الأمل الذى يتضاءل فى تنقية كتب التراث وعقول مَن يبجلونها

Foto

فبمن يلوذ ويستجير المجرمُ»، ولم يشفع له ذلك عند ابن النديم وغير ابن النديم، بل فى كتب تاريخ المسلمين يكتبون بفخر عن إعدام من قالوا عنهم ملحدين،


بعد أن رأينا وكتبنا وأنكرنا قانون ازدراء الأديان ثم مشروع قانون إهانة الرموز، يأتى الدور على مشروع سن قانون لمحاكمة الملاحدة والإلحاد، فقد قال الدكتور عمر حمروش، أمين سر اللجنة الدينية فى مجلس النواب إنه يعمل على تجهيز مشروع قانون جديد لتجريم ظاهرة الإلحاد فى المجتمع المصرى، وشدد على ضرورة تجريم الظاهرة ووضعها فى بند ازدراء الأديان، لأن الملحد لا عقيدة له، بل يعمل على إهانة الأديان السماوية، فمجرد خروج الشخص من الدين الذى اعتقده، يعد هذا ازدراء للأديان، مؤكدا أهمية مواجهة الظاهرة فى المجتمع، خصوصا أن الملحدين فى مصر دائما ما يعملون على نشر إلحادهم علانية فى المجتمع، وأوضح أنه لا يوجد ما يمنع فى القانون وضع تشريع لتجريم ظاهرة تضر بالمجتمع وبالأديان السماوية، وسيكون هذا التشريع تحت بند ازدراء الأديان. هذا ملخص ما جاء فى حديث أمين سر اللجنة الدينية بالبرلمان، وبالطبع لابد لنا من التعليق والتنبيه، وقبل ذلك نقفش قفشة، نقول مثلا إذا اعتبر الدكتور حمروش الإلحاد ازدراء للأديان، فما سر الحاجة لقانون جديد؟ وهل لو خرج رجل من المسيحية للإسلام سيكون مزدريا للمسيحية أو العكس ومن ثم تتم محاكمته؟ ثم ما هو دليله على أن الملحدين ينشرون إلحادهم علانية فى المجتمع؟ والمعروف أن كل الوهابيين وبعض الأزهريين يزدرون المسيحية، ولم تتم محاكمة أحد منهم، هذا كله من الفذلكات التى لا تمت للأديان بصلة، هى مجرد تخريجات بشرية لقمع المواطنين المفكرين، ثم جرهم للمحاكم والبهدلة، لا لشىء سوى أنهم حاولوا استخدام العقل، أو تفسير النصوص المقدسة بفقه الواقع، ويمكن لنا الاستمرار فى ضرب الأمثلة على عدم واقعية ما قال به الدكتور حمروش، فالمسلمون مثلا يعتقدون بكفر المسيحيين واليهود، أما الإخوة الوهابيون فهم يكفّرون الشيعة والمتصوفة والمعتزلة ومعهم القوميون والاشتراكيون وكل البشر أجمعين، ولا يمكن تطبيق قانون الازدراء عليهم! ولا نعتقد أن مثل ذلك سيحدث، وفى المقابل، نجد أن الأقباط الأرثوذكس يكفّرون الكاثوليك والبروتستانت، أو على الأقل لا يعترفون برؤيتهم للسيد المسيح، ولا نطبق القانون عليهم، ويمكن الاستمرار فى ضرب الأمثلة، فنكتفى بذلك، فالأمر جد لا هزل فيه، والسير فى هذا الطريق يقطع كل أمل فى تجديد أو تحرير أى خطاب دينى، ومجرد اقتراح مشروع قانون يثبت أن الأمل بات ضعيفا، ويتضاءل الأمل كل يوم فى تنقية كتب التراث مما فيها من غثاء كغثاء السيل، مع العلم أن تهمة الإلحاد هى صنو تهمة الزندقة وتهمة الهرطقة، وماضى البشرية مملوء بدماء الأبرياء الذين اتُّهموا بالزندقة والهرطقة، فالكنيسة فى أوروبا فى عصورها المظلمة أحرقت المفكرين والعلماء وسجنتهم ومثلت بجثثهم، كما حدث مع كوبرنيكوس وجيرانو برونو وجاليليو وغيرهم كثيرون يفوقون الحصر، ولعل إعدام وحرق الفرنسية جان دارك خير دليل على أن تهمة الهرطقة ما هى إلا وسيلة لكبح جماح المعارضين، جان دارك الفلاحة الشابة تم إعدامها بتهمة الزندقة والكفر، لأنها فقط كانت تحارب الإنجليز عندما كانوا يحتلون فرنسا فى أثناء حروب المئة عام، وهى مسيرة دموية جاءت بسبب الإيمان الدموى الوحشى من قبل بعض رجال الدين.
ولو عدنا لتاريخنا الإسلامى لوجدنا أولا وقبل كل شىء أن النبى محمد عليه السلام لم يحاكم أى شخص بتهمة الإلحاد أو الكفر أو الزندقة، والقرآن الكريم لم يضع حدا دنيويا للكفر والزندقة، بل هى كلها تهم مستحدثة لا أصل لها فى القرآن ولا فى السيرة النبوية، بل هى اجتهادات دموية لخلفاء ورجال دين بشريين متعصبين، مع العلم أن الملحدين ليسوا سوى قلة قليلة فى مسيرة البشرية، حتى الدهريون القدامى اعترفوا بالألوهية، ولكنهم أنكروا النبوة، لأن الإنسان بفطرته يعلم أن قوة عليا تتحكم فى مصيره، على أننا لو أسرعنا قليلا لوجدنا أن أشهر التهم للمعارضين هى الزندقة، بدأت قبيل نهاية الدولة الأموية، عندما اعتبر أبو الفرج محمد بن إسحاق بن النديم فى كتابه «الفهرست» أن الزنادقة بدؤوا بالجعد بن درهم، ولكن المتهمين بالزندقة كانوا كثيرين، بدأ الأمر عام 163هـ، عندما قام الخليفة العباسى المهدى حملته على المعارضين المتهمين بالزنادقة، بأن أمر عبد الجبار المحتسب، والذى يلقبه أبو الفرج الأصفهانى صاحب كتاب الأغانى بلقب «صاحب الزنادقة» بالقبض على الزنادقة الموجودين داخل البلاد، فقبض على من استطاع القبض عليه، وأتوا بهم إلى الخليفة، فأمر بقتل بعضهم وتمزيق كتبهم، ودافع ابن النديم عن الخليفة بقوله: «فاضطهاد المهدى للزنادقة هو جهاد شرعى، وعنف المهدى مع الزنادقة من باب قوله تعالى (وليجدوا فيكم غلظة)»، ثم ذكر ابن النديم بعض أسماء الزنادقة مثل: «الجعد بن درهم وابن طالوت وأبو شاكر وابن الأعدى الحريزى ونعمان بن أبى العوجاء وصالح بن عبد القدوس، ومن الشعراء والكتاب أبو نواس وبشار بن برد وعبد الله بن المقفع»، واعتبر ابن النديم أسرة البرامكة بأكملها ضمن الزنادقة وأيضا كل المعتزلة والمفكرين والأدباء جميعهم من الملاحدة الزنادقة، واعتبر قتلهم واجبا وجهادا شرعيا، وكانت تلك بداية انهيار وسقوط الحضارة الإسلامية حتى اليوم، ومع علمنا بأن أبا نواس كان شاعر الخمريات والغلمان والجوارى، ولكنه كتب قصيدة فى التوبة من أرق ما يكون الشعر، وهو شعر تغنى به شيخ المداحين السيد النقشبندى، يقول أبو نواس فيها: «يا رب إن عظمت ذنوبى كثرة.. فلقد علمت بأن عفوك أعظمُ/ إن كان لا يرجوك إلا محسن.. فبمن يلوذ ويستجير المجرمُ»، ولم يشفع له ذلك عند ابن النديم وغير ابن النديم، بل فى كتب تاريخ المسلمين يكتبون بفخر عن إعدام من قالوا عنهم ملحدين، وهو ما ينسحب على الزمن الحاضر، فكثيرون من رجال الدين يتهمون كثيرا من المفكرين بالإلحاد والزندقة، مثل محمد عبده وقاسم أمين وأحمد لطفى السيد وطه حسين ونجيب محفوظ وحسن حنفى وسيد القمنى وإسلام بحيرى وأدونيس ومحمد أركون ونصر حامد أبو زيد وغيرهم كثيرون، كل تهمتهم أنهم باحثون عن الحقيقة ليتعرفوا على الحق، وهنا يسكت الكلام قليلا، لنتوجه لمن يهمهم الأمر، ونقول إن تمرير قوانين الازدراء وإهانة الرموز ومحاكمة الملحدين هو الطريق لانهيار أى حضارة وسقوط أى دولة، والله على ما نقول شهيد.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات