.

سارة الفلسطينية اليهودية و«قصة الحب» المجرمة فى كل الأديان

Foto

تدور أحداث الرواية فى مخيم «الرشيدية» بلبنان حيث تم تهجير آلاف من الأسر الفلسطينية بعد «النكبة» 1948


بعد مضى اثنى عشر عامًا على صدورها باللغة الفرنسية قام الروائى اللبنانى محمد الطعان بتعريب رواية «ما باحت به سارة» إلى اللغة العربية، وقد ناقش الكاتب فى روايته القضية الفلسطينية، وعودة اللاجئين فى ظل حلم عودة القومية العربية، تدور أحداث الرواية فى مخيم «الرشيدية» بلبنان حيث تم تهجير آلاف من الأسر الفلسطينية بعد «النكبة» 1948، ومن ثم ينطلق السرد على لسان الراوى كلى العلم؛ ليكشف أزمة الذات الفلسطينية المشتتة فى المنافى والتى تعيش على حلم العودة، لكن الطعان لم يركز فقط على النوستالجيا التى سيطرت على الرواية وحلم العودة إلى أرض سلبها «الغول» فقط، بل ناقش فى الرواية المسكوت عنه فى الثقافة العربية، وحاول تعرية عوار الثقافة التى هى الإطار الثقافى للبطل والأحداث.

قرر طارق الذى أصبح طبيبًا بعد منحة قدمتها له منظمة «الأونروا» إلى بلغاريا أن يذهب إلى المغرب، ليكمل سرد خيبات وانكسارات الذات الفلسطينية التى تعتبر الوطن العربى كله من الخليج إلى المحيط وطنًا لها، ومن هناك يشتغل الكاتب على تفكيك الثقافة ومقولاتها التى هى واحدة من أسباب أزمة الذات..

وبما أن هذه الرواية كُتبت لقارئ فرنسى، يمثل القارئ الغربى فى عمومه فقد كتبت من وجهة نظر تقصد الكاتب أن تبدو مسالمة حتى يرسم صورة ذهنية عن الذات بمقاييس الآخر، فيلتقى البطل هناك بفتاة يهودية «سارة» ويقع فى حبها، ويستغل فضاء السرد لمناقشة القضية الفلسطينية معها، وحق عودة لاجئى المنافى إلى وطن لم يعد موجودًا على الخريطة فى الغرب، لكنه يحمله كل فلسطينى فى قلبه أينما ذهب.


وكأن الكاتب يعيد إنتاج قصيدة محمود درويش «ريتا والبندقية» لكن فى قالب سردى محتشد بالتفاصيل، فيطرح سؤالًا: ماذا لو أحب فلسطينى يهودية؟! هل ينسى وطنه السليب على يد اليهود، ويسمح لذاته أن تقع فى العشق، ويفرق بين مفهوم اليهودية ومفهوم الصهيونية؟ أم يظل ضياع الوطن حائلًا بينه وبين حب اليهودية؟!


سارة الفتاة التى عشقها السارد لم تكن مجرد فتاة يهودية، بل كانت تؤمن بشكل معلن وواضح بمشروع الدولة الصهيونية إلا أن الراوى كلى العلم ومن ورائه المؤلف لم يُدِن فكرها ورؤيتها لإسرائيل الكبرى التى ينتوى الصهاينة والمتصهينون إقامتها من الخليج إلى المحيط، لذا كان من المتوقع من فلسطينى شردته المنافى أن يدين حلم «الغول» الذى سلبه وطنه، لكنه فى الحقيقة قدم رؤية تغازل الغرب وترضيه، وكأن الكاتب يضع فى وعيه أو لا وعيه الخوف من الاتهام الجاهز الذى يمكن أن يواجه به وهو يرسم صورة ليهودية تؤمن بالمشروع الصهيونى، كأنه يخشى الاتهام بمعاداة السامية، فوجدنا البطل طوال النص مسالمًا مستسلمًا، وسارة أيضًا يهودية جزائرية طردت من الجزائر فى هوجة تهجير اليهود من الأوطان العربية، يرسم صورة لسارة ورحيلها إلى فرنسا تدين ما قامت به الأنظمة العربية من تهجير لليهود.


إذن كلاهما مهجر، الفلسطينى الذى هجرته إسرائيل وسارة التى هجرتها الجزائر، لكن الفلسطينى يتعاطف مع مأساتها ويروج لفكرة أن الأنظمة العربية طردت اليهود، وينسى أن اليهود غادروا ليكونوا رافدًا كبيرًا للدولة العبرية التى سلبته وطنه، وفى نفس الوقت لا تدين سارة ما حدث للسارد وقومه، بل هى تؤمن بالكيان الصهيونى وأرض الميعاد.


نجد أيضًا فى الفضاء السردى إدانة للثقافة العربية التى تتحيز ضد النساء وتختزل الشرف فى قطرات دماء العفة، حيث نجد الطبيب ينقذ فتاة فى ليلة عرسها الذى كاد  ينقلب إلى كارثة حينما اكتشف الزوج أنها فقدت دماء شرفها، فيتواطأ معها الطبيب ويقدم لهم صبغة حمراء باعتبارها دماء العفة، يدين أيضًا الكاتب ما ترزح تحته الشعوب العربية من تخلف وقدرية وجهل.


كذلك يكشف الكاتب المسكوت عنه فى تعامل الثقافة العربية مع المكونات الثقافية الأخرى، فالطفل الأمازيغى أحمد الذى تعاطف الطبيب معه وحاول تعليمه نجده يتوق إلى تعلم اللغة الأمازيغية، لكن الطبيب يُصر على تعليمه العربية، بل وأول كلمة يتعلمها الصغير هى كتابة اسم «جمال عبد الناصر» رمز الوحدة العربية.


وقد كتبت الرواية فى قالب كلاسيكى محكم يبدأ فيه الزمن بشكل خطى متتابع دون قفزات، فهو يبدأ بتقنية الفلاش باك، فيذهب إلى الذكرى الأولى المحفورة فى ذاكرته، ذكرى لحظة الخروج المفجع من فلسطين هربًا من «الغول» وتوطين اللاجئين فى مخيم «الرشيدية» ثم يتتابع الزمن حتى لحظة وصول السادات إلى القدس ومصافحة مناحم بيجين واستقباله على السجادة الحمراء، إذن الزمن كان استرجاعيًّا إلا من بعض الفقرات القليلة التى اشتغل فيها الكاتب على الزمن الاستباقى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات