.

فرسان الإصلاح.. الحلاج عاصر تسعة خلفاء قُتل خمسة منهم

Foto

لماذا اتفقت التيارات الإسلامية المختلفة حول «سلطان الزاهدين» بينما اختلفت فى «ذو النون المصرى»؟ لماذا كُفر الحلاج وتحول من صوفى ثائر إلى زنديق مصلوب؟ كيف كانت رئاسة قاضٍ مالكى لمحاكمة الحلاج سبب إعدامه بكل الحدود؟


فى كتابه «فرسان العشق الإلهى» الصادر مؤخرًا عن الدار المصرية اللبنانية، يطرح الباحث «عمار على حسن» ٤٢ نموذجا صوفيا تحت الضوء، كرحالة فى طريق العشق الإلهى الذى لا ينتهى عطاؤه ولا تنضب مواجيده، إنه العشق الذى ذاقه كبار العابدين والزاهدين، يستعرض عمار رحلات المتصوفة الكبار من المنشأ والمسار إلى المآل، رحلات صانعها ودافعها العشق الإلهى الذى لن ينضب ما دام للبشر قلوب تنبض.


ويستهل عمار رحلته مع «إبراهيم بن أدهم».

هو إبراهيم بن منصور بن يزيد بن جابر البلخى، مسقط رأسه الكوة فى خرسان، لقب سلطان الزاهدين المتفق عليه من الجميع أطلق واستحق لقبه من شدة ورعه ونبل مقصده وحسن سيرته لدى الفرق والتيارات الإسلامية كافة، بدأ رحلته فى التصوف ذات يوم سمع فيه نداء تكرر عدة مرات، أيقن أنه من السماء ثم بدأ رحلته بطلب العلم فذهب إلى مكة وصحب سفيان الثورى، وتعلم منه ثم عاد إلى الشام وشارك فى الجهاد ورابط على الثغور.


لم يكن إبراهيم متواكلا يميل للعبادة على حساب العمل، بل كان يأكل من عمل يده فقد عمل أجيرا لدى أصحاب المزارع يحصد لهم الزرع ويقطف الثمار ويطحن الغلال ويحمل الأحمال على كتفيه، وكان سخيا لا يحتفظ بشىء من أجره بل ينفقه على أصحابه وذوى الحاجة مكتفيا بأبسط الطعام الذى كان غالبا من الماء والخبز، عرف عنه شدة التواضع وكان يقول «إياكم والكبر والإعجاب بالأعمال، انظروا إلى من فوقكم من ذلل نفسه رفعه مولاه ومن خضع له أعزه ومن اتقاه وقاه ومن أطاعه أنجاه».

وكان يوقن دوما أن باب التوبة مفتوح لكنه مشروط بالخروج من المظالم، وكانت له أقوال مشهورة منها «قلة الحرص والطمع تورث الصدق والورع وكثرة الحرص والطمع تكثر الهم والجزع»، وقوله «كل سلطان لا يكون عادلا فهو واللص سواء وكل عالم لا يكون تقيا فهو والذئب سواء وكل من ذل لغير الله فهو والكلب سواء».


توفى ابن أدهم سنة ١٦٢ هجرية وهو مرابط فى إحدى جزر البحر المتوسط، ولما شعر بدنو أجله قال لأصحابه: أوتروا لى قوسى فأوتروه فقبض القوس وهو قابض عليه يريد الرمى به، وقيل مات فى حملة بحرية على البيزنطيين ودفن فى مدينة جبلة على الساحل السورى وأصبح قبره مزارا، ذاعت شهرته فى أرجاء العالم الإسلامى خصوصا فى الهند وملاوى وإندونيسيا وغيرها.


ـ ذو النون المصرى رائد التصوف الذى اختلف عليه الناس
هو أبو الفيض ذو النون ثوبان بن إبراهيم المصرى، ولد فى أواخر أيام المنصور عام ١٨٥هـ، وقيل إنه من موالى قريش وكان أبوه نوبيا، ثم نزل أخميم فى صعيد مصر، تقلبت أحواله حتى اختلف عليه الناس وتناثرت أخباره حتى تفرق بشأنه المؤرخون، يصفه المناوى فى كتابه الكواكب الدرية بأنه العارف الناطق بالحقائق الفائق للطرائق ذو العبارات الوثيقة والإشارات الدقيقة والصفات الكاملة والنفس العاملة والهمم الجلية والطريقة المرضية والمحاسن الجزيلة المتبعة والأفعال والأقوال التى لا تخشى منها تبعة، زهت به مصر وديارها وأشرق بنوره ليلها ونهارها.


وقال الدارقطنى عنه: روى عن مالك أحاديث فيها نظر وكان واعظا، ويصفه ابن يونس بأنه كان عالما فصيحا حكيما، أما يوسف ابن أحمد البغدادى فيقول: كان أهل ناحيته يسمونه الزنديق، وقال السلمى فى محن الصوفية: ذو النون أول من تكلم ببلدته فى ترتيب الأحوال ومقامات الأولياء فأنكر عليه عبد الله بن عبد الحكم وهجره علماء مصر وشاع أنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف وهجروه حتى رموه بالزندقة، وكان لذى النون مهارة فى علم الكيمياء، يقال إنه تعلمها من الكيميائى العربى جابر بن حيان وبرع فى علوم التنجيم وفك الطلاسم، وكان من المنشغلين بحل رموز ورق البردى فى أخميم التى كانت حافلة بالرسوم القبطية، وقد تمكن بالفعل من حل كثير من رموزها ونقوشها فصارت معلومة للناس بعد جهل وواضحة بعد غموض.


وعلى النقيض من هذا يقول الدكتور أحمد منصور: ذو النون المصرى شخصية مجهولة غامضة والمكتوب عنها فى المصادر التاريخية لا يتعدى صفحتين على الأكثر وكانت أغلب سيرته أقوالا وليست وقائع وأحداثا، وثمة من يحيل ذا النون إلى الطائفة الإسماعيلية الشيعية التى تأثر بها وطالع مذهبها فظهرت مقولاتها وأفكارها فى بعض ما كان يقوله ويعتقد فيه، وهو إما أخذ عنهم مباشرة حيث كانوا يسعون أيامها إلى نشر مذهبهم فى دول شمال إفريقيا، وإما اطلع على أفكارهم فى ما قرأه عنهم لدى إخوان الصفا وخلان الوفا، وكذلك فى كتابات أبى حيان التوحيدى، وقد ظهر هذا التفسير فى عبارة منسوبة إلى ذى النون قال فيها لأصحابه «من أراد طريق الآخرة فليكثر مساءلة الحكماء ومشاورتهم وليكن أول شىء يسأل عنه العقل لأن جميع الأشياء لا تدرك إلا بالعقل، ومتى أردت الخدمة لله فاعقل لم تخدم ثم اخدم».


وإعلاء العقل ذى المعرفة البرهانية على الحدس والمعرفة اللدنية ليس من مألوف المتصوفة، ما يعنى أن هذه فكرة وافدة على ذى النون لم يحصل عليها من إلهامه ولم يأخذها عن صوفى آخر.

وكان ذو النون يرى أن الاستغفار يجمع معانى عدة هى: الندم على ما مضى، العزم على الترك، رد المظالم فى الأموال والأعراض والمصالحة عليها. ومن يطالع أقوال ذى النون فى المعارف اللدنية والمحبة الإلهية والفناء يدرك أن الرجل ترك علامة قوية فى تاريخ التصوف برمته حين طلع على الناس بكلم جديد لا عهد لهم به فى المقامات والأحوال والكشف والظاهر والباطن فكانت له الريادة والسبق فى هذا عن متصوفة مصر جميعا، وينسب إلى ذى النون أنه كان أول من عرف التوحيد بمعناه الصوفى وأول من وضع تعريفات للوجد والسماع وأول من استخدم الرمز فى التعبير عن حاله وعبر عنه فى شعر من نظمه: اطلبوا لأنفسكم مثلما وجدت أنا / قد وجدت لى سكنا ليس فى هواه عنا / إن بعدت قربنى أو قربت منه دنا.


ـ الحلاج الصوفى الثائر
هو الحسين بن منصور بن محمى، وقد نشأ الحلاج فى واسط ثم دخل بغداد وتردد إلى مكة واعتكف بالحرم فترة طويلة وأظهر للناس تجلدا وصبرا شديدين على مكاره النفس، مستفيدا من الفلسفات الهندية التى تدعو إلى مقاومة الجوع والتعرض للبرد والحر، عاصر الحلاج تسعا من الخلفاء قُتل خمس منهم ومات ثلاث آخرون ميتة مشبوهة، وكان شاهدا على تحلل الخلافة بفعل الظلم المتفشى والاستبداد المستشرى الذى قاد إلى احتجاجات وثورات على رأسها ثورتا الزنج والقرامطة وفورة ابن المعتز، وأدى فى ذات الوقت إلى تفكك أوصال الخلافة حتى لم يبق منها تحت بنى العباس سوى العراق، وزاد الطين بلة استعانة المعتصم بالأتراك الذين زادت سطوتهم وعلت منزلتهم على العرب وأذاقوا الرعية ظلما وتنكيلا.


والحلاج من أكثر أهل المتصوفة إثارة للجدل؛ فكثيرون من علماء السنة اتفقوا على تكفيره ووصفوه بالزنديق، ومن بينهم من اكتفى بتفسيقه، لكن ثمة من جاروا الحلاج وسعوا إلى تأويل أقاويله بما لا يجعله منحرفا إلى حد كامل عن الشرع وكان ابن عطاء الحنبلى فى مقدمة الفقهاء الذين دافعوا عن الحلاج، إذ قيل إنه عرض عليه بعض أقوال الحلاج فقال: إنها اعتقاد صحيح وأنا أعتقده ومن لا يعتقد مثل هذا فهو بلا اعتقاد، وقد كلفه رأيه هذا حياته حين ضرب وحمل إلى منزله وهو يحتضر فمات بعد ذلك بسبعة أيام فقط وقبل أيام من مقتل الحلاج، أما العباس ابن سريج الشافعى فقال حين سئل عن الحلاج: أراه حافظا للقرآن عالما به ماهرا فى الفقه عالما بالحديث والأخبار والسنن، صائما الدهر قائما الليل.


ويذهب ابن خلكان إلى الجزم بأن الحلاج كان متصلا بالقرامطة والعلويين المناهضين للدولة العباسية، وثمة من رأى أنه كان من شيعة آل البيت وأنه قتل لهذا السبب، أما المدافعون عنه فقد سعوا إلى خلق الأعذار له وثمة من يحاول أن يضع كل ما سبق فى ميزان حكم دقيق فيؤكد أن الحلاج لم يكن سوى «ثائر سياسى وقطب صوفى» دعا الأمراء إلى الإصلاح فناصبوه العداء وأطلقوا الشائعات حوله، ولهذا كان التصوف لدى الحلاج جهادا فى سبيل إحقاق الحق وليس مسلكا فرديا بين العبد وربه فحسب.


عُقدت محاكمة للحلاج كان رئيس قضاتها من المالكية التى لا تقبل بتوبة الزنديق، وصدر عليه حكم بالإعدام يتضمن الشكل الذى نفذ به، حيث استعمل فيه السوط الذى يكون فى الحدود كلها وفى التعزيز، والسيف الذى لا يقع إلا بين كتفى زنديق، والصليب الذى يكون فى العادة لقطاع الطرق والمحاربين، والنار التى نُهى عنها، ثم نُصب الرأس والأعضاء الذى لا يكون إلا للخارج، مع تنفيذ ذلك كله علنا أمام الناس.
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات