.

روايات حصن بابليون وحقيقة عهد عمرو بن العاص للمصريين

Foto

من أين أتى الطبرى وغيره بنص عهد عمرو بن العاص لأهل مصر المعروف بـ«صلح بابليون»؟ هل نجح الزبير بن العوام فى اقتحام سور الحصن وفتح بابه للجيش أم فتحه المصريون؟


فى كتاب «تاريخ الأمم والملوك» الجزء الرابع، سنة عشرين هجرية، يذكر الطبرى قصة «غزو مصر»، خصوصًا العقبتين الكبيرتين اللتين واجهتا جيش العرب: حصن بابليون -أو باب اليون- والإسكندرية، وسأتوقف هنا أمام ما ورد بخصوص بابليون، فالحصن الذى يعرف باسم قصر الشمع -حسب موسوعة تاريخ أقباط مصر- يقع الآن على النيل عند محطة مارِجرجس بمترو الأنفاق بحى مصر القديمة بمدينة القاهرة، وكان الإمبراطور تراجان قد أمر ببنائه فى القرن الثانى الميلادى فى عهد الاحتلال الرومانى لمصر، وقام الإمبراطور الرومانى أركاديوس بترميمه وتوسيعه وتقويته فى القرن الرابع، حسب رأى العلامة القبطى مرقص سميكة باشا، ويلاحظ أنه استعمل فى بنائه أحجارًا أُخذت من معابد فرعونية، وأُكملت بالطوب الأحمر، مقاسه 30 فى 20 فى 15 سم، ولم يبقَ من مبانيه سوى الباب القبلى يكتنفه برحان كبيران، وقد بنى فوق أحد البرجين -الجزء القبلى منه- الكنيسة المعلقة، كما بنى فوق البرج الذى عند مدخل المتحف القبلى كنيسة مارجرجس الرومانى للروم الأرثوذكس «الملكيين»، أما باقى الحصن وعلى باقى السور فى بعض أجزائه من الجهة الشرقية والقبلية والغربية بُنيت الكنائس: المعلقة، وأبو سرجة، ومارجرجس، والعذراء قصرية الريحان، ودير مارجرجس للراهبات، والست بربارة، ومعبد لليهود.

 

وقد ذكرنا سابقًا أن جيش العرب سار من العريش والفارما إلى بلبيس دون أن تقابله مقاومة تُذكر، لكنه حين وصل إلى حصن بابليون قدر عمرو بن العاص أنه لن يستطيع اقتحامه بالجند القليلين الذين معه، خصوصًا أنه كان يترك بعض جيشه لحفظ النظام فى القرى التى فتحها، فكتب إلى عمر بن الخطاب طالبًا المدد، فجاءه -بعد أشهر- خمسة آلاف جندى تقريبًا بقيادة الزبير بن العوام، الذى تتفق الروايات على أنه صعد سور الحصن مع نفر من الجيش فى محاولة لفتح بابه من الداخل حتى يتمكن المسلمون من اقتحامه بعد أن وقفوا عدة أشهر أمامه، لكن كيف تم هذا؟ هناك عدة روايات لا يمكن الوثوق بأى منها بشكل كامل، وباطمئنان.
 

ففى موقع «التاريخ الإسلامى دون تشويه أو تزوير» الذى يشرف عليه د.راغب السرجانى، يقول: «فى عديد من الروايات عن رواة ثقات، قال الزبير بن العوام: إنى أهب نفسى لله، فأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين. ووضع سُلَّمًا من الخشب إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام، وأمر المسلمين إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعًا. كان الزبير فدائيًّا شجاعًا، لا يدرى ما سوف يلقى فوق السور من قوات الروم، وكان فى نحو الخمسين من عمره. وما دام جدار الحصن كان يرتفع نحو 18 مترًا، فلابد أن السلم لا يقل عن عشرين مترًا حتى نتصور إمكان استناده مائلًا على جدار الحصن، فهو سلم كبير غير عادى، استغرق بعض الوقت فى صناعته، ربما أيامًا، كذلك لابد أنه كان ثقيلًا، استلزم حمله على أكتاف عديد من الرجال الأشداء، وعبور الخندق به فى صمت تام إلى جدار الحصن حتى لا ينتبه الروم، ولابد أيضًا أنه كان قد تمَّ صنعه فى الخلف على مسافة من الحصن، وربما كان ذلك فى موقع بنى بَلِىّ، 250 مترًا أو يزيد، فهم الذين تسلق رجال منهم الحصن مع الزبير «بنو حرام». وقد صعد مع الزبير إلى أعلى الحصن محمد بن مسلمة الأنصارى، ومالك بن أبى سلسلة، ورجال من بنى حرام».
 

نلاحظ هنا أن الرواية ظنية، يستخدم فيها الراوى عبارات مثل: «وما دام جدار الحصن»، «ولابد أيضًا»، «وربما كان»، التى تشير إلى أنه يستنتج ذلك بعقله، على الرغم من أن الطبرى -الذى يسبقه بقرون- أورد تفاصيل دقيقة عن الموضوع.
 

يقول الطبرى فى المصدر السابق ذكره: «كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، قال: حدثنا أبو عثمان عن خالد وعبادة، قالا: خرج عمرو بن العاص إلى مصر بعدما رجع عمر إلى المدينة، حتى انتهى إلى باب اليون، وأتبعه الزبير، فاجتمعا، فلقيهم هنالك أبو مريم جاثليق مصر ومعه الأسقف فى أهل النيّات، بعثه المقوقس لمنع بلادهم. فلما نزل بهم عمرو قاتلوه، فأرسل إليهم: لا تعجّلونا لنعذر إليكم، وترون رأيكم بعد. فكفّوا أصحابهم، وأرسل إليهم عمرو: إنى بارز فليبرز إلىَّ أبو مريم وأبو مريام، فأجابوه إلى ذلك، وآمن بعضهم بعضًا، فقال لهما عمرو: أنتما راهبا هذه البلدة فاسمعا، إنّ الله، عز وجل، بعث محمدًا بالحق وأمره به، وأمرنا به محمد، وأدى إلينا كل الذى أمر به، ثم مضى، صلوات الله عليه ورحمته، وقد قضى الذى عليه، وتركنا على الواضحة، وكان مما أمرنا به الإعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام، فمن أجابنا إليه فمثلنا، ومن لم يجبنا عرضنا عليه الجزية، وبذلنا له المنعة، وقد أعلمنا أنَّا مفتتحوكم، وأوصانا بك حفظًا لرحمنا فيكم، وإنّ لكم إن أجبتمونا بذلك ذمّة إلى ذمّة. ومما عهد إلينا أميرنا: استوصوا بالقبطيّين خيرًا، فإن رسول الله أوصانا بالقبطيين خيرًا، لأن لهم رحمًا وذمّة، فقالوا: قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء، معروفة شريفة، كانت ابنة ملكنا، وكانت من أهل منف والملك فيهم، فأديل عليهم أهل عين شمس، فقتلوهم وسلبوا ملكهم واغتربوا، فلذلك صارت إلى إبراهيم، عليه السلام، مرحبا به وأهلًا، آمنَّا حتى نرجع إليك. فقال عمرو: إنّ مثلى لا يخدع، ولكنى أؤجلكما ثلاثًا لتنظروا ولتناظروا قومكما، وإلّا ناجزتكم، قالا: زدنا، فزادهم يومًا، فقالا: زدنا، فزادهم يومًا، فرجعا إلى المقوقس فهَمَّ، فأبى أرطبون أن يجيبهما، وأمر بمناهدتهم، فقالا لأهل مصر: أما نحن فسنجهد أن ندفع عنكم، ولا نرجع إليهم، وقد بقيت أربعة أيام، فلا تصابون فيها بشىء إلا رجونا أن يكون له أمان. فلم يفجأ عمرًا والزبير إلا البيات من فرقب، وعمرو على عدّة، فلقوه فقتل ومن معه، ثم ركبوا أكساءهم، وقصد عمرو والزبير لعين الشمس، وبها جمعهم».
 

هذه الرواية تقول إن عَمرًا تحدث إلى راهبَى البلدة ودعاهما ومن معهما إلى الإسلام مقابل الأمن، وذكر لهما الحديث المنسوب إلى رسول الله الذى رواه العجلونى فى «كشف الخفاء» (2/ 1306)، عن عمرو بن العاص، حدثنى عمر أنه سمع رسول الله يقول: إذا فتح الله عليكم مصر بعدى فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا، فذلك الجند خير أجناد الأرض. قال أبو بكر: ولمَ ذاك يا رسول الله؟ قال: إنهم فى رباط إلى يوم القيامة.

 

وقد بيَّنتُ أن هذا الحديث ضعيف من عدة وجوه، أولًا لأن المصريين لم يكونوا أهل قتال ولا يصلحون أن يكونوا جندًا، ولذلك لا يمكن أن يقول رسول الله ذلك، وثانيًا أن ثلاثة من الرواة مشكوك بهم، وهو ما ينفى أن يستند عمرو إليه.
 

ويواصل الطبرى: عن أبى حارثة وأبى عثمان، قالا: لما نزل عمرو على القوم بعين شمس، وكان الملك بين القبط والنوب، ونزل معه الزبير عليها، قال أهل مصر لملكهم: ما تريد إلى قوم فلُّوا كسرى وقيصر، وغلبوهم على بلادهم! صالح القوم واعتقد منهم، ولا تعرض لهم، ولا تعرّضنا لهم -وذلك فى اليوم الرابع- فأبى، وناهدوهم فقاتلوهم، وارتقى الزبير سورها، فلما أحسّوه فتحوا الباب لعمرو، وخرجوا إليه مصالحين، فقبل منهم، ونزل الزبير عليهم عنوة، حتى خرج على عمرو من الباب معهم، فاعتقدوا بعدما أشرفوا على الهلكة، فأجروا ما أخذ عنوة مجرى ما صالح عليه، فصاروا ذمّة، وكان صلحهم». وهذه الرواية تناقض جذريًّا الرواية السابق الإشارة إليها من موقع التاريخ الإسلامى، والتى أكملت التفاصيل من الخيال!
 

ويورد الطبرى معاهدة بابليون التى عقدها عمر مع القبط -وأوردتها مصادر مختلفة، منها كتاب «الوثائق الدولية المعنية بحقوق الإنسان» للدكتور محمود شريف بسيونى، طبعة دار الشروق 2003، الجزء الثانى، وقد نشر الوثيقة بتصريح من المعهد الدولى لحقوق الإنسان بجامعة دى بول شيكاغو- ونصها: «بسم الله الرحمن الرحيم.. هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملّتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم، وبرّهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شىء من ذلك ولا ينقص، ولا يساكنهم النوب. وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح، وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألفَ ألفٍ، وعليهم ما جنى لصوتهم، فإن أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزاء بقدرهم، وذمّتنا ممّن أبى بريئة، وإن نقص نهرهم من غايته إذا انتهى رفع عنهم بقدر ذلك، ومن دخل فى صلحهم من الروم والنّوب فله مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم، ومَن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا. عليهم ما عليهم أثلاثًا فى كل ثلث جباية ثلث ما عليهم، على ما فى هذا الكتاب عهد الله وذمّته وذمّة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين، وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسًا، وكذا وكذا فرسًا، على ألّا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة. شهد الزبير وعبد الله ومحمد ابناه، وكتب وردان وحضر». وهذه الرواية لا ذكر فيها لـ«قيرس»، أو المقوقس، الذى تقول رواية يوحنا النقيوسى أنه الذى فاوض عمرو بن العاص وسلّمه الحصن.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات