.

كيف صلَّى المسلمون قبل أن يرى الصحابى الأذان فى الحلم؟

Foto

أليست قصة الأذان تدل على أن العبادة ليست توقيفية؟ هل عدم ذكر الله للأذان مع الصلاة ليترك للمسلمين مساحة كبيرة لتنظيم العبادات؟


إن تاريخ الصلاة أقدم من تاريخ الأذان، فأول ذكر للصلاة نجده فى السور التى نزلت فى المرحلة السرية بمكة، وما تعارف عليه المسلمون الآن من ارتباط وشيج بين الأذان والصلاة لم يكن كذلك فى بداية الإسلام، وإذا كانت الصلاة التى كان يؤديها المسلمون قديمًا هى ذاتها الصلاة التى يؤدونها الآن، فلا شك أنها كانت دون أذان.

 

ثم أليس الوضع السرى وضرورة التخفى كانا يمنعان الصلاة جماعةً؟! أليس من الطبيعى أن يلتزم المسلمون بصلاة فردية هى أقرب إلى الدعاء والخشوع والخلوة مع الله من الصلاة الحركية التى نعرفها اليوم؟ وإذا أراد بعض من المسلمين الصلاة خفيةً كانوا يذهبون إلى أى من شعاب مكة بعيدًا عن أعين المشركين، فلم يكن لهم فى الأذان حاجة.
 

لكن الأمر اختلف كثيرًا بعد هجرة الرسول الكريم إلى المدينة واستقراره بها وبنائه المسجد النبوى المبارك، واختلط الرسول بأهل المدينة وفيها يهود لهم عقيدة ودين واضح، ولهم عبادة مستقلة، ولهم يوم محدد يجتمعون فيه.
 

فلا شك أن كل هذا دفع المجتمع المسلم الوليد إلى البحث عن صورة مغايرة لعبادتهم ولاجتماعهم وللنداء للصلاة، حتى يتمايزوا عن اليهود فى عبادتهم وعن المشركين فى عاداتهم، لكننا لا نعلم على وجه الدقة كم استغرق الرسول كى يتشاور مع صحابته فى أمر الصلاة وكيفية تنظيمها وتحديد موعدها، لكن مما لا شك فيه أن الرسول لم يتناقش مع صحابته قبل مضى عام على الأقل من استقراره بالمدينة، إذ يشير كثير من كتب السنة إلى قول ابن خزيمة: «باب ذكر الدليل على أن بدء الأذان إنما كان بعد هجرة النبى إلى المدينة، وأن صلاته بمكة إنما كانت من غير نداءٍ لها، ولا إقامة».

 

وقال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله حين قدم المدينة إنما يجتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة. فكان ذلك همًّا عند النبى، كيف يجتمع الناس للصلاة؟ وفى الحديث العمدة فى موضوع الأذان عن أبى عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار، قال: «اهتم النبى صلى الله عليه وسلم بالصلاة، كيف يجمع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها آذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه ذلك. قال: فذكر له القنع، يعنى الشبور (ما ينفخ فيه لإحداث الصوت)، وقال زياد: شبور اليهود، فلم يعجبه ذلك، وقال: هو من أمر اليهود. قال: فذكر له الناقوس، فقال: هو من أمر النصارى، فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربه وهو مهتم لِهَمِّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقد استقر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يضرب بالناقوس وهو له كاره لموافقته النصارى، فيقول عبد الله بن زيد فى ما يرويه الترمزى: طاف بى من الليل طائف وأنا نائم رجل عليه ثوبان أخضران وفى يده ناقوس يحمله، قال فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال وما تصنع به؟ قال قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على خيرٍ من ذلك، فقلت: بلى، قال تقول: الله أكبر… (إلى نهاية الأذان).. قال: فلما أصبحت أتيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقُم مع بلال فألْقِ عليه ما رأيت فإنه أندى صوتًا منك، قال فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، وهو فى بيته، فخرج يجرّ رداءه يقول: والذى بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذى أُرِى. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلله الحمد». رواه أحمد «15881» والترمذى «174» وأبو داود «421» و«430» وابن ماجه «698».


وإن كانت ترى الشيعة الإمامية أن مصدر تشريع الأذان هو الوحى الإلهى، وأن نبى الإسلام تلقّى كل فصول الأذان من جبرئيل، وتلقّاها جبرئيل من عند الله سبحانه، وأنهم يعتبرون الاعتقاد بأن مصدر الأذان هو رؤيا أو اقتراح من بعض الصحابة، منافية للإيمان بالنبوة، لكن من الواضح جدًّا أن الأذان كان اقتراحًا من مسلم (عادى جدًّا) وليس من كبار الصحابة، لكنه انشغل بأمر من أمور المسلمين، فقدم لهم الأذان كأهم منتج بشرى اختلط بالعبادة، فالأذان لم يكن وحيًا ولا أمرًا من الله ولا اجتهادًا من الرسول، صلى الله عليه وسلم.
 

نتعلم من قصة الأذان وما تلاها من تنظيم للصلاة ذاتها، ومن صيغة الإقامة، أنها من الأمور التى تركها لنا الله لننظمها حسب احتياجاتنا وحسب أحوال المسلمين، ولا داعى للاقتتال على خلافات فى مساحة هى متروكة من الله لنا، لكن البلوة كل البلوة من الذين استحدثوا مقولة إن كل العبادات توقيفية، أى هى وقف على فعل الرسول، بزعم أن الرسول تلقاها حرفيًّا من الله عز وجل، هؤلاء هم مَن جعلوا الدين متكلسًا بعد أن كان مرنًا يناسب الجميع، هؤلاء هم مَن جعلوا التعبُّد لله بصيغة واحدة بعد أن سمح الله لنا بالتعبُّد إليه بأية صيغة تعبدية ممكنة، ألا يدلنا موقف الرسول من قصة الأذان على أنه علينا أن لا نضخِّم من شأن الموروث عن الرسول بأنه كله عبادة، وعلينا أن نؤمن أن محمدًا، صلى الله عليه وسلم، نبى ورسول وأن نبوته ورسالته لا تُجرح ولا يُشكك فيها لمجرد أن مسلمًا عاديًّا اقترح عليه اقتراحات تخص الصلاة، بل يدعونا إلى أن نكون مثل عبد الله بن زيد وأن نفكر وأن ننشغل فى ما يصلح شأن الناس حتى لو كان أمر الصلاة والصوم والحج والزكاة والمواريث، فليكن دافعنا دائمًا مصلحة المجتمع..

 

صحيح الله أتم علينا ديننا، لكن لا يجب أن نؤمن أن تطبيق الدين موقوف على جيل الصحابة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات