المحافظون الجدد شغلهم على «فيسبوك» فقط

Foto

هل كانت صدفة أن يزور 4 محافظين مستشفيات مختلفة بشكل مفاجئ؟ لماذا يكرر المحافظ جملة «وَفقًا لتوجيهات الرئيس»؟ ما الإنجاز فى تعيين امرأة مسيحية محافظًا لدمياط؟


«أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصًا على النظام الجمهورى، وأن أرعى مصالح الشعب وسلامة الوطن، وأن أحترم الدستور والقانون، وأن أؤدى عملى بالذمة والصدق»، هذا كان نص القسم الرسمى الذى ألقاه المحافظون الجدد أمام الرئيس عبد الفتاح السيسى، فى حركة تغييرات مكثفة شملت 21 محافظًا وعيّنت نوابًا لبعضهم.

 

بالتمعن فى نص القسم، نجد أن القسم لا يشمل الظهور أمام الكاميرات أو المبالغة فى تلميع الإنجازات، ولكن للأسف هذا ما لم يدركه المحافظون الجدد، الذين حلّوا ضيوفًا على كل القنوات الفضائية، فمداخلاتهم الهاتفية مع برامج التوك شو لا توحى بإدراك هذا القسم أو معرفة غايته، فجميعهم تلقوا التهنئة على اعتبار أن تكليفهم بالمسؤولية يعد فى حد ذاته إنجازًا يستحق التهنئة، وتناسوا أنهم لم يقدموا أوراق اعتمادهم للمواطن أولًا والحكومة ثانيًا، حتى يطلوا على الفضائيات.
 

الهوس بالميديا داء متمكن من أغلب المسؤولين المصريين، وللأسف طال هذا الداء المحافظين الجدد الذين ما لبثوا أن حلفوا اليمين الدستورية، حتى أطلقوا التصريحات للصحفيين، مشددين على ضرورة التعامل مع مشكلات المحافظة وإعطاء المواطن الأولوية القصوى والعمل على تسهيل الخدمات والقضاء على البيروقراطية.
 

بعد ساعات من حلف اليمين الدستورية، زار محافظ الإسكندرية الدكتور عبد العزيز قنصوة، مستشفى القبارى العام بمنطقة مينا البصل بحى غرب، زيارة مفاجئة، وتفقد قسم الاستقبال بالمستشفى والأقسام الداخلية، واستمع إلى عدد من المرضى الموجودين داخل المستشفى، من خلال طلباتهم ورأيهم فى مستوى الخدمة الصحية المقدمة.
 

الأمر نفسه تكرر عندما قرأت خبرًا بعنوان: «محافظ سوهاج الجديد يفاجئ العاملين بمستشفى أخميم متخفيًا، لمتابعة سير العمل»، وحقًّا توقفت كثيرًا أمام كلمة «متخفيًا»! ما الذى دفع الدكتور أحمد الأنصارى محافظ سوهاج الجديد إلى التخفّى فى أثناء الزيارة؟! وهذا أمر إن دلّ فإنه يدل على قصور إدارى داخل المرافق، لدرجة جعلت المحافظ يرغب فى رؤية الأوضاع دون التجميل الكاذب والتجهيزات الجمالية الخادعة، وهنا نحن حقًّا أمام أزمة قديمة راسخة فى عقول الجهاز الإدارى والوظيفى المصرى، لذلك على المحافظ أن يهتم وينشغل بتغيير ثقافة «التجميل أمام المسؤول» وأن ينصب اهتمامه على الإصلاح الحقيقى والتطوير الفنى، حتى لا يضطر إلى أن يتخفَّى فى ما بعد، لمعرفة الحقيقة.
 

محافظ سوهاج كونه طبيبًا، طالب بإجراء مناورة حيّة لبيان مدى استعداد وجاهزية مرفق الإسعاف فى حالة وجود حالات طوارئ أو وقوع كوارث مفاجأة وكيفية التعامل معها، وهذا أمر جيد جدًّا كونه بحث استغلال خلفيته الطبية وإشرافه على قطاع الإسعاف، ولكن أيضًا كل هذا مُقدم للمواطن فى قالب دعائى أن المسؤول الجديد يفاجئ الموظفين ويطمئن على سير العمل الجيد، ولكن المحافظ لم يخُض فى المشكلات الحقيقية والقديمة والمتأصلة داخل الأجهزة الإدارية.
 

الأمر لم يقتصر على المحافظَين السابقَين فقط، بل وصل أيضًا إلى المستشار هانى عبد الجابر محافظ بنى سويف، الذى أجرى هو الآخر زيارة مفاجئة إلى مستشفى ببا المركزى، للتأكد من سلامة الخدمات المقدمة للمرضى والاطمئنان على سير العمل، كما فعل ذلك المستشار مصطفى خالد ألهم، الذى زار مستشفى الأقصر العام زيارة مفاجئة، لم تسفر سوى عن كل خير واطمئنان، ولكن بعد كل هذه الزيارات المفترض أنها مفاجئة.. هل نطئمن على مستوى الخدمة الطبية فى مصر؟ هل المستشفيات لا تشهد إهمالًا؟ هل هناك سرعة واحترافية فى التعامل مع المرضى؟ هل المرضى يجدون أسرّة ملائمة وآدمية؟ وهل الأطباء يحصلون على التقدير المادى الكافى والملائم لهم؟ وهل بنوك الدم بالمستشفيات بها حصيلة كافية من الدم؟ وهل هناك انضباط إدارى فى المستشفيات أم هى أيضًا نخرها سوس الفساد؟
المحافظون الجدد والقدامى اشتركوا فى جملة واحدة وهى «تعليمات الرئيس»، وكأنهم يؤكدون التزامهم بالطريق الذى رسمه رئيس الجمهورية وتعهدوا على تنفيذه دون إبداع أو تفكير، بغض النظر عن القسم الدستورى الذى طالبهم برعاية مصالح الشعب وسلامة الوطن.

 

ومثلما اشترك المحافظون الجدد فى تفكير الزيارات المفاجئة التى لم تسفر عن أى شىء مفاجئ، واشتركوا أيضًا فى الالتزام بتوجيهات الرئيس وتعليمات رئيس الوزراء -وَفقًا لتصريحاتهم- هم الآخرون انتهجوا سياسة التوجيه، فتجد البيانات الصادرة عن دواوين المحافظات مليئة بكلمة: «وجَّه المحافظ بضرورة الاهتمام بالخدمة الصحية، شدَّد المحافظ على ضرورة تطوير قسم المحافظات، أكد المحافظ ضرورة الاهتمام بالحضانات وقسم الأطفال.. إلخ»، وتظل هذه هى دائرة القرار المصرية، مسؤول يوجه مسؤولًا، يوجه مسؤولًا.. إلى آخره، ثم يتحدثون عن أولويتهم فى القضاء على البيروقراطية!
 

شىء عظيم أن يهتم المحافظون بالزيارات الميدانية والإشراف على المرافق، ولكن من غير الموفق هو أن تصدر بيانات ديوان المحافظة تؤكد أن الزيارة «مفاجئة» ولم تسفر سوى عن كل خير، فى ترسيخ لسياسة الاهتمام بالمظاهر والميديا وقشور المشكلات بدلًا من الخوض فى قلب المشكلة وتحليلها وبحث سُبل حلها.
 

الزيارات الميدانية أمر ضرورى ولكنها مجرد إجراء رقابى لا يحل أية أزمة، لا يصح إذن إعطاء الأمر أكبر من حقه.. فلماذا الاحتفاء بأن المسؤول ترك مكتبه وتفقد أمور المحافظة؟! فمراقبة العمل أمر من صميم أعمال المسؤول، ولكن الأزمة أن تتحول تأدية العمل إلى «الشو الإعلامى».
 

اهتمام المحافظين والمسؤولين بالميديا والظهور الإعلامى، أمر يكشف عن مواطن قصور فى عقل الجهاز الإدارى للدولة، فالمسؤول يرغب فى تقديم صورة واحدة للمواطن، وغالبًا هذه الصورة تخالف الواقع الذى يعيش فيه المواطن ويتجرع مرارته وألمه، ثم إن سوق الميديا الآن لم تعد تتمتع بحقها فى الحرية التى حصلت عليها بعد ثورة يناير، فعشية الإعلان عن حركة المحافظين احتفت برامج التوك شو المعدودة بالحركة واعتبرتها تغييرًا جذريًا شاملًا.. رغم أن الحركة خالية من المفاجآت، فهى تشبه كل الحركات السابقة، فلماذا الاحتفاء الكاذب؟ ومتى يتم احترام عقل المشاهد وطاقته وألمه؟!
 

ما الجديد فى اعتماد الدولة على أصحاب الخلفية العسكرية؟! فالحركة التى تعتبر الخامسة فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى ضمت 19 لواءً و6 من أساتذة الجامعات ومستشارين، قديمًا قالوا إن أصحاب الخلفية العسكرية يتم تكليفهم بالمحافظات الحدودية التى تتطلب استراتيجية تأمين خاص، ولكن الآن اللواءات يوجدون فى كل المرافق والأجهزة المحلية والإدارية، فما الجديد الذى كشفت عنه الحركة؟!
 

برامج التوك شو التى لم تعد متنوعة وساخنة وجاذبة للمواطنين مثل نظيرتها من 5 سنوات، اعتبرت أن الحركة تمثل انتصارًا للشباب!
 

ولا أعلم عن أى شباب يتحدثون إذا كانت أعمار المحافظين تقدر بمتوسط 59 عامًا، بواقع أن الدكتور أحمد الأنصارى محافظ سوهاج، الأصغر سنًّا بـ42 عامًا، بينما جاء اللواء محمد عبد الفضيل شوشة محافظ شمال سيناء، واللواء عبد الحميد عبد العزيز الهجان محافظ قنا، فى المركز الأول بـ66 عامًا، وتراوحت أعمار أغلب المحافظين فى الخمسينيات من عمرهم.. فمَن هم الشباب الذين يتم الاحتفاء بهم؟!
 

البرامج أيضًا روَّجت لتولِّى الدكتورة منال ميخائيل حقيبة محافظة دمياط، واعتبرته انتصارًا للمرأة والأقباط فى آن واحد، ما يؤكد أننا وصلنا إلى مرحلة متقدمة من البؤس المجتمعى، لدرجة جعلتنا نتعجب من تولِّى امرأة حقيبة محافظة خصوصًا إذا كانت مسيحية الديانة.
 

فى الواقع.. معايير اختيار المحافظين والوزراء والمسؤولين ليست واضحة أو معلنة للجميع، لكن الواضح كما الشمس هو كم التراجع الذى وصلنا إليه، والتردى فى تقديم الخدمات، وإهمال كثير من الكفاءات، وتحول المحليات إلى بوطقة كبرى من الفساد، والواضح أيضًا أن الاعتماد على أهل الثقة لا يبنى دولًا، فعندما يستطيع الجهاز الإدارى للدولة الاعتماد على الكفاءات وتطبيق المؤسسية فى العمل، تحت مظلة سيادة القانون، بغض النظر عن الآراء السياسية والجنس والدين، آنذاك نستطيع أن نلتمس تغيُّرًا فى العقلية الإدارية، ومن ثَمَّ نستطيع التماس تغيُّر حقيقى فى الدولة.. فالتغيير لا يأتى من فراغ.
 

على المحافظين بشكل خاص والمسؤولين بشكل عام معرفة جدوى الميديا ومغزاها، فوسائل الإعلام المفترض أن تكون مرآة لحال الشعب وأداة للتنوير ومساحة للنقاش والاختلاف وإبداء الرأى، لا يجب أن تكون أداة فى يد المسؤول لتلميع إنجازاته أو نشر خطواته.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات