.

اختيار امرأة مسيحية لأول مرة فى منصب محافظ.. تغيير أم تمثيل مشرّف؟

Foto

لماذا يبدو تعيين امرأة مصرية مسيحية مسؤولة تنفيذية عن إحدى المحافظات غير كافٍ لإقرار مبدأ المواطنة؟ لماذا جاءت خطوة تعيين الدكتورة منال ميخائيل محافظة لدمياط خطوة جريئة وذكية؟


لأول مرة فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر يقع اختيار القيادة السياسية على امرأة مصرية مسيحية، هى الدكتورة منال عوض ميخائيل (51 سنة)، تتولى منصب «محافِظ»، وهو أمر ربما كان مفاجئًا لكثيرين، ولا سيما أن الدكتورة منال جاء اختيارها لتتولى مسؤولية محافظة دمياط، وهى تلك المحافظة التى لا توجد بها كثافة مسيحية كبيرة، وينتشر فيها التيار السلفى انتشارًا كبيرًا، ليأتى اختيارها ضربة فى الصميم لأقطاب ومرجعيات وعناصر ذلك التيار، الذى يرفض من الناحيتين العقَدية والفقهية أن يتولى المسيحيون أى ولاية عامة، كما يرفض كذلك تولّى النساء تلك الولاية، ليفاجئهم الرئيس عبد الفتاح السيسى بنموذج مُركّب يتمثّل فى شخصية الدكتورة منال ميخائيل، التى تجمع بين كونها امرأة وكونها، فى الوقت نفسه، مسيحية، فضلًا عن تعيين 5 نائبات محافظين، وهو ما يشير إلى إمكانية تعيينهن كلهن أو بعضهن فى المستقبل القريب فى مناصب قيادية أعلى، وبالطبع لا مندوحة عن الإشارة إلى أن الرئيس السيسى هو أول رئيس مصرى يشارك فى قداس عيد الميلاد بشكل سنوى منذ توليه الرئاسة فى عام 2014!

 

شهدت حركة المحافظين الجديدة، التى تم إعلانها الخميس الماضى، تعيين 17 محافظًا من ذوى الخلفية العسكرية والشرطية، واثنين من القضاء وثمانية مدنيين، وكانت الدكتورة منال ميخائيل من بين المدنيين الثمانية الذين دُفع بهم ليكونوا على رأس محافظات: الدقهلية والشرقية ودمياط والإسكندرية وسوهاج والغربية والقليوبية، وهذه هى المرة الثانية التى تُعيَّن فيها امرأة فى منصب محافظ، إذ سبق أن تولّت السيدة نادية عبده مسؤولية محافظة البحيرة فى فبراير 2017، لكنها رحلت فى الحركة الجديدة بعد أن نالت لقب (محافظ) كأول امرأة فى تاريخ مصر، ولكن بتعيين الدكتورة منال محافظًا لدمياط، وهى امرأة مسيحية، نكون قد شهدنا تغييرًا فى خريطة تعيين المواطنين المصريين المسيحيين كمسؤولين عن مواقع قيادية وسيادية كبيرة، فى ظل هجمة سلفية إسلامَوية، لا تقتنع ألبتة بوقوع عموم المواطنين المصريين المسلمين تحت ولاية مسيحيين أو نساء، ولعلنا نتذكر ما حدث فى محافظة قنا عام 2011، عندما رفض الإسلاميون من عناصر التيار السلفى المتشدد تعيين محافظ مسيحى لقنا، وإعلانهم استمرار حالة العصيان حتى يتم تعيين محافظ مسلم؛ لأن غير المسلم لا ولاية له على المسلم، كما يعتقدون!
 

على المستويَين الشخصى والمهنى فإن الدكتورة منال ميخائيل ليست بعيدة، كما هو حال كثير من المحافظين فى الحركة الجديدة، عن «دولاب» عمل المحليات ومشكلاتها وبيروقراطياتها المعقدة، فقد تولت، عام 2015، منصب نائب محافظ الجيزة، ومن خلاله أصبحت مسؤولة عن ملف تطوير المناطق العشوائية بمحافظة الجيزة، وقطعت شوطًا كبيرًا بها حتى انتهت المحافظة تقريبًا من المناطق العشوائية، واستطاعت أيضًا الحصول على عدد كبير من المنح والتمويلات من المنظمات العالمية لتطوير المناطق العشوائية بمحافظة الجيزة، كما كان لها دور كبير فى التواصل مع الجمعيات الأهلية التى أسهمت فى عدة مشاريع بالمحافظة، كما كان لها دور بارز فى تطوير الأسواق العشوائية بالجيزة وإنشاء أسواق حضارية جديدة للباعة الجائلين بعدة مناطق، بالإضافة إلى اهتمامها البالغ بملف المرأة ودورها فى إنشاء أول منطقة خالية من العنف ضد المرأة بحى شمال الجيزة، ما يعنى أنها ليست «غريبة» أو «هابطة بالبراشوت» على كرسى المحافِظ، وهو ما يشى بتوفّر عناصر نجاحها فى منصبها الجديد، خصوصًا وهى تروم إثبات ذاتها وشخصيتها أمام تلك العناصر المتشددة التى لا ترى فى المرأة سوى كائن «ناقص العقل والدين!»، و«لا يفلح قوم وَلّوا أمرهم امرأة»! وهو ما تعرفه الدكتورة منال جيدًا، لذلك فإننى أجزم أنها تريد إثبات عكس تلك المقولات، لتُسكِت أى صوت من معارضى تولّيها هذا المنصب الكبير.
 

خطوة تعيين الدكتورة منال ميخائيل إنما هى خطوة ذكية وجريئة وجديدة، لا شك، فهى فى ظاهرها تأسيس لمبدأ المواطَنة الذى لمّا نزل ننشده فى مصر، لكن يبدو أن الوضع فى مصر يأبى إلا أن يجعلنا نفيق على الحقيقة المتمثلة فى وجود رواسب سياسية وعقَدية وفقهية واجتماعية تحول دون تعميم حالة الدكتورة منال ميخائيل، ولا أدَلّ على ذلك من الأحداث المؤسفة التى وقعت فى محافظة المنيا، يوم الجمعة الماضى، أى بعد تعيين تلك المحافِظة بأقل من أربع وعشرين ساعة، إذ -كالعادة- قام مصريون مسلمون بالهجوم والاعتداء على منازل مصريين مسيحيين، بسبب اعتراضهم على وجود كنيسة بإحدى القرى، أو بالأحرى وجود بيت أو مَضيَفة يجتمع فيها المواطنون المصريون المسيحيون، وهو أمر بات مكرورًا، بما يشى بوجود معضلة يجب التعاطى معها بما هو أبعد وأعمق من مجرد تعيين امرأة أو حتى طائفة من النساء فى مناصب تنفيذية مرموقة لها صفات الولاية والقيادة.
 

لا ننكر أن تعيين الدكتورة منال ميخائيل محافِظة لدمياط إنما هو اختيار مُوفَّق، فضلا عن كونه اختيارًا مدروسًا بعناية، الهدف منه توصيل رسالة واضحة ومركّزة تؤكد أن القيادة السياسية بدأت فى اتخاذ خطوات عملية غير نمطية لتأسيس وتكريس الوعى الجمعى  بدولة المواطَنة، لتحقيق المساواة والدمج الوطنى، وهو ما يستدعى تحديدًا، الآن، التذكير بأن وقوف القيادة السياسية إلى جانب التكتلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحاضنة للفكر الليبرالى الحُرّ بات أمرًا تفرضه الظروف الحالية؛ لأن تلك التكتلات بوعيها وثقافاتها وأفكارها الليبرالية قادرة على تكريس مفهوم المواطنة اجتماعيًّا، إذا أُتيحت لها فرصة الدمج فى المجتمع، وهو دمج لا يتأتى إلا بدعم من القيادة السياسية.
 

تعيين الدكتورة منال ميخائيل محافِظة لدمياط، ذات الكثافة السلفية، خطوة، لا شك، على طريق تعزيز مفهوم المواطَنة، لأن المواطَنة، حسب دائرة المعارف البريطانية، هى «علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة متضمنة مرتبة من الحرية وما يصاحبها من مسؤوليات، وتسبغ عليه حقوقًا سياسية؛ مثل حقوق الانتخاب وتولى المناصب العامة»، أى أن أحد أركان المواطنة يتمثل فى حق تولى المناصب العامة، وهو ما حدث فى نموذج الدكتورة منال ميخائيل لأول مرة فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر، ويبقى فقط مواصَلة وتعميم هذا النموذج، فالإرادة السياسية غالبة لا شك، لكن لا ينبغى أن نتناسى فى خضمّ هذه الخطوة المفاجئة الجريئة أن تكريس مفهوم المواطنة لا يقتصر على ذلك فقط، بل إنه يستلزم خططًا متوسطة وطويلة الأمَد، عمادها إحداث انقلاب جذرى فى ثقافة المجتمع، وتحرير الفكر والمفكرين، وتكريس المفاهيم الليبرالية سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وتعليميًّا، والاعتراف بحقوق الإنسان وحرياته العامة؛ لأنها حقوق طبيعية، ومهمة الدولة احترام وضمان تلك الحقوق.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات