لا تتجاهلوا رسائل اليأس والبؤس والغضب على قضبان المترو

Foto

لماذا كثرت حالات الانتحار عن العام الماضى؟ لماذا يفضل البعض الانتحار فى محطات المترو؟


شهد المجتمع فى الآونة الأخيرة تزايد أخبار المنتحرين، خصوصًا هؤلاء الذين ينتحرون تحت عجلات المترو، والذين سجلت كاميرات المراقبة حالاتهم، حتى إن رئيس مرفق مترو الأنفاق ناشد المنتحرين بالابتعاد عن المترو كوسيلة لإنهاء حياتهم، مؤكدًا أن هذا يعطل مصالح الركاب، وبعيدًا عن بيان رئيس المرفق الخالى من المعنى وغير المسؤول، إلا أننا يجب أن نفهم ظاهرة الانتحار، وهل هى رسالة غاضبة موجهة إلى قادة البلاد؟ أم هى رسالة اجتماعية؟ أم هى آثار سلبية للتقلبات الاقتصادية؟ أم هى دلالة على ضعف الإنسان المعاصر أمام تحديات العصر؟

 

إن الانتحار قرار فى غاية الصعوبة، فالحياة تستحق أن نكابد من أجل الحفاظ عليها، بل قد يتنازل البعض عن ماله وبعض أخلاقه من أجل أن تستمر حياته بما فيها من متاعب ومشاق! لهذا من الصعب أن نفهم ما الذى يدفع إنسانًا ما إلى اتخاذ قرار لإنهاء هذه الحياة بيده!
 

الانتحار قديم قدم الإنسان، وأقدم رسالة منتحر كانت قبل أربعة آلاف سنة، حين صاغ مصرى يأسه على ورق البردى نثرًا وفى 4 قصائد ذات أبيات قصيرة، وهذه الوثيقة المحفوظة الآن فى متحف برلين، عدّها طبيب الأعصاب البريطانى كريس توماس، أقدم رسالة انتحار موجودة، وهو يعتقد أنها تعكس اجتراره لعقل شديد الاكتئاب الذهانى على الأغلب.
 

إذن الإنسان على مر التاريخ يميل إلى الانتحار، لأنه مرّ بأحوال وظروف أشد قسوة من الموت ذاته، حتى أصبح الموت راحة له.
 

إن وصول مواطن ما إلى حافة اليأس التى يقرر معها الموت هو أمر جدير بالدراسة ويستحق بذل مجهود كبير لدراسته، وتوقعه الانتحار ليس فعلًا يتمتع بخصوصية تامة، وهو غير فردى بشكل كامل ولا غير قابل للتنبؤ.
 

يجب أن تكون لدينا طرق لفهم الجذور السيكولوجية للانتحار، منعًا للاستغلال المعارض، ومنعًا لسوء فهم رسالة المنتحرين وتحويلها عن مسارها، لكن الأجهزة المعنية، سواء أكانت وزارة الداخلية أم وزارة الصحة، لا تتعامل بشفافية مع هذه الظاهرة، ولا تصدر أى إحصاءات واضحة بعدد الحالات، لتفتح بذلك المجال واسعًا أمام التقديرات الجزافية والتحليلات المغرضة التى تحول الانتحار من ظاهرة اجتماعية إلى وسيلة تعبير سياسى معارض رافض.
 

البعض يريد استعادة حالة المنتحر التونسى الذى فجَّر بانتحاره الربيع العربى، وهو أمر صعب ومحال، فالأحوال والظروف مختلفة، وما جعل انتحار «بو عزيزى» شرارة لم يتوفر لغيره من المنتحرين، فالعالم يشهد مليون منتحر كل عام تقريبًا، والانتحار يعد عاشر الأسباب الرئيسية للوفاة فى العالم.
 

ومعدلات الانتحار أعلى فى الرجال عنها فى النساء، وهناك ما يقدر بنحو 10 إلى 20 مليون محاولة انتحار فاشلة كل عام، هذه المحاولات أكثر شيوعًا بين الشباب.
 

وتكشف أحدث الإحصاءات المتاحة على الموقع الإلكترونى لمنظمة الصحة العالمية، عن أن هناك 88 حالة انتحار بين كل 100 ألف مصرى، علمًا بأن عدد سكان مصر يبلغ 100 مليون نسمة، وهناك قرابة 88 ألف شخص ينتحرون كل عام.
 

وكشفت دراسة لوزارة الصحة فى القاهرة تعود إلى سنة 2014، أن 21.7% من طلبة الثانوية العامة يفكرون فى الانتحار، وشهدت الأسابيع القليلة الماضية عديدًا من حالات الانتحار بين طلاب المدارس الثانوية والإعدادية، وكثيرًا ما يرجع الميل للانتحار إلى اضطراب نفسى، مثل الاكتئاب أو الهوس أو الفصام أو إدمان الخمور أو تعاطى المخدرات، لكن تظل العوامل الاجتماعية هى السبب الرئيسى للانتحار، سواء أكانت صعوبات مالية أم مشكلات فى العلاقات الشخصية، مثل طلاق أو هجر أو تخلٍّ عن وعد بالزواج.
 

أما الفئة العمرية الأكثر إقبالًا على الانتحار فى مصر فهى بين 15 و25 عامًا، حيث تبلغ نسبتهم ٦.٦٦٪ من إجمالى عدد المنتحرين فى كل الفئات، تأتى بعد ذلك نسبة المنتحرين من المرحلة العمرية ما بين 25 و40 عامًا، حيث تمثل النسبة الكبرى لانتحار الرجال. ومعظم حالات انتحار الرجال فى هذه المرحلة العمرية ترجع إلى الظروف الاقتصادية وعدم القدرة على الإنفاق على الأسرة.
 

وفى المرتبة الثالثة الفئة العمرية من 7 إلى 15 عامًا، وكانت البنات المنتحرات فى هذه المرحلة ثلاثة أمثال الأولاد. وبلغت نسبة هؤلاء الأطفال المنتحرين 5.21 فى المئة من إجمالى المنتحرين فى مصر، أما طرق الانتحار فهى مختلفة، فالنساء يفضلن قتل أنفسهن مستخدمات الأقراص المنومة أو سم الفئران أو أقراص حفظ الغلَّة أو إلقاء أنفسهن من أماكن شاهقة أو فى النيل أو أمام القطارات، بالإضافة إلى لجوئهن إلى حرق أنفسهن، أما الرجال فى مصر فإنهم ينتحرون عادة بالشنق أو قطع شرايين اليد أو إطلاق النار على أنفسهم أو الحرق أو إلقاء أنفسهم من طوابق عليا أو أمام القطارات.
 

وقد أوردت بيانات لمنظمة الصحة العالمية أن 75% من حالات الانتحار تسجل ما بين متوسطى الدخل وسكان الدول الفقيرة.
 

وتلعب وسائل الإعلام، التى تشمل الإنترنت، دورًا مهمًّا، وجدير بالذكر أن الطريقة التى تستخدمها فى تصوير الانتحار قد يكون لها أثر سلبى مع التغطية على نطاق كبير وبارز ومتكرر، وعلى نحو يُمجد أو يضفى جوًّا عاطفيًّا على حالة الانتحار، فيكون لها بالتالى أكبر الأثر على الناس كذلك، عندما يتم تصوير وصف مفصل لكيفية الانتحار عن طريق وسيلة معينة، فإن طريقة الانتحار هذه قد تزيد بين الناس عمومًا، والغريب أن أجهزة الدولة لم تتوقف فقط عن تقديم المعلومات وإقامة الدراسات حول هذه الظاهرة، بل أسهبت فى نشر صور المنتحرين وتقديم فعل الانتحار فى مقاطع الفيديو التى يظهر فيها المنتحر، مما قد يسهل الأمر على آخرين، والأسوأ أن يتصدر قول لأحد العلماء كل وسائل الإعلام ينفى فيه فكرة أن المنتحر كافر، وكأنه يقول لمَن يريد الانتحار افعل ولا تخف من الآخرة! ولست هنا أناقش الأرضية دينيًّا، ولكن أمِن الحكمة مع مجتمع يحكمه الدين فى خياراته أن نقدم له الانتحار سهلًا ميسورًا؟!
 

إن المنتحرين يا سادة يا كرام قدموا لنا الرسائل المؤلمة والتى مؤداها أن الموت أصبح أفضل من الحياة، ولا سبيل للتقليل من الظاهرة إلا بجعل الحياة أسهل وأجمل وأحلى من الموت.
المنتحرون يدقون أجراس الإنذار للأحياء: إن لم تُصلحوا حياتكم وتتعلموا كيف تحيونها بحق ستغادروها غير مأسوف عليكم، فهى لا تستحق معاناتكم، فهل وصلت الرسالة؟

 

وللعلم هى رسالة أشمل من التوظيف السياسى لها، هى رسالة إنسانية ترفض تحكُّم الآخرين فى حياة المنتحر، سواء أكان الدافع رفض تحكُّم المال أم الأخلاق ودواعى الشرف أم درجات الامتحانات أم المرض أم أى شىء، المهم أن المنتحر رفض قسوة الحياة وافتقد مَن يهوّن عليه مصاعبها، فهل نفيق ونعيد للحياة بهجتها.. انتبهوا يا مَن تجعلون طعم الحياة مرًّا.
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات