.

مفسرو القرآن الذين أنكروا الشورى والأذان الذى شُرع بها

Foto

لماذا حاول المفسرون صرف آية «وشاورهم فى الأمر» عن معناها الواضح المباشر الصريح؟ كيف فهم الطبرى وابن كثير والشوكانى شورى النبى لأصحابه على أنها وهمية رغم أن السيرة النبوية تنفى ذلك؟ وما الحكمة إذن من أن الله قد شرَّع أذان الصلاة للمسلمين بطريق الشورى؟


«فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ». «آل عمران: 159».


هذه الآية الكريمة تتضمن أمرًا إلهيا صريحا حاسمًا للنبى، صلى الله عليه وسلم، بأن يلين لأصحابه وأن يرفق بهم، بل وأن يعفو عن معارضتهم له واشتدادهم عليه فى الخلاف، ويزيد على ذلك بأن يستغفر لهم ذنوبهم، ثم أن يشاورهم فى الأمر. ورغم هذا السياق المشرق فى الآية، فإن قارئ التفاسير القرآنية الكبرى لا بد أن يشعر بوجود رغبة عميقة لدى المفسرين فى إيجاد مخرَج لتأويل هذا الأمر الإلهى للنبى بمشاورة أصحابه على غير وجهه المباشر. والمخرج الذى يرمى إليه هؤلاء المفسرون لا مفر من أن يُفهم على أنه يصب فى كراهية نفسية أصيلة لفكرة المشاورة والاستشارة والتشاور والشورى، وكل ما من جنسها ولغتها وفعلها من تداول الأمور بين الناس، فالثقافة العربية القبلية الموروثة ثقافة تشيع وتتجذر فيها كل عناصر ومقومات الاستبداد والانفراد ونزعة تأليه أهل السلطة والمكانة رغم بشريتهم، فما بالك لو كان هذا البشر المأمور بالشورى بشرًا نبيًّا، ولو كان محمدًا سيد الأنبياء وخاتم المرسلين؟!


لذلك لم يكن غريبا أن يقاوم مفسرو القرآن القدماء هذه النزعة القرآنية نحو التشاور وتداول الأمر مقاومة تبدو مؤكدة، ولم يكن مدهشًا أن تبدو محاولتهم صرف الآية عن وجهها الآمر الصريح بالشورى محاولة صريحة كذلك. ففى تفسير الطبرى، وهو من أقدم تفاسير القرآن الكريم، نجده بعد أن يثبت المنقول المتفق فى شأن تفسير الجزء الأول من الآية، قبل أن يعمد بسرعة إلى القول: «ثم اختلف أهل التأويل فى المعنى الذى من أجله أمر -تعالى ذكره- نبيه أن يشاورهم، وما المعنى الذى أمره أن يشاورهم فيه؟»!


ولشرح ذلك، يستفيض الطبرى فى شرح أوجه الاختلاف التى تحاول التملص من كونه أمرًا مباشرًا صريحا بالشورى من عدة أوجه، منها وجه حصر الأمر، فيقول: «فقال بعضهم: أمر الله نبيه بقوله (وشاورهم فى الأمر) بمشاورة أصحابه فى مكايد الحرب وعند لقاء العدو» فقط! وهو لا يكتفى بصرف الآية عن معناها الشمولى حتى يردف ذلك بسلبها كل مغزى قيمى لها، فالشورى حتى فى إطار الحرب، ليس من أجل الوصول لأفضل الاقتراحات التى يمكن أن تقدمها آراء الصحابة المتشاورين، ولكن: «تطييبًا منه بذلك أنفسهم، وتألفًا لهم على دينهم، وليروا أنه يسمع منهم ويستعين بهم»!


إذن فالشورى التى يأمر الله بها نبيه طبقًا لهذا الرأى، هى مجرد مشاورة تمثيلية تبتغى تأليف القلوب وتطييب النفوس دون أن يكون لها أدنى قيمة من الناحية العملية أو الخلقية، وهو يؤكد ذلك بقوله: «وإن كان الله -عز وجل- قد أغناه بتدبيره له أموره، وسياسته إياه وتقويمه أسبابه عنهم».


وبعد أن يسرد آراء من قالوا بصرف الآية إلى هذا الوجه، يأتى بالوجه التالى من أوجه صرف الآية عن معناها المباشر، فيقول: «وقال آخرون: إنما أمره الله بمشاورة أصحابه فى ما أمره بمشاورتهم فيه، مع إغنائه بتقويمه إياه وتدبيره أسبابه عن آرائهم، ليتبعه المؤمنون من بعده فى ما حزبهم من أمر دينهم، ويستنوا بسُنته فى ذلك، ويحتذوا المثال الذى رأوه يفعله، فيتشاوروا بينهم ثم يصدروا عما اجتمع عليه ملؤهم».


ولا يخلو هذا الوجه الثانى من تأويل الآية من نفس الضرب التمثيلى الذى يتجه إليه المعنى الأول، فالنبى يشاور المؤمنين فى الأمر مع استغنائه عن الشورى؛ لأنه يريد أن يعلمهم الشورى ليحتذوا مثاله فقط. ولا يدرى المرء هل يريد هذا الرأى من الصحابة أن يحتذوا مثال النبى فى أخذ الشورى محمل الجد أم صرفها كذلك على هذا النحو التمثيلى تجاه الآخرين؟


وبعد أن يذكر الطبرى حشدًا من القائلين بهذا الرأى، ينتهى إلى الوجه المباشر فى تفسير الآية، لكنه يذكره فى عبارة مختصرة غير شارحة أسوةً بالسابق، وعلى هذا النحو: «وقال آخرون: بل أمره بذلك فى ذلك، ليبين له الرأى وأصوب الأمور فى التدبير، لما علم فى المشورة تعالى ذكره من الفضل». وعندما ينتقل إلى مَن قالوا بهذا الرأى، لا يذكر أكثر من رأيين فقط، هما لكل من قالوا بالمعنى المفهوم مباشرةً من الآية!


ولا يختلف تفسير ابن كثير عن تفسير الطبرى فى ترجيح ما ذهب إليه بأن أمر مشاورة النبى لأصحابه لا يقصد منه الشورى على وجهها الحقيقى، ولكن «تطييبًا لقلوبهم، ليكونوا أنشط لهم فى ما يفعلونه»، فهو يعتبر الشورى -فوق أنها مسألة تمثيلية غير واقعية ولا حقيقية- مجرد أداة نفعية لتنشيط الصحابة فى ما يفعلون فقط! لكنه يزيد على الطبرى وجهًا آخر لصرف الآية عن معناها المباشر عندما يحصر الأمر الإلهى للنبى بالشورى فى أبى بكر وعمر، فلماذا تنحصر الشورى فى أبى بكر وعمر بالذات؟!


وعلى نفس المنوال يغزل تفسير الشوكانى، الذى يفرد فوائد الشورى «الوهمية» كما يراها على هذا النحو: «أى الذى يرد عليك، أى أمر كان مما يُشاور فى مثله، أو فى أمر الحرب خاصةً، كما يفيد السياق لما فى ذلك من: تطييب خواطرهم، واستجلاب مودتهم، ولتعريف الأمة بمشروعية ذلك حتى لا يأنف منه أحد بعدك، استظهارًا بآرائهم»!


والمهم أن مشاورة النبى لأصحابه فى كل الأحوال، وفى اعتقاد مفسرى القرآن الكريم، ليست هى الشورى الحقيقية التى يكون لآراء أصحابها فيها قيمة وشأن!


والغريب أن سائر أحداث السيرة النبوية وحوادثها المشهورة تخالف ما فى آراء المفسرين مخالفة كاملة، فالمشهور عن النبى كان حرصه على مشاورة أصحابه وجموع المسلمين فى أوجه شؤونه كلها، وهو لم يكن يحرص على ذلك فى أمور الحرب فقط، ولكنه استشارهم كذلك فى أمور الصلح، بل وكثيرًا ما نزل على آرائهم، كما حدث فى تراجعه عن مصالحة بنى غطفان على ثلثى ثمار المدينة، وتمزيقه -صلى الله عليه وسلم- صحيفة المصالحة بعد أن رفضها سيدا الأوس والخزرج. وكما استشار أبا بكر وعمر فى شأن أسرَى بدر، وبعد أن أخذ برأى أبى بكر فى إطلاق سراحهم، نزل الوحى يراجعه: «ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض». بل ونراه فى غمار حادثة الإفك، يخرج على الملأ من المسلمين يطلب الشورى منهم قائلا: «أشيروا علىّ، معشر المسلمين فى قوم أبنوا أهلى ورموهم».


بل إن امتثال النبى لأمر الشورى الإلهى تعدى أمور الدنيا إلى أمور الدين كذلك، فالأذان الذى يجب أن يذكّر المسلمين انطلاقه خمس مرات يوميا من فوق ملايين المآذن لم يشرع إلا بطريق الشورى.

وتفصيل ذلك يورده ابن إسحق، فبعد أن كره النبى استخدام بوق اليهود فى النداء على الصلاة، قرر استخدام ناقوس المسيحيين، ونحت ناقوسا ليستخدم فى ذلك، ولكن: «فبينما هم على ذلك إذ رأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة، النداء، فأتى رسول الله فقال له: يا رسول الله، إنه طاف بى هذه الليلة طائف: مر بى رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا فى يده. قلت له: يا عبد الله، أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قال: قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قال: قلت: وما هو؟ قال: تقول: الله أكبر.. الله أكبر.. «إلى آخر الأذان كما نعرفه اليوم».. فلما أخبر بها رسول الله قال: إنها لرؤيا حق.. فقم مع بلال ألقها عليه فليؤذن بها فإنه أندى صوتا منك».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات