.

علاء الديب.. استراحة المسافر الأبدى

Foto

كيف أثر علاء الديب على أجيال أدبية مختلفة؟ لماذا انزوى الديب فى منزله بعيدًا عن الأضواء؟


«فى قاعات المطالعة بمكتبة الجامعة، تعلمت أغلب ما أعلم، تلك المناضد الخشبية القديمة، بُنية اللون، يسقط عليها الضوء من نوافذ زجاجية طويلة، أرى منها ساعة الجامعة، وقطعًا من السماء الصافية، كانت بيتًا لى وملاذًا.

كان الدخول إلى المبنى الضخم حيث الضوء خاص فريد، والصمت لا أزال أسمعه فى أذنى، كان الدخول إلى هناك يعنى أننى سوف أعيش ساعات جديرة بالبشر، قرأت تشيكوف ودستيوفسكى وتولستوى، غامرت مع كتب الفلسفة والكتب الماركسية، وحاولت مع شكسبير والمسرح اليونانى، قرأت بنهَم وبلا نظام، كنت أقرأ حتى تأتى الساعة الخامسة. بعدها أنتقل إلى بوفيه كلية الآداب، هناك كنت أجد جماعات متناثرة من محترفى الحديث والنقاش فى الفن والأدب والسياسة، هناك ترددت أمامى كلمات مثل: أزمة الإنسان المعاصر، والاغتراب، والتمرد.

لم أكن أتقن الحديث فقد كنت أنشغل أكثر بمراقبة حركات الأيدى، تعبيرات الوجوه، فكثيرًا من الكلمات كانت فى أغلب الأحيان أقنعة لحالات إنسانية».

من رواية «وقفة على المنحدر». ومع الاختلاف أن تلك المناضد الخشبية القديمة عرفت طريقى إليها فى مكتبة مدرسة التحرير الابتدائية المشتركة، فإن البدايات لدينا جميعًا مشتركة أو ذات ملامح متقاربة، كدأب أغلب العاملين فى الحقل الإعلامى، لم تتح لى فرصة دخول بلاط صاحبة الجلالة سوى من بابها الملكى، ألا وهو الكتب.

ورغم كونى «درعمية» فإن شغف المداد والأوراق كان قد تملكنى منذ الصغر، وبطبيعة الحال كان رفاقى الدائمون فرسان الكلمة فى كل مجالاتها من أول ماما «نعم الباز»، مرورًا بطه حسين ونجيب محفوظ اللذين أنهيت أعمالهما الكاملة خلال المرحلة الإعدادية، وليس انتهاءً بصنع الله إبراهيم ومحمد حسنين هيكل، اللذين غيرا وجهتى فى الحياة ومسارها منذ المرحلة الجامعية؛ لذا كان اختيارى لمجال الصحافة الثقافية تحصيل حاصل، فهى عالمى الحميمى المألوف لا أجد صعوبة تُذكر فى تناوله أو التعاطى معه. لم نكد نفِق بعد من فقدان أستاذ مهنتنا الصحفية خلال ساعات ماضية حتى فجعنا برحيل صاحب أرشق جملة نقدية عرفها عالم الثقافة المصرية وربما العربية أيضا، نموذج لإنسان استغنى بالفن عن كل ما عداه، انزوى فى بيته فمنحه استغناؤه صلابة لا تتوفر لكثيرين، تكاثرت عليه الآلام وأوجاع التنكر له فى مرضه فكان عفوفًا ثريًّا بترفعه عن استجداء حقه فى الرعاية والعلاج وهى حقوقه التى كان يستحقها دون منّة من أحد.

رحل العملاق علاء الديب بعد رحلة طويلة فى عالم الثقافة والإبداع، مخلفًا وراءه عمرًا من الكتابة الأدبية والنقدية فى زاوية «عصير الكتب»، والتى كانت أروع وأجمل ما عرفه النقد الفنى فى عالمنا المعاصر.

منذ عام ونصف العام وأنا ألهث وراء اقتناص وقت لمحاورته وكان كل مرة يعتذر، ليس تعاليا أو تهربا كعادة البعض وإنما كان يؤجل موعدًا بعد الآخر يضربه لى بسبب ظروف مرضه أو ميعاد لإجراء فحوصات أو مراجعة عند طبيب، وكل مرة يكاد صوته يذوب خجلا وهو يعتذر حتى أورثنى شعورا بتأنيب الضمير أننى أثقل عليه فى اعتذاراته، ولا أدرى كيف أصف لكم شعورى وهو يعيد مهاتفتى ذات مرة ليسأل عن رقم هاتف الشاعر الشاب «محمد رياض» ليشكره على ديوانه الأول «الخروج فى النهار» والذى كتب عنه فى عصير الكتب.

يا الله! لك أن تتصور عزيزى القارئ ذاك الجبل الشامخ بعدما كتب وتناول بالنقد أعمال أسماء ذائعة الصيت فى عالم الكتابة والأدب.. يوسف إدريس، إبراهيم أصلان، جمال الغيطانى، شادى عبد السلام الذى شاركه فى كتابة حوار فيلم «المومياء».. يقرأ ديوان شاعر فى مستهل حياته ويبحث عن طريقة للتواصل معه فقط ليقدم له الشكر على إبداعه، فى عالم صارت فيه الثقافة تبادُل منافع ومصالح، وفلان يكتب عن فلان ليكتب الفلان الآخر عنه بدوره، فى غابة من التشابكات والمجاملات وتبادل الأدوار شديدة الابتذال.

علاء الديب المُبدع الذى انزوى فى بيته بعيدا عن صخب الأضواء الفارغة، والتى لم تثر اهتمامه يوما فى حياته، يبحث عن الكاتب إذا استفزته موهبته ليعطيه دفعة للأمام بعدما يلقى عليه قبسا من نور كلماته، وقد يكون كاتب آخر صديقه الحميم لكن لا تعجبه كتابته فيتجاهله نقديا فى موضوعية ونزاهة افتقدها المجال الثقافى والصحفى على السواء، وبشر بكُتّاب شبان وجدوا لديه الرعاية والاهتمام.

علاء الديب الذى أرّق مضاجع أباطرة الانفتاح العشوائى الاستهلاكى وما ترتب عليه من آثار اجتماعية قبل السياسية، فى ثلاثيته الرائعة «أطفال بلا دموع، قمر على المستنقع، عيون البنفسج» تلك الروايات الثلاث الأبرز له على الأقل بالنسبة لى، والتى لا يملك متلقيها سوى أن يحملها بين تلافيف ذاكرته، يستدعيها من آن لآخر بشخوصها الذين خلقهم الديب من بنات أفكاره، لكنهم شقّوا طريقهم كشخوص حقيقية من لحم ودم فخلدوا فى تاريخ الأدب والفن للأبد.

علاء الديب واحد من لسان حال الناطقين بضمير الثقافة المصرية، لم يزايد يوما على موقف، لم يداهن استجداءً لمنصب أو مغنم، كان من جيل ثورة يوليو الذين عانوا بسقوط حلمها ومشروعها الكبير عقب وجيعة 1967، ومع ذلك ورغمه لم يغير مواقفه، وظل شامخًا رافضًا التطبيع ولم يهرول إليه كما هرول آخرون سرا أو جهرًا.

ظروفه الصحية أقعدته عن النزول لميدان التحرير ليشارك فى زخم ثورة 25 يناير، لكنه كان بقلبه ووجدانه ومؤازرته بكلماته الدافعة المباركة للثورة والثوار ظلّ يواجه ظلام الإرهاب الدينى، معترضا ورافضًا حكم جماعة الإخوان وما استتبعه هذا الحكم من أحلام الخلافة والعنف الأصولى.

عاش طوال عمره من جهده وقلمه لم يسأل أو يلح فى السؤال لحق كان أولى له أن يصل له دون المناشدات التى رفعها الجميع قبل أسابيع قليلة من رحلة مرضه الأخيرة، التى كانت خاتمتها من رحاب مسجد السيدة عائشة، وخرج منها كما دخلها بلا جاه أو سلطان، بفارق قد يحسبه الكثيرون بسيطا أو قليلا لكنه عظيم المعنى، فقد خلف الديب عالمًا من الجمال والإبداع، وترك علامات كثيرة ومضيئة فى قلب وعقل كل متلقٍّ لعمل من أعماله، وعمدان نور فى طريق كل مبدع يستهدى بها على أولى خطواته.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات