.

6 ملاحظات حول كتاب «هل هذه حقًّا بديهيات دينية؟» للدكتور خالد منتصر

Foto

ما الفرق بين البديهيات والمُسلَّمات؟ هناك مناطق فى تراثنا الفكرى لابد من اقتحام أدغالها المتشابكة بجرأة.. فهل نقدر؟!


 

1) ما الفرق بين البديهيات والمُسلَّمات؟

ثمّة خلطٌ، عن جهل وقلة بحث، بين البديهية والمسلّمة، خصوصًا فى حقل الإسلاميات، على الرغم من البون الشاسع بين المصطلحيْن؛ ذلك أن البديهية تعنى الحقيقة الواضحة التى لا تحتاج إلى برهان أو إثبات، فهى –عند الفلاسفة–  قضية أولية صادقة بذاتها يجزم بها العقل، والعلم البديهى هو الذى لا يتوقف حصوله على نظر أو كسب، أما المسلَّمة فهى إطالة البحث فى فكرة معينة، والنظر فى صحتها من عدمه، ومحاولة التدليل عليها إن اطمأن الباحثُ إلى صحتها، فإن توصّل إلى صحتها فإنها تصبح عندئذٍ من المسلـّمات، أى من الحقائق الثابتة التى يُسلّم بها الباحث ثم يسلّم بها غيره اعتمادًا على أدلته وبراهينه، وهذا كله بالطبع لا يتم إلا بعد النظر والاستدلال، ما يعنى أن الخلط بين البديهية والمسلمة إنما هو خلط غير صحيح، لأن ثمة فرقًا بين الحقيقة الواضحة ابتداءً والحقيقة التى يُستدلّ على وضوحها، وبناءً على ذلك، فإن طائفة لا يستهان بها من الإسلامويين، يحاولون بكل ما أوتوا من قوة، إسباغ لفظة «البديهية» على أى آية قرآنية وتفسيرها، أو حديث نبوى، أو حكم فقهى نال خاتم «الإجماع»، غير مدركين أن ما يدّعون أنه من البديهيات إنما هو ليس كذلك، لأن النصوص الدينية والأحكام الفقهية ليست فى حد ذاتها حقيقة واضحة، وإلا لما كان ثمة تأويل واجتهاد ونظر وتفسير للآى القرآنية والأحاديث، بل لما كان ثمة تعطيل لبعض الآيات ذات الأحكام، كما هو معروف فى المدوّنات الفقهية التراثية، ما يعنى أن للعقل مجالًا فى فهم وتأويل ما يسمونه «بديهيات»، خصوصًا أن التسليم بوجود بديهيات يلغى العقل، بل يلغى الشك الموصل إلى اليقين، وهو الشك الذى مارسه الأنبياء الموحَى إليهم، أنفسهم، كما هى الحال عند نبى الله إبراهيم، الذى قال «رب أرنى كيف تحيى الموتى»، ومع ذلك أدخله الله فى تجربة خاضها بنفسه، ليعلم بعد إثباتها أن الله، فعلًا، يحيى الموتى، ليكون الأمر –عندئذ– من المسلمات لا من البديهيات، لكننا، ولتعذُّر خوض تجربة كتلك، أُمِرنا بالإيمان بأولئك الأنبياء، لكننا أُمرنا فى الوقت نفسه بإعمال العقل، وعدم التسليم إلا بعد إمعان نظر وتثبُّت وبرهان.

 

2)  فى كتابه «هل هذه حقًّا بديهيات دينية؟» يحاول الدكتور خالد منتصر هزيمة البديهيات وطرحها أرضًا وتنظيف العقول من أدرانها التى ما إن تعلق بها، فإنها تجعل من تلك العقول أشبه شىء بالشقة المفروشة، على حد تعبير الدكتور منتصر، الذى يبين فى مقدمة كتابه غرضه من تأليفه، فيقول: «سؤال هل هذه حقًّا بديهيات دينية؟ صار فرض عين على كل مسلم ومسلمة، لا تؤجر عقلك مفروشًا، ولا تسلمه تسليم مفتاح لكل داعية أو تاجر دين.. سماسرة الشقق المفروشة يقبضون ما يسمى خلو رِجل، أما سماسرة الدين فيقبضون خلوّ عقل!» أى أن الرجل يروم من كتابه تفكيك وهم البديهيات، وبيان زيف وجودها، لأن الله منحنا عقولًا وظيفتها الرئيسية هى التفكير وعدم التسليم إلا بعد برهان وإثبات، وأما محاولة أولئك الإسلامويين المحافظين منح الآيات والأحاديث والأحكام الشرعية (صك) البديهيات، فإنما هى محاولة فاشلة مكشوفة، ذلك أن الأحاديث كلها ظنية الثبوت، لأنها ليست إلا أحاديث آحاد، وأما الآى القرآنية فإنما تنقسم -كما هو عند علماء الأصول- إلى آيات قطعية الدلالة وآيات ظنية الدلالة؛ ومن حكمة الله تعالى أنه جعل الآيات قطعية الدلالة قليلة جدًّا بالنسبة لظنية الدلالة، ففى القرآن أكثر من ستة آلاف آية (6236 آية) ليس فيها من آيات الأحكام القطعية المقرِّرة للمبادئ والقواعد العامة سوى نحو مئتين، وهذا دليل على أن الله يعطى لعقولنا فرصة، بل فرصًا كثيرة للتفكير ولتعايُش مع الواقع المعيش المتغير، حسب مقتضياته ومتطلباته، وكما يقول الدكتور عبد المنعم النمر فى كتابه (الاجتهاد): «حكمة الله اقتضت أن تكون النصوص متناهية إزاء أحداث غير متناهية، هى التى اقتضت أن تكون بعض الآيات مقررة لمبادئ وقواعد عامة، يُبنَى عليها الكثير من التفصيلات، وتتفرع عنها بما يصل إليه عقل الباحث، وتقتضيه المصلحة، بل إن ذلك من مقتَضَى رحمته بخلقه».

 

3)  الكتاب القيّم يُعرَف من مصادره ومراجعه، وكتاب الدكتور خالد منتصر «هل هذه حقًّا بديهيات دينية؟» كتاب قيّمٌ فعلا، فالمصادر والمراجع التى اعتمد عليها الدكتور منتصر، تجعلُ منه كتابًا مثيرًا للانتباه، قبل أن يكون مثيرًا لطائفة كبيرة من التساؤلات، التى تُحدِث ما يُشبه العصف الفكرى، الذى يلجأ إليه المعلّم التربوى «الشاطر»، لإثارة أذهان الطلاب.
 

4) كتاب الدكتور منتصر -على صغر حجمه- إذ يشتمل على 118 صفحة من القَطْع الصغير تتوزّع على ستة عشر مقالًا -اعتمد على أكثر من مصدر وأكثر من مرجع، وكلها مصادر ومراجع معروفة فى المكتبة الإسلامية، يعتمد عليها «النّصّيون/ المقلّدون» كما يعتمد عليها «الليبراليون/ المجدّدون»، وهذا أحد مواطن ذكاء الدكتور منتصر، فالرجل آثَر أن يردّ على تُجار الدين وسماسرة النصوص الدينية من جنس الكتب التى يطلقون عليها «التراث الإسلامى»، لإثبات تلاعبهم بمفردات النصوص، واستخدامهم إيّاها استخدامًا نفعيًّا، براجماتيّا، كلما اقتضت الظروف وتغيّرت!
 

5) من حسنات كتاب الدكتور منتصر «هل هذه حقًّا بديهيات دينية» أنه عالج أكثر من قضية اجتماعية يشتد حولها الجدل، وتكثر الفتاوى المؤدلجة الذكورية، فها هو ذا يعقد فى كتابه مقالا عن (نقص عقل المرأة ودينها) وفيه يعرض بحيادية تامة محاولات بعض من يُطلق عليهم العوام (المفكرون الوسطيون) كالقرضاوى والدكتور سليم العوا والدكتور محمد عمارة، منتقدًا تأويلاتهم وتمحّلاتهم فى تفسير الحديث، مستنتجًا فى النهاية أن هذا الحديث مشكوك فيه، ملتبس غير تشريعى، لأنه يعارض النصوص المحكمة التشريعية المسايرة لقواعد الشريعة ومنهجها الحكيم، وهو بذلك يستشهد بكلام الداعية المغربى عبد البارى الزمزمى.
 

6)  تناول الدكتور منتصر فى كتابه  قضايا دينية اجتماعية أخرى مثل: شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، لماذا النساء أكثر أهل النار؟! الرجال قوامون على النساء، تعدد الزوجات، ضرب الزوجات، الاغتصاب الحلال، أو ممارسة الجنس مع الزوجة غصبًا عنها، وهى كلها قضايا تتكرر حولها الفتاوى، وتلتبس خلال مناقشاتها الأمور، وتكثر الأحكام، كما أنها قضايا لم يعالجها قانون الأحوال الشخصية المصرى الحالى معالجة متكاملة تضمن تقليل المشكلات الاجتماعية الخطيرة المتعلقة بها، وهو ما يمنح كتاب الدكتور منتصر قيمة كبيرة، وأهمية عظيمة، لا سيما أنه ربط كل كلمة بالدليل، وعالج كل موقف بالحجة والبرهان وقواعد السوسيولوجيا والسيكولوجيا، كما هى الحال جلية فى مناقشة قضية العلاقة الجنسية بين الرجل وزوجه وضرورة وجود رغبة عاطفية لدى المرأة واستعداد نفسى لإقامة تلك العلاقة والاستمتاع بها لأن «الجنس حوار؛ ولا ينفع أن يكون أحد الطرفين ثرثارا والطرف الآخر أخرسَ!»، على حد التعبير العصرى الرائع الذى صكّه الدكتور منتصر، الذى صدق حين أعلن، أيضًا، أن هذا الكتاب محاولة ومجرد تدريب على أن هناك مناطق فى تراثنا الفكرى لابد من اقتحام أدغالها المتشابكة بجرأة.. فهل نقدر؟!
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات