.

اللغة التى تحدث بها آدم فى الجنة

Foto

هل اللغة العربية هى لغة أهل الجنة؟ هل كانت الصحفة والقِدر والفسوة والفسية من بين الأسماء التى تعلمها آدم فى الجنة؟ كيف حوربت التفسيرات العلمية وشبه العلمية لنشأة اللغة منذ المعتزلة وحتى اليوم؟


يقول تعالى: «وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين»- البقرة: 31.

 

بقيت التفاسير غير العلمية للآية ولنشأة اللغة هى المهيمنة على العقل الإسلامى لقرون طويلة، وكان يمكن عزو انتشار هذه التفسيرات التى يجوز وصفها بالخرافية للحدود المعرفية التى انحصر بداخلها العقل البشرى كله حتى ما قبل القرن الماضى، العشرون، أو ما قبله التاسع عشر. لكن ومع ما حققه العلم الحديث من تقدم أدى إلى انتشار أدوات ومناهج التفكير والبحث العلمى، أصبح من الصحيح عزو استمرار انتشار التفسيرات غير العلمية لنشأة اللغة على نطاق واسع إلى مرض العقل العربى، أى إلى استمرار تخلفه للأسف الشديد.
 

جوهر التفسيرات غير العلمية للآية الكريمة التى تدور حول تعليم آدم الأسماء «أى اللغة» يقوم على فكرة «التوقيف». وهى تبدأ من الاعتقاد بأن اللغة هبة من الله للإنسان ولا دور للإنسان فى تعلم اللغة سوى تلقيها إما بشكل مباشر أو عن طريق وحى أو ملاك مرسل من الله. وكأن أصحاب هذه النظرية يعتقدون أن أى طريقة أخرى يمكن أن تكون أدت بالإنسان إلى تعلم اللغة تعنى أن اللغة ليست من الله! مع أن الله فى اعتقادهم كذلك هو خالق الإنسان والكون بكل ما فيه، مما يعنى أن أى طريقة يمكن أن يثبت العلم أو تقول نظرياته بأن الإنسان تعلم اللغة من خلالها لا تبتعد عن كونها هى أيضا هبة من الله بالضرورة.
 

على كل حال لا يرجع الاعتقاد بتوقيفية اللغة إلى الأديان حصرا أو ابتداءً، لكنه اعتقاد سبق الأديان بقرون وقالت به فلسفات وأديان وثنية متعددة، فيعزى للفيلسوف اليونانى «هيرقليطس» «540-480 ق.م» القول بأن: «الأسماء تدل على مسمياتها بالطبيعة لا بالتواطؤ والاصطلاح وهى أعطيت من لدن قوة إلهية لتكون أسماء مسمياتها». وقد جاء فى سفر التكوين التوراتى: «وجبل الرب الإله من الأرض كل حيوانات البرية وكل طيور السماء فأحضرها إلى آدم ليرى ماذا يدعوها وكل ما دعا به آدم ذات نفس حية فهو اسمها، فدعا آدم بأسماء جميع البهائم وطيور السماء وجميع حيوانات البرية وأما لنفسه فلم يجد معينا نظيره»- الإصحاح الثانى: 19 و20.
 

تأمل الآيات التوراتية المفصلة حول تعلم آدم الأسماء لابد أن يقودنا إلى أحد المصادر الهامة التى اعتمد عليها مفسرو القرآن الأوائل فى تفسير قوله تعالى: «وعلم آدم الأسماء كلها»، إذ يقول ابن عباس كما ينقل عنه ابن كثير فى تفسير الآية: «هى هذه الأسماء التى يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وسماء، وأرض، وسهل، وبحر، وجمل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها»! وفى رواية تالية يقول: «علّمه اسم الصحفة والقِدر وحتى الفسوة والفسيّة»! ورغم التناقض الطريف الذى يبرزه قول ابن عباس اللا معقول، فإنه ليس أكثر غرابة ولا طرافة مما ينقله السيوطى فى «الدر المنثور» من قوله: «إن آدم كان لغته فى الجنة العربية فلما عصى سلبه الله العربية فتكلم بالسريانية فلما تاب رد عليه العربية»، وكأن ناقل الخبر أو راويه عاش تلك الأحداث بنفسه ورآها رأى العين طالما لا سند له يستند إليه فى روايتها لا من شواهد العلم ولا من كلام الله ووحيه!
 

ورغم أنه وُجدت فى تراث أهل السُّنة محاولات قوية لزحزحة التأويلات الخرافية المرتبطة بتعلم الإنسان للغة، ومن أقواها قول الإمام أبى حامد الغزالى: «لعل الله ألهم آدم الحاجة إلى وضع الأسماء فوضعها بتدبيره وفكره، ونسب ذلك إلى تعليم الله تعالى لأنه الهادى والملهم. أو لعل الله علم آدم لغة، كان قد اصطلح عليها الجن، أو فريق من الملائكة. ولعل آدم تعلم اللغة ثم نسيها أو لم يعلمها غيره ثم اصطلح بعده أولاده على هذه اللغات المعهودة». وهى محاولات كما يُستدل من قول الغزالى نتجت عن ملاحظة تضارب الاعتقاد بتوقيفية اللغة وتعلم الإنسان لها بطريق الوحى مع الكثير من حقائق واقع اللغة أو اللغات السائدة والمتطورة والمنقرضة، فاللغة -كل لغة- تحوى الكثير من شواهد بشريتها التى لا يصح نسبتها لذات الخالق، كواقع تعدد الأسماء لنفس المسمى، واستخدام اسم واحد أحيانا لمسميات متعددة، ولو كانت الأسماء من عند الله من دون وساطة بشرية لما صار مسوغ لوجود معان مختلفة للاسم الواحد، ولا مسوغ لوجود أسماء متعددة لمسمى واحد، ولانتفت من باب أولى كل حاجة إلى تعدد اللغات. ولو صح أن الإنسان الأول تعلّم الأسماء كلها بطريق الوحى المباشر لاقتضى ذلك معرفته بأسماء الأشياء التى وجدت فى الماضى والتى ستوجد فى المستقبل، أى ما كان منها وما سيكون، ولما أصبح معنى لبحثنا اليوم كما كان بحث الناس فى كل العصور الماضية عن أسماء جديدة لمسميات استجدت، لم يعرف لها إنسان من قبل أهل هذا الزمن اسما!
 

ولعل تضارب التفاسير غير العلمية لنشأة اللغة التى دارت حولها مخيلة المفسرين القدماء يكون كافيا وحده لإلقاء الضوء على طبيعتها الخيالية، ففى حين يرجح معظم هؤلاء بأن اللغة العربية هى لغة أهل الجنة «انظر تفسير ابن عباس السابق»، فإن بعضهم يعزو نشأة العربية إلى «يعرب بن قحطان» باعتباره -أو قبيلته- هم أول من تحدثوا العربية، وهناك من يعزو ذلك إلى «عمليق بن لاوذ» وقبيلته، بينما تعزو طائفة أخرى نشأة العربية إلى نبى الله إسماعيل الذى نشأ بين ظهرانى قبيلة جرهم. وهى نظريات ينفيها الواقع التاريخى الماثل فى نقوش وكتابات قديمة وجدت فى أماكن متفرقة من شبه الجزيرة العربية تؤكد أن القبائل التى عاشت فى هذه المناطق كانت تتحدث لغات متابينة مختلفة عن العربية كما نعرفها من الشعر الجاهلى وفى القرآن الكريم، وهما أقدم أثرين من آثار العربية.
 

ولأبعد من ذلك فإن التفسيرات غير العلمية لنشأة اللغة تصل من إغراقها فى الخيال حد تقديم نشآت «جمع نشأة» مختلفة للغة العربية، وكأننا بصدد لغات عدة مختلفة تسمى كلها بنفس الاسم! فالطبرى فى تاريخه يذكر أن أحفاد نوح كانوا على الإسلام بعد الطوفان، وقد سكنوا بابل وكانت لغتهم آنئذ السريانية «!!» حتى ملكهم «نمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح» وأغراهم بعبادة الأوثان ففعلوا، فاستيقظوا ذات يوم وقد بلبل الله ألسنتهم فجعل بعضهم لا يعرف كلام بعض، ويضيف الطبرى: «فصار لبنى سام ثمانية عشر لسانا، ولبنى حام ثمانية عشر لسانا، ولبنى يافث ستة وثلاثون لسانا، ففهّم الله العربية عادا وعبيل وثمود وجديس وعمليق وطسم وأميم وبنى يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح».

 

وفى خبر يورده ابن سعد فى «الطبقات الكبرى» ينفى أن يكون إسماعيل أول من تكلّم بالعربية، وفيه: «أخبرنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه قال: لم يتكلم إسماعيل بالعربية ولم يستحل خلاف أبيه. وأول من تكلم بالعربية من ولده بنو رعلة بنت يشجب بن يعرب بن لوزان بن جرهم بن عامر بن سبأ بن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح». وكأن آدم لم يكن فى رأى كل هؤلاء هو أول من تحدّث بالعربية فى الجنة، فمن أين أتت إذن بقية اللغات؟!
 

بعد ذاك التضارب الذى لم يكن هناك مفر منه فى التفسيرات غير العلمية لنشأة اللغة، حرص أصحاب هذه التفسيرات على تكفير واستبعاد واضطهاد كل محاولة لتفسير يعتمد على شواهد الواقع وبراهين العلم والمنطق، وهو ما جرى تجاه أصحاب نظرية «الاصطلاح» فى تراثنا الإسلامى، أولئك الذين رأوا أن اللغة ليست إلا نتيجة اصطلاح واتفاق مجموعة بشرية ما على التعبير عن دلالات معينة لحالات وأشياء وأفعال باستخدام أصوات معينة. وهى نظرية رجّحت منذ وقت مبكر بشرية نشأة وتطور اللغة وتبناها فى تراثنا فلاسفة ومتكلمون ومفكرون يأتى فى مقدمتهم المعتزلة، لكنها -شأن نظرية التوقيف- كانت سابقة على العربية والإسلام، ويمكن تلمس آثارها منذ بواكير الفكر والدين والفلسفة الإنسانية. ويبقى أن نؤكد أن اللغة العربية -رغم كل تراث التفسيرات غير العلمية وتأثيره وانتشاره- استقرت فى التصنيفات العلمية الحديثة كلغة ضمن حزمة اللغات السامية الوسطى، وهى تتفرع من مجموعة اللغات الإفريقية الآسيوية، وتعد العربية من أحدث هذه اللغات تاريخا. كما نؤكد أن النظرة العلمية الحديثة استقرت على أن ظهور اللغة البشرية أتى بعد اكتمال نضج الحنجرة والقشرة الدماغية والعمليات العصبية التى صاحبت قدرة الإنسان الأول على النطق، وأن ميلادها ونشأتها وتطورها أتى تدريجيا وعبر مئات الآلاف من السنين التى لم تندرج ضمن تاريخ الإنسان المكتوب.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات