.

كيف جعل أكرم حسنى فيلم البدلة «نمبر وان»؟

Foto

كيف استفاد الفيلم من عدم إضافة بعد أخلاقى على تصرفات الشخصيات؟ كيف حافظ المخرج على الإيقاع السريع للفيلم؟


فى موسم سينمائى مشتعل للغاية اعتلى فيلم «البدلة» قمة الإيرادات حتى الآن، متفوقًا بذلك على أعمال أخرى كان متوقعًا لها هذه المكانة، أولها بالطبع «الديزل» لمحمد رمضان، وهذا التفوق كان لأسباب كثيرة، أولها بالطبع السيناريو ثم الإخراج، لكن كل ذلك كان سيتغير تمامًا لو كان الممثل الذى يجاور بطل الفيلم «تامر حسنى» أى شخص آخر سوى «أكرم حسنى».

 

مسيرة أكرم حسنى السينمائية القصيرة بدأت عام 2016 بفيلم «كلب بلدى»، ويتلوه بفيلم «بنك الحظ» فى 2017، ليقدم أدوارًا ثانية تتميز بخفة الظل بجوار كوميديانات متمرسين، ولكن فى «البدلة» أخذ فرصته الكبرى فى استعراض إمكانياته الكوميدية بجوار ممثل ومغنٍّ ليس متخصصًا فى هذا الجانب. تميز أداء أكرم بسلاسة شديدة، سواء فى إلقاء الإفيهات الخاصة به، أو «فرشها» لزميله ليجعله بالفعل يتألق لأول مرة سينمائيًّا، ويظهر تامر حسنى بشكل مختلف عن أفلامه السابقة.
 

«البدلة» سيناريو وحوار أيمن بهجت قمر، والعمل على الرغم من كونه مقتبسًا من فيلم أجنبى فإنه تميز بالتمصير الممتاز وإضفاء خفة الظل بصورة ذكية على جوانب القصة، بدايةً من العلاقة الأخوية بين الخال وابن الأخت، وحتى تفاصيل مشاهد الحركة التى لم ينعدم فيها صوت الضحكات فى قاعة العرض.
 

تدور الأحداث حول خال وابن أخته مولودين فى نفس اليوم، وترافقا فى مسيرة طويلة من الفشل منذ الطفولة وحتى الشباب، ليتم دعوتهما إلى حفل تجمع لأصدقاء المدرسة القدامى، ويظنان أنها حفلة تنكرية فيقرران التنكر فى زى ضابطَى شرطة، ما يصبغ عليهما الاحترام والمهابة التى لم يشعرا بها من قبل، فيُعجبان بالدور، ما يؤدى إلى عواقب كوميدية وخيمة بالتأكيد.
 

تميز السيناريو بالسلاسة والبساطة الملائمتين لنوع الفيلم، فلم نجد محاولات لإضفاء بُعد أخلاقى على أفعال الشخصيات، فهما فقط شابان فاشلان تافهان يحاولان الحصول على وقت مرح، وعندما يتورطان يرغبان فى الخروج من هذه الورطة بأسهل طريقة، وحتى النبرة البطولية التى حاول تامر حسنى إضافتها على مشاهده الأخيرة كانت خافتة للغاية ويمكن تجاهلها تقريبًا.
 

رسم الشخصيات جاء بسيطًا مثل القصة، فهنا نحن أمام فيلم كوميدى لطيف، ليس مطلوبًا منه تأسيس عميق لشخصيات هى ليست عميقة بالأساس، فقط نتعرف على ماضى الشخصيتين الرئيسيتين، والعلاقة بينهما وبين الأم/ الأخت، لتنمو الشخصيتان مع الأحداث بصورة منطقية، فلم نشاهد تحولات كبيرة أو انقلابات عملاقة، ربما عيب السيناريو الأكبر هو إهمال الشخصيات النسائية أو وضعها فى شكل ديكور جميل مبهج للمشاهدين دون اهتمام بدورها فى الأحداث.
 

فعلى الرغم من أن ريم «أمينة خليل» هى السبب الأساسى وراء ارتداء كل من البطلين البدلة وحفاظهما عليها، فإن شخصيتها لم تقدم أكثر من ذلك للأحداث، لتظهر بعد ذلك فى عدد من المشاهد وجودها فيها مثل عدمه، وهذا بالضبط ما حدث لشخصية الأم/ الأخت التى قدمتها الفنانة «دلال عبد العزيز» فعملها كخياطة لملابس التليفزيون هو الذى أوجد البدلة منذ البداية فى متناول الشابين، ليصبح دورها بعد ذلك هامشيًّا.
 

هذا لم يصِب الفيلم بخلل كبير فى الحقيقة، ولكنه أغلق الكثير من المساحات التى كان من الممكن استغلالها بصورة أفضل، خصوصًا مع موهبة كوميدية كبيرة مثل دلال عبد العزيز، والتى لو شاركت فى الأحداث بفاعلية أكثر لأضافت الكثير من النكهة الكوميدية إلى الفيلم، أما عن أمينة خليل فالدور بالفعل ظلم لها، ويعمل على إبقائها فى ذات الدائرة المحدودة للفتاة الجميلة الرقيقة.
 

وظهر فى دور الشرير «ماجد المصرى» كقاتل محترف دولى، يوقعه الحظ فى طريق وليد وحمادة، لتتشابك طرقهم بصورة كوميدية، فى أداء جيد لدور لم يعطِه الكثير ليقدمه بالتأكيد، ولكن يصعب تخيل ممثل آخر مكانه.
 

أما عن محمد العدل فى الإخراج فقد جاء موفقًا للغاية، سواء فى الحفاظ على الإيقاع السريع للفيلم دون تطويل أو ملل، أو ظهور المشاهد كلها على نفس المستوى من الجودة، سواء الكوميدية أو الحركة، خصوصًا النصف الثانى من الفيلم، وهو ما يُحسب له، إذ أمتع المتفرج بصورة مبهجة بالمشاهد الداخلية والخارجية، خصوصًا فى الريف، ثم جذب انتباههم بواحد من أفضل مشاهد الحركة المقدمة هذا العام فى السينما المصرية.
 

واحدة من أهم النقاط التى أسهمت فى نجاح فيلم «البدلة» هى الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التى أسهمت فى تكوين الصورة العامة للفيلم، وإضفاء طابع بصرى مميز عليه، بدايةً من غرفة نوم وليد المكونة من المكعبات، فى إشارة واضحة إلى الطفولة التى لم يخرج منها بعدُ البطلان، وديكور المنزل المبهج والبسيط فى نفس الوقت دون بذخ، والملائم لحالة العائلة المادية ومهنة الأم، أو ملابس الشخصية النسائية الرئيسية التى جاءت مناسبة لعملها.
 

عوامل كثيرة أسهمت فى نجاح فيلم البدلة، وجعلته يحقق كل هذه الإيرادات، على رأسها السيناريو الممتاز لأيمن بهجت قمر، الذى استطاع الخروج من دائرة الأفلام الكوميدية التى اتخذت شكل الاسكتشات المجمعة لمشاهد مضحكة وإفيهات متتالية بهدف استنزاف الضحكة من المشاهد، والاعتناء الكبير بكل التفاصيل لنجد أنفسنا أمام فيلم مُسلٍّ ومضحك لا يستخف بمشاهديه ولا يهدف صُناعه إلى تقديم فيلم لحصد بعض الإيرادات فى موسم منتعش فقط.
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات