تراجيديا الزمن القادم

Foto

حرص رفائيل سانشسيو على أن تظهر نصوصه فى الكتاب بلا ترتيب منطقى من حيث الموضوعات، أو حتى القضايا التى يعالجها، كما يطرح بعضها دون عنوان أيضًا


يحتوى كتاب «الآتى من الزمان أسوأ.. تأملات ومقالات» للأديب رفائيل سانشيث فرلوسيو، والذى نقله من الإسبانية إلى العربية طه زيادة والصادر عن المركز القومى للترجمة عام 2015، على مجموعة من النصوص التى تتضمَّن أفكار المؤلف وتأملاته وأقوالاً مأثورة، ونقدًا لاذعًا فى بعض الأحيان لكثير من القضايا فى مختلف المجالات، فى الأدب أو السياسة أو الاقتصاد أو التاريخ أو الفن أو الفلسفة، وقد نال عنه الجائزة القومية للآداب فى فئة المقال، وجائزة مدينة برشلونة عام 1994.


حرص رفائيل سانشسيو على أن تظهر نصوصه فى الكتاب بلا ترتيب منطقى من حيث الموضوعات، أو حتى القضايا التى يعالجها، كما يطرح بعضها دون عنوان أيضًا، إلا أن الكتاب يتّخذ الشكل الدائرى، فهو يبدأ بنص شعرى، ويختتم بنص شعرى، الأبيات الأولى عبارة عن ترنيمة تحمل نبوءة، نذيرًا يحذر من الآتى من الزمان، وكيف أنه سيكون أكثر سوءًا وسيجعلنا أكثر عمًى، وهى نظرة تشاؤمية مطلقة، لا تخلو من روح سخرية مريرة وفكر وجودى، تقول قصيدة ناقوس المساء:


ستهل علينا أعوام أكثر سوءًا .. وتجعلنا أكثر عمى
ستهل علينا أعوام أكثر عمى .. وتجعلنا أكثر سوءًا
ستهل علينا أعوام أكثر حزنًا .. وتجعلنا أكثر برودة
وتجعلنا أكثر جفافًا .. وتجعلنا أكثر كآبة


ومن أقوالة المأثورة التى تشغل حيزًا كبيرًا من الكتاب، الطبيعة والحضارة، ولكن أخبرونى أيهما أكثر طبيعية: أسد يطارد جاموسًا وحشيًّا فى المحمية الوطنية بتنانيقا أم قط يطارد جرذًا تحت أضواء مصابيح الإنارة بجانب سور المجزر الممتد إلى ما لا نهاية؟


لا يجوز استغراب أن يكون الحماس الذى يثيره بداخله الصباح، بإصرار يتزايد يومًا بعد يوم، هو أن أسارع على الفور بتقديم استقالتى النهائية، لكننى لا أستطيع منح نفسى هذا الشعور بالرضا، حيث لا توجد هيئة جديرة باستقالة مثل استقالتى.


مَن يريد أن يحكم يتعيَّن عليه على الأقل إبداء احترام أخير تجاه مَن يجب عليه إطاعته: فليتوقف عن إبداء إيضاحات له.


يصبح الصوت الأكثر مسكنة الأكثر تسلطًا دائمًا، وإن لم ينجح فى أن يكون مفهومًا فعليه أن يقنع بكونه مطاعًا فقط.


الطفل الذى تجرَّأ على قول إن «الإمبراطور عريان»، ياه، ربما كان أيضًا قد قبض من الإمبراطور نفسه.
«السلطة الرابعة»، تعتبر تلك الإصبع التى تكتب فى الهواء بصورة مسبقة على مساحة ثمانية أعمدة، تلك الإصبع التى بمقدورها السماح لنفسها بإشارتها غير المرئية الكتابة فى صدر الصفحة الأولى عن فضاء المكتب البيضاوى الخبر الرهيب الذى سيظهر فى صباح اليوم التالى على مساحة ثمانية أعمدة فى صدر الصفحة الأولى بجميع جرائد العالم، تلك الإصبع فى الحقيقة هى السلطة الرابعة، وليست الجرائد التى تسجّل قرارها أو كلماتها.

تلك الإصبع هى التى كان يجب وضعها على المقصلة بدلاً من العديد من الرؤوس المجنونة والشريرة.


«الخوارج ومعركة صفين»، رفضوا إمكانية أن الحقيقة الإلهية يمكن توضيحها بالمعرفة ومفردات البشر، إلا أنهم قبلوا فكرة تجليها فى تلاقى حد سيوفهم، أثبت البشر مرة أخرى أنهم يحبون الحقائق أكثر من المعارف، ويبدو أن شعارهم كان «زائفًا» ولكنْ مؤكد، فالحقائق دائمًا زائفة بطبيعة الحال، مثلما يبرهن على ذلك أن حاشيتهم لا تتألف من علماء، بل من حراس شخصيين.


انتقد فرلوسيو كل شىء بما فى ذلك أبرز رموز إسبانيا، بدءًا من الفلامنكو ومصارعة الثيران، وتوقَّف عند دون كيخوتى باعتباره إنجازًا عبقريًّا: «يكمن إنجاز ثربانتس العبقرى تحديدًا فى ذلك: فى إبداع شخصية نمطية، ولكن تشخيصها يتمحور بالتحديد حول الإيمان بالذات فى الرغبة فى الوجود، فى التظاهر بأنها شخصية قدرية، يمكن لملحمتها أن تحكى فى يوم من الأيام».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات