.

حينما اقتدى «داعش» بأفكار خليفة المسلمين الأول

Foto

لماذا لم يتنازل الخلفاء طوال العصور طوعًا عن الحكم؟ كيف اعتبر المسلمون أن بيعة الخلفاء مثل بيعة النبى من السماء ليس للبشر فيها رأى؟


اعتبر المسلمون طوال تاريخهم أن الخلافة من ضرورات الدين، لأنهم ظلوا تحت ظلالها طوال تاريخهم، حتى سقطت الخلافة العثمانية عام 1924، فلم يكن من الغريب -إذن- أن ينادى أغلب روّاد الوطنية المصرية بالاستقلال تحت ظل الخليفة العثمانى؛ مثل «مصطفى كامل» و«محمد فريد»، ولكن فكرة الخلافة لم تمُت، على الأقل فى فكر جماعات الإسلام السياسى؛ مثل «حزب التحرير» وجماعة «الإخوان المسلمين»، فضلًا عن فكر جماعات السلفية الوهابية وأولادها مثل «داعش» و«القاعدة» و«بوكوحرام».

 

وعند البحث عن السبب الحقيقى لجعل الخلافة من أصول الدين، لابد من العودة إلى الخلافة فى عهدها الباكر، فقد صار منصب الخليفة منصبًا مقدسًا منذ وفاة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وحتى اليوم، ويسعى المسلمون طوال التاريخ لجلب المناقب لأى خليفة حتى يمسى مقدسًا؛ فعلى سبيل المثال، قالوا عن «هارون الرشيد» وهو ليس من الخلفاء الراشدين، إنه كان يحج عامًا ويغزو عامًا، ولكن بالبحث تبين أنه ظل خليفة لمدة ثلاث وعشرين سنة من 170هـ إلى 193هـ، والمفروض أنه غزا اثنتى عشرة غزوة، ولكنه بالفعل لم يغزُ سوى غزوتين، الأولى ضد الروم، والثانية قبيل موته عندما طارد «رافع بن الليث» الخارج على خلافته فى خراسان، ومات هارون الرشيد ودُفن فى مدينة «طوس»، ونجده عندما قال للسحابة قَولته المشهورة: «أمطرى حيث شئتِ، فسيأتيننى خراجك» كان صادقًا، فالخراج أخذه ولكن لم تستفد منه الرعية شيئًا، ولكن ظلت القداسة تحميه كما حمت غيره من الخلفاء المستبدين، حتى سقطت الخلافة سياسيا، ثم بقيت فكرة تداعب خيال الجماعات السياسية، وفى سبيلها تراق الدماء، وامتدت القداسة للأمراء والسلاطين والملوك والرؤساء، صحيح أنها نصف قداسة، ولكنها -على الأقل- منعت النقد، وسجنت المعارضين طوال تاريخ المسلمين، لا الإسلام بطبيعة الحال، لأن الإسلام أكثر حيوية ويقظة من المسلمين.

 

كل هذا مقدمة ضرورية خجولة للحديث الشائك عن قدسية منصب الخلافة، فقد نشأت القداسة حول الصحابة أولًا، أو عصمتهم ضمنيًّا، وهو ما قال فيه وعنه الدكتور طه حسين، فى كتابه «عثمان»، بأن المسلمين اعتبروا الصحابة كلهم معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولكن كثيرًا من المحققين لم يأخذوا بهذه العدالة المطلقة لجميع الصحابة، وإنما قالوا إنها أغلبية لا عامة، وإنهم يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من الغلط والنسيان والسهو، بل والهوى، ويؤيدون رأيهم بأن الصحابة إنْ هم إلا بشر، يقع منهم ما يقع من غيرهم، ويعززون حكمهم بمَن كان منهم فى عهده، صلى الله عليه وسلم، من المنافقين والكاذبين، وبأن كثيرًا منهم قد ارتدّ عن دينه بعد أن انتقل النبى إلى الرفيق الأعلى، بلَه ما وقع منهم من الحروب والفتن التى أهلكت الحرث والنسل، ولا تزال -ولن تزول- آثارها إلى اليوم وما بعد اليوم. ولا نرى فى أصحاب النبى ما لم يكونوا يرون فى أنفسهم، فهم كانوا يرون أنهم من البشر، فيتعرضون لما يتعرض إليه غيرهم من الخطايا والآثام، وهم تقاذفوا التهم الخطيرة، وكان منهم فريق تراموا بالكفر والفسوق، ومن خلال عصمة أو عدالة الصحابة جاءت فكرة قداسة منصب الخليفة، خصوصًا للصحابيين الجليلين أبى بكر وعمر، رضى الله عنهما، فقد اعتبر المسلمون أن بيعة الخلفاء تمامًا مثل بيعة النبى، عليه السلام، من السماء، ليس للبشر فيها رأى، كما اعتبروا اجتهاد الخليفتين أبى بكر وعمر من ضمن السُّنة النبوية، حتى لو خالف القرآن أو سُنة النبى فعلا، وهو ما رفضه عبد الله بن عباس عندما قال مستنكرًا، كما جاء فى مسند الإمام أحمد بن حنبل وغيره: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم قال الله وقال الرسول، تقولون قال أبو بكر وقال عمر»، ولكن قول ابن عباس راح أدراج الرياح، رغم أن بعض اجتهادات أبى بكر وعمر كانت تلائم عصرهما، ولكنهما فى النهاية ليسا من أصحاب الرسالة السماوية المحمدية، فيؤخذ منهما ويُرد عليهما، ونضرب مثلًا بأن داعش عندما أحرقوا الطيّار الأردنى «معاذ الكساسبة»، قالوا إنهم أخذوا فتوى الحرق من أبى بكر الصديق عندما أحرق «الفجاءة السُّلمى» كما جاء فى كل كتب التاريخ والسير، ولكن أبا بكر ندم على حرقه الفجاءة، الذى أسلم ثم ارتد وسفك الدماء، ولكن فتوى الحرق ما زالت سارية المفعول فى عقول السلفيين بصورة عامة، والمفاجأة أن كتب التاريخ سكتت، أو كتمت عن بعض أخطاء أبى بكر وعمر، وهى أخطاء لا تقلل من قدرهما، لأنهما بشر غير معصومين، ومنها ما حدث فى استشارة النبى للصحابة قبيل معركة بدر الكبرى، فقد روى ابن هشام والطبرى وقالا: «وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم، وطلب النبى المشورة، فقام أبو بكر فقال وأحسن، ثم قام عمر، فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امضِ لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى (اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون)، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون. فدعا له النبى، وقال سعد بن معاذ: امضِ يا رسول الله لما أردت فنحن معك فوَالذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل. فسُرَّ رسول الله لقول سعد ونشطه ذلك».

 

فإذا كان قول أبى بكر وعمر حسنًا فلماذا لم يذكره المؤرخون؟ بل كتموه بصورة مريبة، فبالرجوع إلى صحيح مسلم نجد فى روايته أن «رسول الله شاور أصحابه حين بلغه إقبال أبى سفيان، قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه…»، ولقد أعرض النبى لسببٍ ذكره الواقدى فى كتابه «التاريخ والمغازى»، قال: «قال عمر: يا رسول الله، إنها والله قريش وعزها، والله ما ذلت منذ عزت، والله ما آمنت منذ كفرت، والله لا تسلم عزها أبدًا، ولتقاتلنك، فاتهب لذلك أهبته وأعد لذلك عدته…»، وهو ما جعل النبى يعرض عن كلامهما، لأنها حرب مفروضة لا يمكن الانسحاب منها، وكان يجب أن يقولا كلام تشجيع وتفاؤل واستعداد للقتال، ولكن لأنهم رأوا أن قول أبى بكر وعمر يقلل من مقدارهما فقد تم حذف قولهما من رواية ابن هشام والطبرى ومسلم، أى تم إخفاء الحقيقة على أهون تقدير، والحقيقة أن الشيخين كانا من رجال السياسة، ولم يكونا من رجال الحرب، فلم يؤثَر عنهما أنهما بارزا أو قاتلا أو أن لهما دورًا حربيًّا فى معارك النبى، ولكنهما رجلَا سياسة، وتجلت السياسة فى أثناء خلافتهما الراشدة، وظهر هذا الدور فى مثل حروب ما قيل عنها الردة، وطرد نصارى نجران من الجزيرة العربية، وهى رؤيات سياسية للشيخين، فيها حساب الضرورة السياسية قبل الصيرورة الدينية. ثم تحولت البيعة للخلفاء إلى ما يشبه التقديس، أو عصمة دينية فى ثوب سياسى، وحتى عندما اندلعت أول ثورة شعبية ضد عثمان، أضفى المؤرخون قداسة على رفض الخليفة التنازل عن قميص الحكم، وهكذا دام الأمر الذى جعل الخلفاء طوال العصور لا يتنازلون طوعًا عن الحكم، أو حتى يأخذون بالشورى الملزمة، فقط عيّنوا رجالا قالوا عنهم «أهل الحل والعقد»، وهم فى النهاية لا يحلّون ولا يعقدون شيئا أبدًا، ولكنهم دائمًا كانوا مَرايا يرى فيها السلطان نفسه ولا يرى غيرها، ثم نقول «تجديد خطاب دينى»، نقولها بكل الحياء السياسى والدينى أيضًا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات