.

مستشار أوباما للأمن القومى يكشف «المؤامرة الأمريكية»

Foto


 

ترجمة: أميرة جبر عن «نيويورك تايمز»

 

فى أثناء الاستعداد لمناظرته الثانية مع ميت رومنى، عام ٢٠١٢، كان علىَّ أن أُطلع الرئيس باراك أوباما على نظريات المؤامرة حول هجمات بنغازى ليكون مستعدًّا لهم؛ فعلى سبيل المثال أنه أصدر أمرًا بالانسحاب لمنع المساعدات العسكرية أو أننا شاهدنا الهجمات فى البيت الأبيض عبر طائرة دون طيار. لم يصدقنى فى أول الأمر، فعلى عكس الشاغل الحالى للمكتب البيضاوى قلَّما شاهد قنوات أخبار شبكات التليفزيون الكبلى، فقلت: «إننى جاد، إنه فى كل مكان على (فوكس)»، هز أوباما رأسه وقال: «هذه بعض الأشياء المجنونة».

 

فى تلك المناظرة أشار أوباما إلى أنه وقف فى حديقة الزهور يوم ١٢ سبتمبر، اليوم التالى للهجوم، وأدانه كـ«عمل إرهابى»، وانقض رومنى مصرًّا، مرارًا وتكرارًا، على أن الرئيس لم يفعل ذلك، فرد أوباما، الذى تدرب على إجابته عن هذا الاتهام: «أحضروا نص البيان»، وقامت مديرة المناظرة «كاندى كرولى» بذلك بالضبط، وقدمت تدقيقًا فوريًّا نادرًا للحقائق. تابعت المشهد من الكواليس، وكان رد فعل رومنى، الرجل الذكى الجاد، هو الذهول، كان متأكدًا أن أوباما لم يصفه بالعمل الإرهابى رغم أن الرئيس قام بذلك عبر التليفزيون الوطنى من حديقة الزهور. ارتجفت قليلًا، كنت قد اعتدت على استخدام الجمهوريين نظريات المؤامرة لإثارة قاعدتهم. ومع مشاهدة صدمة رومنى الحقيقية واجهت حقيقة أكثر إثارةً للقلق، ماذا لو كانوا يصدقون تلك النظريات فعلًا؟


وربما حصل أوباما على أفضل ما فى هذا التبادل، لكن بعد فشلهم فى ٢٠١٢، ظل الجمهوريون ينفخون فى سلسلة من نظريات المؤامرة الملتوية عن بنغازى لمدة ٤ سنوات، وهو المسار الذى أدى إلى الـ«سيرفر» الخاص ببريد هيلارى كلينتون الإلكترونى، وبطريقة مشوهة؛ ما ساعد فى الدفع بدونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
 

نشرت مجلة «نيويوركر»، الأسبوع الماضى، ما يبدو أنه مذكرة لمجلس الأمن القومى من عام ٢٠١٧، تصفنى بقائد «شبكة» من مسؤولى أوباما، يعملون بالتنسيق معًا من أجل «تقويض سياسة الرئيس ترامب الخارجية»، وبالتأكيد جميع مسؤولى أوباما السابقين -وأنا من بينهم- قد انتقدوا سياسة الرئيس ترامب الخارجية، ويودون رؤية الديمقراطيين يفوزون بالانتخابات. غير أن المذكرة غريبة جدًّا، فهى مكتوبة بلغة يستخدمها مجلس أمن قومى طبيعى لوصف «القاعدة» أو «داعش»، إذ تشير إلى «غرفة الحرب» و«صحفيين متحالفين» و«رئيس عمليات»، فكما يبدو، لم يشكل بضعة رجال بمدونات صوتية ومنشورات أكاديمية وحسابات على «تويتر» مثل هذه الإمبراطورية القوية الشريرة من قبل قط.
 

ولكن الواضح من قراءة الوثيقة أن أيًّا كان مَن كتب نظرية المؤامرة هذه إنما يؤمن بها وقد اختار أن يؤمن بها. ولماذا تهم عقلية نظرية المؤامرة؟ وماذا تقول لنا عن حالة سياستنا اليوم؟
أولًا، المذكرة لمحة لعالم ينظر للمعارضة كخطر، فلابد أن يكون مجموعة من المساعدين لرئيس من حزب آخر جزءًا من عصبة تتلاعب بالإعلام وتعمل ضد مصالح أمريكا. ويأتى ذلك جنبًا إلى جنب مع مؤامرة «الدولة العميقة» التى أدت إلى استهانة الرئيس ترامب بمجتمع الاستخبارات وإنفاذ القانون، وتصفية وزارة الخارجية من الخبرات، والحث على التحقيقات فى الأعداء السياسيين، وتجريد المسؤولين السابقين من التصاريح الأمنية.

 

إذا كنت تؤمن -أو اخترت أن تؤمن- بأن المعارضة خطر، فمن المنطقى أن يركز مجلسك للأمن القومى على الأعداء السياسيين الداخليين بدلًا من المخاطر الحقيقية مثل التنظيمات الإرهابية.
 

ثانيًا، فى سياسة تغذيها نظريات المؤامرة، يصبح من المستحيل التفرقة بين المؤامرة الحقيقية والكاذبة. وشهدت هذه الدينامية فى التحقيق فى التدخل الروسى فى انتخاباتنا عام ٢٠١٦، عندما اتهمنى الجمهوريون علنًا بـ«كشف» هويات مسؤولى ترامب فى وثائق استخباراتية. لم أفعل هذا قط، لكن لم يكن ذلك مهمًّا.
 

فبخلقهم نظريات مؤامرة عن تحقيق روسيا ومساواتها بجريمة التآمر الحقيقية مع روسيا لتقويض الديمقراطية الأمريكية، يريد ترامب ومساعدوه خلق ما يكفى من تساوٍ كاذب بين مؤيديهم ليتجنبوا المساءلة.
 

ثالثًا، لا يمكن لديمقراطية فى سياسة تشعلها نظريات المؤامرة أن تعمل بشكل صحيح. إذا كانت حكومة الولايات المتحدة ذاتها تعتبر دولة عميقة مُعادية للرئيس، كيف يقودها بفاعلية؟ إذا كان الإعلام أو أصحاب الآراء المختلفة «أعداء للدولة»، يصبح التفاهم المبنية عليه الديمقراطية مستحيلًا.
 

وفى الوقت الذى نعدو فيه نحو نهاية تحقيق المحقق الخاص «روبرت مولر»، يمكننا الإحساس بالصدام القادم بين الواقعين المتنافسين، بين حقائق محددة فى إجراءات قانونية معدة بعناية، واتهامات مضادة يروّجها الرئيس ومؤيدوه الذين لن يتقبلوا نتائج مولر أبدًا إلا كنظرية مؤامرة لإسقاط ترامب.
 

والمفارقة هى أن الكثير من هذه الاتهامات ضد منتقدى ترامب متجذرة فى إسقاط نفسى، فنحن متهمون بخلق نظام معلوماتى ضخم لتخليد السرديات الكاذبة، والحقيقة هى أن ترامب ومؤيديه قد نجحوا فى القيام بذلك بالضبط.
 

تأملوا هذه الحقيقة، فى الفترة المؤدية إلى انتخابات ٢٠١٦، لم يوافق ٤١٪ من الجمهوريين المسجلين على عبارة أن باراك أوباما وُلد فى الولايات المتحدة، مصدقين بذلك على نظرية المؤامرة التى أطلقت صعود دونالد ترامب. وهذا ما تزرعه سنوات من مناقشات الراديو ومنشورات التواصل الاجتماعى وغضب «فوكس نيوز».
 

وسواء يؤمن ترامب وحلفاؤه فعلًا بتلك النظريات، أو مجرد اختاروا أن يؤمنوا بها من باب النفعية السياسية، فقد امتطوا ظهر نمرٍ.. والآن قد انتهى الأمر بنا جميعًا داخله.

 

...

بن رودز
عمل فى إدارة أوباما نائبًا لمستشار الأمن القومى للاتصالات الاستراتيجية، وكان مستشارًا لخطة العمل الشاملة المشتركة (اتفاق إيران النووى).

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات