.

الطريق إلى إيدا رواية تُقاطع الواقعية السحرية

Foto

ينتهج ريكاردو فى هذه الرواية النهج البوليسى، حيث البحث المستمر طوال الوقت لفك طلاسم الجريمة، يحدث ذلك بين القليل من التكشف والكثير من الغموض أحيانًا.


ارتبطت فى الأذهان علاقة وثيقة بين أدب أمريكا اللاتينية ومصطلع «الواقعية السحرية»، ثم ارتبط فى ما بعد اسم «ماركيز» وخصوصًا بهذه الكتابة بوصفه أحد روادها وأبرزهم، وعلى وجه العموم لاقت هذه الكتابة استحسانًا وإقبالاً كبيرًا –بيننا- فور ترجمتها للعربية، يجوز لاشتباك عالمها بأجواء «ألف ليلة وليلة»، بالإضافة إلى تأثرها الواضح بالحضارة الشرقية والتماس معها أحيانًا، حيث كان «بورخيس» خير مثال على ذلك.


من نفس بلدة بورخيس يأتى ريكاردو بيجليا الكاتب الأرجنتينى، محملاً بهذا التاريخ المتماهى؛ ليكون امتدادًا فى نفس الوقت لهذه الكتابة، وإن ابتعدت كتابته كثيرًا عن الواقعية السحرية واستخدمت آليات الرواية الأوروبية المتعارف عليها، فنحن أمام بشر عاديين –لا يطيرون مثلاً- والأحداث بعاديتها تجرى كما يعيش أى فرد فى أى مكان.


وهذا ما نراه فى رواية «الطريق إلى إيدا» الصادرة مؤخرًا عن سلسلة الجوائز التى تصدرها الهيئة العامة للكتاب بترجمة عبد السلام باشا.


ينتهج ريكاردو فى هذه الرواية النهج البوليسى، حيث البحث المستمر طوال الوقت لفك طلاسم الجريمة، يحدث ذلك بين القليل من التكشف والكثير من الغموض أحيانًا.


لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فبطل الرواية رجل فى أواخر عمره، يعيش بمفرده بعد الانفصال عن زوجته، يتلقى دعوة للقيام بالتدريس كأستاذ زائر فى جامعة «تايلور يونيفرستى»، بصفته كاتبًا للأدب على الرغم من عدم شهرته الكافية التى قد تؤهله للتدريس، فقط كانت تربطه علاقة مع «إيدا» الأستاذة –الفذة- بنفس الجامعة، حيث أسهمت بسبب مكانتها فى إنشاء قسم جديد يقوم بتدريس منهج عن «الثقافة الحديثة ودراسات الفيلم» ضمن دراسات قسم السينما.


فقد رأت «إيدا» أن طلاب الجامعة لا يقرؤون الروايات، لا يذهبون إلى الأوبرا، ويفضلون عن ذلك مشاهدة الأفلام، مما يعكس سطوة الصورة المرئية عن الكلمة المكتوبة أو أى من الفنون الأخرى؛ لهذا فهى تريده أن يتعاون معها فى القسم الجديد بتقديم «سيمنار» حول حياة وكتابة «هودسون»، خصوصًا وقد قرأت كتبه من قبل وتعرف اتجاه مشاريعه فى هذا المجال.


هكذا تبدأ الخيوط الأولى السابقة للجريمة التى ستحدث ويتم طرحها عبر الرواية، على جانب آخر وبالبحث فى حياة ريكاردو نفسه، نجد أنه قد قام بالتدريس لمدة خمسة عشر عامًا فى عدة جامعات مختلفة بأمريكا.


هكذا؛ تتداخل الحكايات ببساطة فى الرواية متضافرة مع رسم الشخصيات ومتماسة فى الوقت نفسه مع سيرة الكاتب الذاتية؛ ليعطى بذلك نسقًا مُغايرًا ومُتجاوزًا حدود التصنيف القاطع، مُفسحًا براحًا لمخيلة القارئ؛ كى تتحرك بعدم يقين بين ما هو حقيقى وما هو خيال مما يُضفى آفاقًا للكتابة.


ستجد الكاتب يتناول إشكاليات نقدية أدبية ويُعيد مناقشة أفكار ومفاهيم فنية عبر مساحات سردية كفيلة؛ لأن تكون فى حد ذاتها دراسات أدبية متخصصة أو مقالات.


برع «كونديرا» الكاتب التشيكى فى هذا النوع من الكتابة التى يمكن أن نسميها بالرواية البحثية، حيث الحدث الروائى مرتبط بالتنظير عن مفاهيم السرد أحيانًا أو مناقشة قضايا فلسفية كما فعل فى رائعته «كائن لا تحتمل خفته»، طارحًا فكرة خفة الإنسان أو ثقله عبر حياة الشخصيات وإن لم ينتصر لأى منهما.


ما يطرحه ريكاردو يختلف عن «كونديرا» وإن اشترك معه فى نفس النهج الروائى تقريبًا، لكن الشخصيات عند ريكاردو تتحرك فوق أرضية أكثر صلابة للوضع المعيشى اليومى، بعيدًا عن تجريدات كونديرا الشاسعة.


فى بدايات ريكاردو الكتابية كان من أوائل الجيل الذى حاول مقاطعة –غواية- الواقعية السحرية، هذا الجيل التالى لماركيز ويوسا الذى أراد أن يُقدم كتابة جديدة تعتمد على العادى والمألوف، وقد كان.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات