جذور الملف القبطى!

Foto

يبدأ الكتاب من التساؤل المستمر والخلاف حول وصف طبيعة دخول العرب إلى مصر: هل هو غزو؟ أم هو فتح؟


عادة ما يرتبط الملف القبطى فى مصر بتقلبات السياسة، فنجد فى كثير من الأوقات ونتيجة لبعض الحوادث التى يغلب عليها طابع الفردية بلبلةً وضجّةً كبيرةً وربما يرجع ذلك فى جانب كبير منه إلى الخطاب الدينى الذى يخرج من مشايخ الأزهر بأن الحال تمام والأمور على ما يرام، ونشر صور الهلال مع الصليب مع كل أزمة من هذا النوع، فلا يتطابق هذا الخطاب مع كثير من مشايخ السلفيين وغيرهم، فإلى الآن ما زالت لديهم مشكلة حتى مع تهنئة المسيحيين بأعيادهم وصداقة المسلم للمسيحى، وغيرها من الأمور التى عفَّى عليها الزمن ولا يمكن أن تستمر فى ظل مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان.

 
ولعل صدور كتاب «الملف القبطى» عن دار الثقافة الجديدة بالقاهرة، للكاتب والمبدع حمدى البطران، يمنحنا قراءة هادئة فى جذور العلاقة بين المسلمين والمسيحين داخل الوطن الواحد.


يبدأ الكتاب من التساؤل المستمر والخلاف حول وصف طبيعة دخول العرب إلى مصر: هل هو غزو؟ أم هو فتح؟ يرى المؤرخون والمفكرون المسيحيون ومَن شايعهم فى ذلك من المفكرين والمؤرخين الأوروبيين أن عملية دخول العرب مصر ما هى إلا عملية غزو عسكرى محض بالسلاح، بينما يرى المؤرخون المسلمون والعرب ومعهم غالبية الكتاب والمفكرين المسلمين أن دخول العرب لمصر كان فتحًا، وأن حكام الأقباط استسلموا طواعية للقوات العربية، ولأجل هذا كتب لهم الفاتح عمرو بن العاص عهدًا ووثيقة.  


ويثير الكاتب نقاط مهمة وملاحظات تسترعى الانتباه فى طريقة تجمع الأقباط للسكنى على مدار التاريخ الإسلامى، الملاحظة الأولى هى التركيز السكانى للأقباط فى الصعيد بصفة خاصة، مع قلة أعدادهم فى الوجه البحرى وتناثرهم فى مناطق متباعدة إلى حد ما، ويصاحب ذلك وجود عدد لا بأس به للأقباط فى القاهرة بوصفها أهم المدن المصرية ومركز الحكم والإدارة، مع تضاؤل الوجود القبطى إلى حد كبير فى المدن الساحلية، لا سيما مدن السويس ودمياط والإسكندرية، ويرجع ذلك إلى أن الوجه القبلى بالنسبة إليهم أكثر أمانًا من الوجه البحرى الذى ثقلت عليه يد السلطات لقربه من مركز الحكم المتمثل فى الوالى ورجاله.  


والملاحظة الثانية هى ميلهم إلى السكنى فى أحياء خاصة بهم، عرفت بحارات النصارى، وينبغى أن لا ننظر إلى هذا الوضع على أن الأقباط اختاروا بأنفسهم أن يكونوا «جيتو»، فسيتضح بعد ذلك عكس هذا، ولم يُجبر الأقباط على العيش فى أحياء خاصة بهم منعزلة ومنغلقة على ذاتها، كما أن تجمعهم فى أحياء خاصة بهم لم يكن يُضفى عليهم لونًا من ألوان الحماية، بل على العكس من ذلك كان يُسهل انقضاض العامة على أحيائهم ونهبها، وذلك فى أيام الفتن والاضطرابات، ومن غير المستساغ قبول فكرة أن الأقباط قد أكرهوا على السكنى فى أحياء خاصة بهم، ليسهل الانقضاض عليهم، فهو تفسير غير منطقى، ويستند إلى بعض الحوادث الطارئة التى تعرَّضت فيها الأحياء القبطية للتعسُّف أو النهب، ولم تخرج حارات النصارى عن نطاق قطاعات الحراسة التى تعهد الإدارة لرجال الأمن بحفظ النظام بها.  

 
ويوضح الكاتب أن أسباب التوتر الطائفى بين الأقباط والمسلمين فى عهد مبارك، الذى استمر مدة ثلاثين عامًا، ترجع إلى المنهج الفكرى للجماعات الإسلامية وموقفهم من الأقباط الذى كان نابعًا من مواقف دينية متشددة تجاه الأديان الأخرى، حيث كانت تتصرَّف من منطلق أن الورقة القبطية تشكِّل ضغطًا على الحكومة المصرية كما يشير أيضًا إلى التوتر الطائفى بسبب بناء الكنائس والذى يثور من حين لآخر.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات