.

محمد صلاح تحدث 12 دقيقة.. فأسكت الجميع

Foto


لماذا يرسخ اتحاد الكرة للعشوائية؟ كيف لا يشعر لاعب عالمى مثل صلاح بخصوصية فى غرفته الخاصة؟ ما الذى يهم اتحاد الكرة فى جنسية وكيل اللاعب؟ هل تعلم الدولة أن الشباب يجدون أنفسهم فى حديث صلاح؟


متمرد منذ طفولته فى دولة تكره المتمردين.. هكذا كان اللاعب المصرى محمد صلاح الذى تمرد على الثقافة العقيمة التى تزدرى أبناء الأقاليم، وتمرد على العقلية التقليدية التى ترى فى كرة القدم مجرد لعبة للهو ليست مستقبلًا أو مهنة، وتمرد على الصعوبات والمعوقات التى جعلته يقضى أكثر من نصف يومه فى المواصلات العامة من قريته بمحافظة الغربية حتى قاهرة المعز، إلى أن أصبح قاهرًا هو الآخر، قهر كل الصعاب وتمرد على كل القوالب، حتى حجز لنفسه مقعدًا بين الكبار الذين كنا نشاهدهم فى التلفاز ونتحدث عنهم فقط.

 

تمرد محمد صلاح جاء فى وجه الدولة العميقة، عندما وقف أمام اتحاد الكرة الذى استخدم صورته على طائرة المنتخب، متاجهلًا ما يسببه هذا الأمر من خطورة على اللاعب الشاب، ولكنه غرّد على حساباته الرسمية عبر وسائل التواصل الاجتماعى بعدما يئس من التعامل البيروقراطى المحبط، وكان لتغريدته فعل السحر، فسرعان ما انتشرت وتداولها عشاق صلاح الذين أجبروا وزير الشباب والرياضة، آنذاك، المهندس خالد عبد العزيز، على التدخل لحل الأزمة التى انتهت لصالح الحق.. والحق كان مع صلاح.

 

اليوم، صلاح بصدد معركة حق جديدة يثور فيها على العقلية الإدارية لاتحاد الكرة، يشكو من العشوائية، ينقل خبرته إلى المجتمع المصرى، يتمرد مجددًا على قوالب ثابتة لم تتغير منذ عقود، وإذا بقينا على هذه الحال حتمًا لن تتغير للأبد.



 

غرَّد اللاعب الشاب شاكيًا تجاهل اتحاد الكرة مطالب وكيله، ما فجَّر ثورة داخل الاتحاد، ومن جانبهم أصدر أعضاء الاتحاد بيانًا وصفوا صلاح فيه بـ«المدعو» ثم أنكروا هذا البيان، ولم يكتفوا بذلك بل أطلقوا الهجوم على اللاعب الشاب ووكيله، وخصصوا مؤتمرًا صحفيًّا قدمه الكابتن أحمد مجاهد، لتقديم «صلاح» كشخص متعالٍ متعنت مغرور يبحث عن معاملة تميزية عن بقية زملاء المنتخب، مثل حراس شخصيين لتحركاته، واستقباله فى المطار من قبل أحد أعضاء اتحاد الكرة، ورفض الزيارات الرسمية والجلسات التصويرية عن طريق أى شخص فى الاتحاد.



 

المشكلة تكمن فى سوء فهم بين اتحاد الكرة واللاعب، فمحمد صلاح ليس لاعبًا عاديًّا حتى يعامله الاتحاد معاملة عادية، ومن هنا جاءت المشكلة، أن الاتحاد يساوى بين صلاح وغيره من اللاعبين سواء القدامى أو الحاليين فى المعاملة، بينما الحقيقة أن وضع صلاح يختلف، فبغض النظر عن أهمية اللاعب التكتيكية فى الملعب، فإن الشعبية الجارفة للاعب جعلته عرضة لمضايقات مقصودة أو غير مقصودة، لذلك من الواجب على اتحاد الكرة حماية اللاعب وتوفير مناخ ملائم له وتسهيل تحركاته داخل مصر منذ وصوله المطار حتى مغادرة أرض الوطن.

 



12 دقيقة تحدث فيها محمد صلاح مع الجماهير ردًّا على ثورة اتحاد الكرة، واستطاع النجم الشاب إسقاط كل مزاعم الاتحاد وإخماد ثورتهم غير العادلة، فاللاعب فضح مواطن القصور داخل العقلية الإدارية المصرية العقيمة، انتقد العشوائية فى معسكرات المنتخب بداية من الطائرات غير الملائمة والمريحة للاعبين، مرورًا بالفنادق المزدحمة بالجماهير وأفراد عائلات الشخصيات العامة واتحاد الكرة، وصولًا إلى الملاعب ذات المدرجات الخاوية.

 



صلاح حطَّم تابوهات عديدة خلال الفيديو الذى بثّه للرد على اتحاد الكرة، يكفى أنه كشف عنصرية اتحاد الكرة الذى تمادى فى وصف وكيله بـ«الكولومبى» وكما قال صلاح: «احنا فى 2018 وانتوا بتقولوا كلمة الكولومبى 20 مرة»، ما الذى يهم اتحاد الكرة فى جنسية وكيل اللاعب؟ وهل الجماهير ستغير موقفها من صلاح إذا كان وكيله يحمل جنسية أخرى؟ ما الذى يريد الاتحاد إيصاله من هذه الادعاءات البعيدة عن صُلب القضية؟

 



الفرعون المصرى سئم العشوائية، وفاض به الكيل وله كل الحق فى ذلك، أصبح الآن يطلب أقل حقوقه وهى الاستمتاع بهدوء فى غرفته الخاصة، شاهدتم إلى أين وصلنا؟! حتى غرفة النوم لم تصبح ملك اللاعب، وكل هذا بسبب عشوائية التحضير واتخاذ القرار والإدارة.

 



أمنيات صلاح فى مصر هى بديهيات وحقوق أى لاعب محترف فى أية دولة تحترم الآدمية وتقدر قيمة اللاعب، فالتقدير الذى شاهده صلاح منذ أن غادر مصر فى طريقه لمحطته الاحترافية الأولى بسويسرا لم يشهده فى مصر حتى الآن، بل على العكس الدولة تتمحك فى صلاح ولا تخجل من الإفصاح عن ضرورة الاستفادة منه، فتجده بطل حملة حكومية دعائية لمكافحة المخدرات، وتجده مرة أخرى يتبرع لصندوق تحيا مصر، ثم تجده مجددًا ينشغل بدوره الاجتماعى والإقليمى فى قريته ويحرص على افتتاح المشروعات الاجتماعية والمدارس، والغريب أن بعض الأصوات تعتبر هذا التطوع المشكور والمحمود رد جميل للبلد.. وللأسف وبمنتهى الصراحة البلد لم يعط لصلاح مثلما أعطاه هو، لذلك فلابد من توفير المناخ المريح له، حتى يستطيع المضى قدمًا فى مسيرة العطاء الفنى والإنسانى التى بدأها.

 



الرواج الذى حققه فيديو محمد صلاح، بالإضافة إلى التفاعل الكبير معه عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعى، وانشغال الشارع المصرى -الذى أصبح لا يبالى بالأخبار السياسية والمشروعات القومية- بأزمة محمد صلاح، كلها شواهد تؤكد شعبية اللاعب الجارفة والمُستحقة، فكثير من الشباب وجدوا فى صلاح النموذج المُلهم الذى بدأ من الصفر متمردًا على الوسائط والمحسوبية والإحباطات، حتى وصل إلى المكانة العالمية الفريدة التى ستجعله أسطورة من أساطير التاريخ المصرى.

 

جمهور صلاح وجد فيه صوتًا يعبر عنه وعن غضبه من الدولة العميقة التى ذبلت فيها ورود الأحلام، والتى لم ترد الجميل لكل مَن اجتهد وتعلَّم وعمل، بل أعطت المكانة والتقدير لآخرين عديمى الكفاءة والاستحقاق.

 

ووجد جمهوره أيضًا فى رد اتحاد الكرة على صلاح نفس استخفاف واستهانة المسؤولين بالشباب وشكواهم، لذلك فالمعركة ليست معركة صلاح وحده أو منتخب الكرة ككل، ولكنها معركة كل من سئم العشوائية وغياب العدالة.. إنها معركة شباب.

 



مَن ذاق الاحترافية يصعب عليه تحمل مرارة العشوائية والمناخ السلبى، وصلاح بجهده -وجهده هو فقط- استطاع أن يتذوق الاحترافية فى التعامل، فلا تطلبوا منه أن يتناساها فى سبيل أن يقدم لكم فروض الولاء والطاعة والتأقلم مجددًا على عشوائيتكم.

 

صلاح تحدث 12 دقيقة أسكت بعدها الجميع، فالمجد للمكافحين والمؤمنين بالقضية والمتمسكين بحقوقهم مهما زادت العوائق.. المجد لصلاح.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات