.

هل يشاهد جمهور تامر حسنى أفلام محمد رمضان؟

Foto

لماذا تنجح الأفلام الموجهة إلى جمهور معين بغض النظر عن مستواها؟ كيف أصبحت الأفلام تُصنع على مقاييس ومزاج النجم وجمهور المعجبين؟


قبل أيام من بداية موسم أفلام عيد الأضحى نشر موقع «إعلام. أورج» خبرًا عن تحقيق فيلم «الرجل الأخطر»، بطولة سامح حسين، إيرادات بلغت قيمتها 36 جنيهًا فى يوم واحد، ولو صح هذا الرقم الهزيل للغاية فالخبر بطرافته يتفوق على إفيهات أفلام سامح حسين، التى لم تعُد تُضحك أحدًا، ولا يشعر بوجودها الجمهور، وعبثًا يحاول سامح بالفيلم تلو الآخر استعادة جمهوره المحدود الذى تابعه بعد نجاحه المحدود فى دور الشاب الساذج الذى قدمه فى سيت كوم «راجل وست ستات»، وبعد عدة بطولات متواضعة فى التليفزيون والسينما والمسرح بالكاد حقق فى فيلمه الأخير نحو نصف مليون جنيه، ولم يعد أمامه الآن إلا البحث عن تقديم شىء جديد يجذب الجمهور، أو العودة المتواضعة للأدوار المساعدة، وقبل كل هذا تطوير نفسه وأدواته الكوميدية، فما كان يصلح لتقديمه فى سيت كوم لا يناسب الفيلم الكوميدى.

 

تغيب عن السينما المصرية الحالية أهم عناصر الإبداع، وهو المغامرة، وبمراجعة بسيطة لأغلب أفلام العيد سنجد أن كل فيلم منها يبحث عن جمهور بعينه، وهى أفلام حسب الطلب، يقدم كل منها النوعية التى يحبها جمهور النجم، فلا أظن أن جمهور تامر حسنى قد تعجبه أفلام محمد رمضان، والعكس صحيح؛ فتامر حسنى يحاول إضحاك «التامريون» بنفس تركيبة أفلامه الكوميدية السابقة، ومحمد رمضان يسعى لبَهر «الرمضانيون» بفيلم يقتبس روح أفلام «عبده موتة» و«قلب الأسد» دون تقمص شخصية بلطجى العشوائيات، التى أصبحت ظاهرة يدّعى البعض أنها السبب فى إفساد جيل الصغار والشباب.
 

أحمد فهمى يتشقلب من أجل سخسخة «الفهميون»، وهم نصيبه من جمهور الثلاثى «أحمد فهمى وشيكو وهشام ماجد»، ويجتهد محمد رجب ليبيع لجمهور العيد روبابيكيا الإفيهات المستهلكة.
أما «المُراديون»، وهم جمهور روايات الكاتب الشاب أحمد مراد، فهم الجمهور الذى يحب نوعية فيلم «تراب الماس» بأجوائه القاتمة، الغامضة، وهى سمة روايات مراد، التى ينقلها المخرج مروان حامد إلى شاشة السينما برؤية بصرية مختلفة، تستلهم أجواء الرواية، وتترجمها سينمائيًّا. وقريبًا من نفس الأجواء يقدم يوسف الشريف فيلمه «بنى آدم» لجمهوره الذى تابع مسلسلاته التليفزيونية خلال السنوات الأخيرة، وينقل الشريف سيرك الغموض والتويستات، التى ميزت مسلسلاته، إلى شاشة السينما، وأخيرًا يحاول عمرو عبد الجليل تقديم نوعه المفضل من الكوميديا الاجتماعية الساخرة فى سوق الجمعة، هذا المكان الذى يحوى كل شىء، وعمرو عبد الجليل ممثل موهوب ولا يبحث عن جمهور محدود يذهب إلى السينما لمشاهدة «كاركتر» مضحك على طريقة اللمبى، وموضوعات أفلامه مفتوحة لكل نوعيات الجمهور، لكن الجمهور يبحث عن أفلام نجوم الشباك بتوليفتهم المحفوظة، ولا يغامر بتجربة نوعيات أخرى.

 

هذا التوجه موجود فى السينما العالمية التجارية، وعيبه أنه يقدم فى النهاية أعمالًا محدودة الإبداع، تلعب على «النوع» الذى تحبه فئة محددة من الجمهور، و«التاتش» المصرى السينمائى ينحرف عن فكرة «النوع» بفئاتها المختلفة، فما نشاهده لا يمكن تصنيفه كوميديا أو أكشن أو غموضًا، بل هى كوميديا تامر، وأكشن رمضان، وغموض الشريف، وهكذا تحول النوع إلى توليفة يكررها النجم بتنويعات مختلفة، وأفلام عيد الأضحى تقدم نموذجًا لحال السينما التى تنكمش على نفسها، إذ يقوم صُناع الأفلام بتفصيل حبكات بمواصفات خاصة على مقاس الأبطال، وهنا يصبح الفيلم تابعًا للممثل، ومرتبطًا ارتباطًا شرطيًّا بمزاجه ومزاحه وعضلاته.
 

الجمهور الذى أحب تامر حسنى، الشاب المرح، الفاشل فى حياته العملية فى «عمر وسلمى»، وتعاطف مع مغامراته الضاحكة للوصول إلى قلب حبيبته سلمى «مى عز الدين»، هو نفسه الجمهور الذى ذهب لمشاهدة تامر يؤدى دور الشاب المرح «وليد»، الفاشل فى حياته العملية، وتعاطف مع مغامراته الضاحكة للوصول إلى قلب ريم «أمينة خليل»، ونحن لسنا أمام فيلم تمت كتابته من أجل تامر حسنى، المغنى والممثل، بل غالبًا شاهد تامر الفيلم الأمريكى Let's Be Cops «لنصبح رجال شرطة»، إنتاج 2014، وأعجبته الفكرة، وقالها للسيناريست والشاعر الغنائى أيمن بهجت قمر، وقام الأخير بتفصيل الفكرة لتناسب تامر حسنى وأكرم حسنى، ونسب تامر حسنى الفكرة لنفسه، وهذه ليست المشكلة، فملاحقة سرقات السينما المصرية لأفكار حكايات الأفلام الأجنبية أصبحت أمرًا غير مُجدٍ، فصُناع السينما لا يهتمون بحقوق الملكية الفكرية، والجمهور بشكل عام يذهب إلى النجوم، ويقبل أى شىء يقدمونه ما دام فى إطار المعايير المتفق عليها بين النجم والمشاهد المعجب.
 

الاقتباس لم يكن فى فيلم تامر حسنى فقط، بل فى فيلم أحمد فهمى «الكويسين»، وهو من نوعية الأفلام التى قدمها منذ بدايته مع الثلاثى، أفلام تعتمد على فكرة مجنونة، تذهب بالكوميديا إلى أفق أبعد من الأشكال النمطية السائدة، كأن يؤدى أحمد فتحى دور رجل صغير، يدعى أنه طفل رضيع؛ وذلك بهدف المشاركة فى سرقة ماسة من عائلة ثرية، وهذه الفكرة تم تقديمها فى عام 2006، فى فيلم أمريكى بعنوان «Little Man»، وفى النسخة المصرية كَمّ من التشويش وزحام الشخصيات غير المفهوم مقارنةً بالفيلم الأمريكى الذى ركز على اللص القزم وصديقه، والعائلة المكونة من زوجين ووالد الزوجة. والطريف أن المؤلف أيمن وتار اختار تهميش الشخصية الأكثر طرافة، وهى شخصية القزم اللص الذى يدّعى أنه طفل صغير، واختار تطوير شخصية هامشية من الفيلم الأمريكى، وهى شخصية اللص الغبى التى قام بتأديتها تريسى مورجان، لتكون هى شخصية البطل التى جسدها أحمد فهمى، واستخدم السيناريو أكثر الحبكات الدرامية نمطية، وهى حكاية الطفل التائه، الذى يعود لعائلته شابًّا، وهى الحجة التى يدخل بها البطل بيت العائلة الثرية.
 

الفنان حينما يُفلس، يقتبس أو يبحث فى دفاتر شخصياته النمطية القديمة، ويعرف محمد رمضان أن جمهوره يبحث عن الأكشن الشعبى العنيف، إذ يستطيع البطل الغلبان ضرب عشرين بلطجيًّا بمفرده، ولا يبحث الجمهور عن منطق لهذه القوة الخارقة، وهو فى فيلم «الديزل» يقوم بدور دوبلير الممثل محمد رمضان، ولم يقدم السيناريو تاريخًا للشخصية يبرر هذه القوة غير العادية، المهم أنه يستمر فى الضرب، ويستمر الجمهور فى التصفيق والتصفير، ولا بأس أن يكون جمهور رمضان يحب المعارك الممزوجة بالعنف، ولكن مع تكرار أفلام «الشجيع» التى يقدمها، بدايةً من «عبده موتة» وحتى «الديزل»، لا يوجد جديد سوى محاولة تقديم مزيد من المعارك؛ ولهذا ترتبط إيرادات الأفلام بنوعية واحدة من الجمهور الذى يذهب لمشاهدة نجمه يفعل تقريبًا نفس الأشياء، ويحاول تلوينها بألوان العيد؛ إفيه من هنا ولكمات من هناك، مع جمل تداعب خيال البسطاء من نوعية «الغلابة لبعضيها»، ويُصبح هذا الهراء السينمائى فى النهاية فيلمًا محسوبًا على مكتبة السينما.
 

الإيرادات عامل رئيسى فى صناعة السينما، ولكن شباك التذاكر المصرى لا يمكن حساب مفاجآته، ولأن صُناع الأفلام يقدمون أعمالهم بأقل قدر من المغامرة؛ تأتى الإيرادات عشوائية وحسب «مود» الجمهور ومدى رغبته فى مشاهدة النجم أو انصرافه عنه.
 

إيرادات فيلم «البدلة»، التى تصدَّرت قمة شباك التذاكر، لا تعنى أنه الأفضل، بل تعنى أن تامر حسنى هو الأنجح فى جذب جمهوره، وهى دلالة على أن هذا الجمهور المُحب لنجمه لم يكتفِ بعدُ من نوعية أعماله الكوميدية الرومانسية الخفيفة. والأفلام الأصيلة لا تُصنع على ذوق الجمهور، بل تُشكل ذوق ووجدان الجمهور، وتفتح له أبواب الدهشة، والفن يتجدد، وإلا أصبح أمرًا نمطيًّا لا يثير أحدًا، ووارد جدا أن يصحو يومًا نجم يحصد الملايين فى شباك التذاكر، فيجد إيراد فيلمه الجديد 36 جنيهًا فقط لا غير!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات