ولكنها ليست من نوع العصبة الغامضة السرية التى وصفها البعض فى تركيا أو باكستان، أو تلك التى قد يجدها المرء فى رواية لروبرت لودلم. وكما أحاول أن أظهر فى كتابى الجديد (الذى سيصدر الشهر المقبل)، تقوم نخب السياسة الخارجية فى الأمم المتحدة بأغلب عملها فى وضح النهار، فيلقون الخطابات ويعقدون المؤتمرات ويكتبون تقارير فرق العمل والرسائل المفتوحة وأوراق السياسات ومقالات الرأى، ويُدلون بالشهادات فى كابيتول هيل. وداخل البيروقراطية يضعون الميزانيات ويكتبون إجراءات التشغيل القياسية، ويصيغون الخطابات الرسمية، ويشكلون الخيارات السياسية للرئيس، التى تشمل شيئًا وتغفل آخر. وأغلب ما يقومون به يخرج للعلن سريعًا. ما من مؤامرة سرية أو دولة عميقة تدير السياسة الخارجية الأمريكية إلى حد أن هناك نخبة سياسة خارجية عابرة للحزبية مختبئة على مرأى ومسمع الجميع.
 

والمشكلة، كما أشرت من قبل، هى أن تلك النخب ذاتها ليس لديها الآن الكثير من المصداقية فى الشارع، فالكثير منهم خبراء فعلًا، وأغلبهم (على الأقل من واقع خبرتى) وطنى فعلًا، ولكنهم غارقون فى رؤية للعالم عابرة للحزبية، تجد أن الولايات المتحدة آخر آمال الإنسانية، وفى نظام سياسى يكافئ الامتثال ويعاقب حتى أبسط أفعال المعارضة. والحقيقة البائسة هى أنه إذا كانت تلك النخب قد قامت بعمل أفضل على مدار الربع قرن الماضى، فلَربما ما أصبح ترامب رئيسًا.
 

ولكن السؤال الحقيقى هو ما التالى فى ما تبقى من الموسم؟ لا أعلم بشأنكم ولكننى أتطلع للحلقة المعنونة مؤقتًا «روبرت مولر يتحدث»، وكلى أمل أن لا يحاول المنتجون والقائمون على المسلسل تجديده لأربع سنوات أخرى بالقيام بشىء كبير أو دراماتيكى فى محاولة لزيادة نسب المشاهدة. إذا حدث ذلك فقد يتضح أن ما تجاهله كثيرون فى أوله كملهاة (دونالد ترامب رئيسًا؟ هيا، كن جادا!) كان مأساة طيلة الوقت.. فابقوا معنا.

 

...


ستيفن إم. والت
أستاذ العلاقات الخارجية بجامعة هارفارد الأمريكية، ينتمى للمدرسة الواقعية. من مؤلفاته «أصول التحالفات» (١٩٨٧) و«الثورة والحرب» (١٩٩٦) و«اللوبى الإسرائيلى والعلاقات الخارجية الأمريكية» (٢٠٠٧).

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات