.

النزعة الإنسانية فى فقه أبى حنيفة

Foto

لماذا كان أبو حنيفة فقيهًا ذا حس إنسانى رفيع دون غيره من الفقهاء؟ كيف كان استقلال رأى أبى حنيفة معبرًا عن مواقفه السياسية الجريئة؟ ما أهم أمارات النزعة الإنسانية فى فقه أبى حنيفة مع المخالفين فى العقيدة؟


الحِس الإنسانى حاضر بكثافة فى فقه الإمام أبى حنيفة النعمان، وهو ما جعل من الرجل مثالا حيا للتسامح الذى قلما يوجد عند فقيه آخر ممن يخوض فى فقهه صراعا حول النص الذى يحكمه، فلا يكاد يرى غير تلك النصوص التى تتلاعب به ذات اليمين وذات اليسار وإن اختلفت مروياتها، وتعارضت نصوصها وتباينت، وهو ما يختلف به الإمام أبو حنيفة –رحمه الله– عن غيره، فهو يحترم النص لكنه يجعل من النزعة العقلية والإنسانية حكمًا عليه دون إخلال به، أو انتقاص من شأنه، ولعل ذلك هو ما جعل من أبى حنيفة مدرسة قائمة بذاتها تعرف بمدرسة الرأى والقياس فى مقابل مدرسة الحديث التى يمثلها مالك والشافعى وأحمد -رحمهم الله-، وهو ما درج عليه القدامى والمحدثون فى تقسيم فقهاء السنة.


ولم يكن أبو حنيفة فقهيا يتعامل مع النصوص بحنكة وحصافة وإنسانية فقط، بل كانت له مواقف سياسية جريئة تؤكد على أنه مستقل فى رأيه أيما استقلال بعيدا عن كل تقليد وتبعية ولو كانت سياسية؛ فقد رفض ولاية القضاء تحت حكم الدولتين الأموية والعباسية، ففى أيام مروان بن محمد، آخر ملوك بنى أمية، أجبروه على أن يلى قضاء الكوفة فأبى، فما كان منهم إلا أن ضربوه مئة سوط وعشرة أسواط، كل يوم عشرة أسواط، فما زاده ذلك إلا امتناعا وإباء حتى أخلوا سبيله بعد إذ يئسوا منه [وفيات الأعيان: م 5، ص 47]، ولم يكن امتناعه عن تولى القضاء هروبا أو عصيانا، وإنما كان رفضا لدولة بنى أمية وسلطانها، فهو فقيه موقف، وصاحب رأى حر يأبى الانصياع للسلطان حتى قالوا: «كان أبو حنيفة رجلا فقيها، معروفا بالفقه، هاربا من مال السلطان» [تاريخ بغداد: م 13، ص 340]، ومن مواقفه الجريئة كذلك أنه قام بتأييد العلويين فى ثوراتهم على الأمويين والعباسيين، فقد ظل مواليا لآل البيت على عهد بنى العباس «إذ أيد خروج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بالمدينة، وأخيه إبراهيم بالكوفة، سنة خمس وأربعين ومئة، فلم يلبث أن جاء كتاب المنصور إلى عيسى بن موسى أن احمل أبا حنيفة، فحمله إلى بغداد، فعاش خمسة عشر يوما، ثم سقاه فمات» [تاريخ بغداد: م 13، ص 330].


وكعادة كل مستقل فى رأيه، حر فى تفكيره، جرىء فى مواقفه تم تكفير أبى حنيفة، فقد أورد الخطيب البغدادى فى ترجمته لأبى حنيفة ما يدل على اتهامه بالكفر من قبل خصومه ومخالفيه، حيث اتهموه بالكفر والإرجاء والقول بخلق القرآن، ومما يذكر فى ذلك أن الوالى العباسى عيسى بن موسى قد استتاب أبا حنيفة لقوله بخلق القرآن [تاريخ بغداد: م 13، ص 379]، «وقد اضطربت مواقف بعض الكتاب قديما فى تصنيف أبى حنيفة، وترددت بين القبول والرفض، وبين الرضا والتكفير بالإرجاء والقول بخلق القرآن، وهذا يزيد شخصية أبى حنيفة خصبا؛ فهو فى الذاكرة الإسلامية أول فقهاء السنة، وفى بعض المصنفات مرجئ» [دراسة عن أبى حنيفة، حسن بزاينية، ص 20].


أما عن جوانب النزعة الإنسانية فى فقهه، وحضور الحس الإنسانى الذى افتقده فقهاء آخرون بتأثيرات شتى لعل أبرزها رضوخهم للواقع السوسيو – سياسى، والأنثروبولوجى فى مجتمعاتهم التى عاشوا فيها، وخاضوا صراعاتهم الفكرية والإنسانية فى أركانها، أقول: إن جوانب النزعة الإنسانية لتتمثل فى فقه أبى حنيفة بداية فى نظرته الإنسانية إلى الآخر المخالِف، ولعل الماوردى –فى كتابه الأحكام السلطانية– قد أغنانا عن التنقيب فى تلك الآراء والبحث عنها، ومنها: أن أبا حنيفة يرى أن الصلح بين المسلمين وبين من تغلبوا عليهم من غير المسلمين لا ينتقض بمنع الجزية؛ لأن أمانهم حق عليهم، فلا ينتقض العهد بمنعهم منهم كالديون، وهو نقيض ما يراه الماوردى وغيره من الفقهاء الذين يرون ضرورة قتالهم إذا منعوا المال.


كما أن من مظاهر سماحة وإنسانية فقهه مع المخالفين فى العقيدة، جواز أخذ الجزية من عبدة الأوثان إذا كانوا عجما وهو خلاف رأى الشافعى الذى قال: «ولا تؤخذ من مرتد ولا دهرى ولا عابد وثن» فكل أولئك بمقياس فقه الشافعى وغيره إذا لم يقبلوا الإسلام وجب قتلهم ولا أمان لهم بالجزية (..).

ومن أمارات موقف أبى حنيفة الإنسانى من أهل الذمة أنه جوز دفع زكاة الفطر إليهم بخلاف غيره من الفقهاء، كما أباح الدخول إلى الحرم للذمة والمعاهدين، وجوز لهم أن يستوطنوا الحجاز، فيما منعه غيره وحرموه، كذلك أباح أبو حنيفة تقليد الكافر القضاء بين أهل دينه.


وقد أورد الماوردى كذلك فى كتابه الأحكام السلطانية طائفة من آراء أبى حنيفة المعبرة عن مواقفه الإنسانية التى تتميز بالتيسير ورفع الحرج، وتدل على أريحية التجديد والتيسير لديه التى افتقدها غيره من الفقهاء، ومنها:


إذا فات الحاج الوقوف بعرفة فإنه يتحلل بعمرة.


المرتد لا يقضى ما فاته من صلاة كمن أسلم عن كفر.


المرأة لا تقتل بالردة.


يسقط الخراج فى حال الإعسار.


تارك الصلاة لا يُقتل.


يُقتل المسلم بالكافر؛ لأن النفس واحدة «النفس بالنفس».


يُقتل العبد بالحر والحر بالعبد.


من سرق ثالثة لا تقطع يده.


دية اليهودى والمسيحى كدية المسلم.


تقضى المرأة فى ما تصح فيه شهادتها.


إن فقه أبى حنيفة، فى جوانب كثيرة منه، لدليل على إنسانيته، ومدى احترامه للنفس التى خلقها الله بصرف النظر عن دينها، فلا يوجد فقيه احترم أهل الذمة كما احترمهم أبو حنيفة، ولا يوجد فقيه جعل من الرأى حاكما على النص مثل أبى حنيفة، وليس هذا فحسب، بل إن إنسانيته قد طالت العبيد والإماء فساوى بين دمائهم ودماء أسيادهم فى ذلك الزمان الذى اتسم بثنائيات طبقية وعقدية وإنسانية مجحفة، انتصب لها أبو حنيفة وبلغ حدا من الجرأة أهله ليقف فى وجهها، ويتجشم صعوبة مقاومتها من خلال الرأى والفكر فانتصر فقهه على معانى الكفر والعبودية وامتهان الآخر المخالف.
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات