.

عندما ضحك أبان بن عثمان بن عفان على ذكر مصرع أبيه

Foto

لماذا مثَّل مقتل الخليفة الثالث صدمة قاسية على النفس العربية؟ كيف صارت الفتنة الكبرى الحدث المحورى فى التاريخ العربى؟ هل كان أبان بن عثمان من أهزل الناس وأعبثهم بأطماع السلطة والمال أم هكذا تصوره الخيال العربى الجريح؟


فتنة مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، رضى الله عنه، تمثل مأساة كبرى من مآسى تاريخنا الإسلامى، إن لم تكن هى المأساة الكبرى وحدها؛ لأنها تمثل أم المآسى أو رأسها، وكانت هى «الفتنة الكبرى» التى تولد عنها سائر ما تلا ذلك من أحداث التاريخ العربى، وظلت أصداؤها فى التاريخ والعقائد، فى الصراعات والمذاهب، تتردد إلى يومنا هذا.


قُتل الخليفة الثالث، رضى الله عنه، فى عام 35هـ، وامتلأت سيرة مقتله بالحوادث الجلل والأهوال المحزنة.

حاصر الثوار الخليفة فى داره أربعين يوما على المشهور، ومنعوه الطعام والماء، وبعد أن وثبوا عليه وقتلوه ظل فى مكان قتله ثلاثة أيام لا يدفن، وغُسل وكُفن وشُيعت جنازته فى نفر قليل.

وكما يذكر تاريخ «ابن كثير» فإنه عارض جنازته بعض الخوارج وأرادوا رجمه فى نعشه وإلقاءه، وعزموا على أن يدفن بمقابر اليهود، لولا أن أرسل «على» ونهاهم.

ولم يُدفن بمقابر المسلمين بالبقيع، ولكن دُفن شرقى البقيع وراء جدارها تحت ثلاث نخلات، وقد هدم معاوية الجدار بينه وبين البقيع بعد ذلك، وأمر الناس بدفن موتاهم من حوله حتى اتصل قبره بالقبور.


كل هذه المأساوية المحزنة أحاطت بقصة مقتل الخليفة الثالث، ذى النورين، أحد العشرة المبشرين بالجنة، زوج ابنتى النبى «رقية» و«أم كلثوم».

وهذه المأساوية مقترنة بأطماع السلطة بين الفرَق الإسلامية المتناحرة، هى التى أضفت على الحدث محورية ناجزة عبر التاريخ الإسلامى كله، فعلى قدر موقفك من هذا الحدث الجلل، كانت تتحدد صبغتك السياسية، وربما مذهبك الدينى، ومَن هم خصومك، ومَن هم حلفاؤك.


إلا أن الدهشة تتسع إزاء ما يحمله لنا التاريخ العربى المدون من أنباء بعض ذرية عثمان، رضى الله عنه، أنباء تجعلنا نشعر بالرهبة إزاء قدرة الحياة على تحمل كل فواجع الموت والقتل بلا توقف، وتجعلنا نؤمن بأن القيمة الكبرى الفعلية فى حياتنا ليست هى السلطة التى يتطاحن الناس من حولها حدَّ الاستهانة بالأرواح وإراقة الدماء.

لا تتوقف الحياة كذلك أمام الموت نفسه، سواءً أتى على كيفية فاجعة أو أتى بكيفية أخرى، ولو أحاطها الناس بآيات البطولة والتمجيد، لكن القيمة العظمى الحقة فى الحياة هى الحياة نفسها، هى استمرارها وتدفقها، وما تحمله للناس من قدرة على الفرح والتواصل والمحبة، بل وعلى تقبل الأطماع والأحزان.


بطل عظة الحياة هذه هو «أبان بن عثمان»، الذى قيل إنه وُلد قبل سنة 20 للهجرة، وشارك فى خروج عائشة وطلحة والزبير للمطالبة بدم عثمان.

كان «أبان» معدودًا بين فقهاء المدينة، ثم عيّنه الخليفة «عبد الملك بن مروان» واليًا على المدينة عام 75هـ، وعهدت إليه إمارة الحج، وتولى قاضيًا، فعاقب مزيفى العملة وزاد فى صاع أهل المدينة.

تختلف الأقوال فى وفاته، فيقال إنه توفى فى عهد الوليد «86- 96هـ»، ويقال فى عهد يزيد الثانى «105هـ»، وقد شُلَّ قبل وفاته بعام.


ونظرًا لأن القصة التى ترد عن أبان، فى كتاب «الأغانى» طويلة، كما أنها شيقة ومليئة بالسخرية البليغة من فكرة السلطة وعرضها وأحوالها ومظاهرها؛ سوف أفسح ما بقى من المقال كله لها.

يقول الأصفهانى، فى رواية مسندة: «كان أبان بن عثمان من أهزل الناس وأعبثهم، وبلغ من عبَثه أنه كان يجىء بالليل إلى منزل رجل فى أعلى المدينة، له لقب يغضب منه، فيقول له: أنا فلان بن فلان، ثم يهتف بلقبه، فيشتمه أقبح شتم، وأبان يضحك. فبينما نحن ذات يوم عنده، وعنده أشعب، إذ أقبل أعرابى، ومعه جمل له، والأعرابى أشقر أزرق أزعر غضوب، يتلظى كأنه أفعى، ويبين الشر فى وجهه، ما يدنو منه أحد إلا شتمه ونهره. فقال أشعب لأبان: هذا، والله من البادية، أدعوه. فدعى وقيل له: إن الأمير أبان بن عثمان يدعوك.

فأتاه فسلم عليه.

فسأله أبان عن نسبه، فانتسب له.

فقال: حياك الله يا خالى، حبيب ازداد حبا. فجلس، فقال له: إنى فى طلب جمل مثل جملك هذا منذ زمان، فلم أجده كما أشتهى بهذه الصفة، وهذه القامة، واللون، والصدر، والورك، والأخفاف، فالحمد لله الذى جعل ظفرى به من عند من أحبه، أتبيعه؟ فقال: نعم، أيها الأمير. فقال: فإنى قد بذلت لك به مئة دينار. وكان الجمل يساوى عشرة دنانير، فطمع الأعرابى، وسرّ، وانتفخ، وبان السرور والطمع فى وجهه.

فأقبل أبان على أشعب، ثم قال له: ويلك، يا أشعب! إن خالى هذا من أهلك وأقاربك -يعنى الطمع- فأوسع له مما عندك.

فقال له: نعم، بأبى أنت، وزيادة. فقال له أبان: يا خالى، إنما زدتك فى الثمن على بصيرة، وإنما الجمل يساوى ستين دينارًا، ولكن بذلت لك مئة لقلة النقد عندنا، وإنى أعطيك به عروضًا تساوى مئة.

فزاد طمع الأعرابى، وقال: قد قبلت ذلك، أيها الأمير.

فأسرَّ إلى أشعب، فأخرج شيئًا مغطى، فقال له: أخرج ما جئت به. فأخرج جرد عمامة خز خلق، تساوى أربعة دراهم، فقال له: قومها يا أشعب.

فقال له: عمامة الأمير تُعرف به، ويشهد فيها الأعياد والجمع، ويلقى فيها الخلفاء، خمسون دينارًا.

فقال: ضعها بين يديه. وقال لكاتبه: أثبت قيمتها.

فكتب ذلك، ووضعت العمامة بين يدى الأعرابى، فكاد يدخل بعضه فى بعض غيظًا، ولم يقدر على الكلام.

ثم قال: هاتِ قلنسوتى. فأخرج قلنسوة طويلة خلقة، قد علاها الوسخ والدهن، وتخرقت، تساوى نصف درهم. فقال: قوّم. فقال: قلنسوة الأمير تعلو هامته، ويصلى فيها الصلوات الخمس، ويجلس للحكم، ثلاثون دينارا.

قال: أثبت.

فأثبت ذلك، ووضعت القلنسوة بين يدى الأعرابى، فتربد وجهه، وجحظت عيناه، وهَمَّ بالوثوب، ثم تماسك وهو متقلقل. ثم قال لأشعب: هاتِ ما عندك. فأخرج خفين قد نقبا وتقشرا وتفتقا. فقال له: قوّم.

فقال: خفا الأمير يطأ بهما الروضة، ويعلو بهما منبر النبى، صلى الله عليه وسلم، أربعون دينارًا.

فقال: ضعهما بين يديه.

فوضعهما، ثم قال للأعرابى: اضمم إليك متاعك.

وقال لبعض الأعوان: اذهب فخذ الجمل.

وقال لآخر: امضِ مع الأعرابى، فاقبض منه ما بقى لنا عليه من ثمن المتاع، وهو عشرون دينارًا.

فوثب الأعرابى، فأخذ القماش، فضرب به وجوه القوم، لا يألو فى شدة الرمى به. ثم قال له: أتدرى -أصلحك الله- من أى شىء أموت؟ قال: لا. قال: لم أدرك أباك عثمان، فأشترك والله فى دمه، إذ ولد مثلك. ثم نهض مثل المجنون، حتى أخذ برأس بعيره. وضحك أبان حتى سقط..».


فهل أعطت فاجعة مقتل عثمان لابنه الفقيه الحاكم «أبان» كل هذه القدرة على السخرية المريرة من السلطة والمال وأطماعهما؟ أم أن القصة صاغها الخيال العربى المحب للحياة والمصدوم فى مأساة مقتل عثمان؟

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات