.

أدب بوكوفيسكى الرخيص.. الغالى جدًّا

Foto

رواية «أدب رخيص» التى لا تعتمد على وصف صور مختلفة لعدة نساء فقط، ولكن تمتد إلى نقل صورة كاملة للحياة باعتبارها نوعًا من الأدب الرخيص


هل قرأتم أشعار بوكوفيسكى؟ إذا كنتم قد قرأتموها وأعجبتكم فتستطيعون الآن الولوج مطمئنين إلى عالمه الروائى الذى لا يقل روعة عن أشعاره، وإذا كنتم لم تقرؤوها فتستطيعون البدء بالتعرف عليه كروائى، فرواياته أشبه بقصائد شعر مغزولة ومنسوجة على نول الرواية، خصوصًا تلك التى يصوّر فيها النساء من خلال مجموعة «أجمل نساء المدينة»، ورواية «نساء»، و«الامرأة الأكثر جمالاً فى البلدة»، ورواية «أدب رخيص» التى لا تعتمد على وصف صور مختلفة لعدة نساء فقط، ولكن تمتد إلى نقل صورة كاملة للحياة باعتبارها نوعًا من الأدب الرخيص، حتى إنه يهدى روايته إلى الكتابة السيئة ساخرًا من نفسه ومن الحياة.


«أدب رخيص» هى روايته الأخيرة التى كتبها قبيل رحيله فى عام 1994، وصدرت عن دار الجمل للنشر من بيروت هذا العام «2016»، من ترجمة «إيمان حرز الله»، وتدور حول المحقق السرّى سيئ الحظ «نيك بيلين» الذى يكلفه الجميع بمهام خاصة تفضى به إلى الاصطدام بسوء حظه المستمر، فهذه امرأة شديدة الجمال تزوره فى مكتبه «لم يرَ فى جمالها يومًا»، هكذا وصفها، تُدعى «موت»، وتُكلفه بمهمة العثور على الكاتب الفرنسى «سيلين» المتوفى منذ 1961، حيث أرادت التأكد من أنها لم تُخطئ وتقبض روح رجل يشبهه. كما طلب منه عميل آخر «جاك باس» أن يقوم بمراقبة زوجته ويأتيه بدليل خيانتها كأن يقوم بتصويرها متلبسة، ما يخلق أجواء من المطاردات الكوميدية عندما يخطئ بيلين الهدف -على سبيل المثال- فى تمييز العشيق، فيقع فى المشكلات العبثية التى لا منطق لها. عميل زميل يطلب منه مساعدته فى التخلص من كائن فضائى أنثى تدعى «جينى» تستطيع التشكل كالحرباء وتعترض طريقه وتلاحقه أينما ذهب.

أما «بارتن» فيطلب منه فى اتصال تليفونى أن يحصل على العصفور الأحمر، فقط بلا مزيد من التفاصيل.

كما هو واضح أن أحداث الرواية تدور فى نطاق عبثى سريالى يفتقر إلى المنطق مثله مثل حياتنا التى نعيشها.


يبدأ «بيلين» مهمته الأولى فى التأكد من شخصية الكاتب الفرنسى الميت، وإذا ما كان قد مات فعلًا أم أنه لا يزال على قيد الحياة وعمره تجاوز المئة، فيتضح أنه هو نفس الشخص، وقد سقط من قائمة المتوفين.

يتحمس بيلين عندما تقبض موت على روح الكاتب، ويُمنى نفسه بالمكافأة. تتوالى تحقيقاته السرية فى المهام الأخرى، ينتقل المحقق السرى للعمل على مهمته الثانية، وهى ضبط زوجة جاك التى تم حصارها فى أحضان شاب وسيم قوى العضلات، يتضح فى ما بعد أنه كائن فضائى زميل فى حملة الاحتلال الفضائى لجينى التى تلاحق عميله «جروفيز»، ضاربًا بذلك عصفورين بحجر، وهكذا فى لحظة غرور واعتداد بالنفس ينطلق «بيلين» بمنتهى الثقة فى النفس، ويستمر فى حل جميع القضايا الموكلة له؛ مثل قضية العصفور الأحمر الذى بسببه يصطدم بعصابة من المرابين تساومه على الحصول على العصفور الأحمر مقابل أموال لا يستطيع بيلين سدادها، فيقترحون عليه -زيادةً فى الهزل- السداد بالتقسيط الذى يعجز عنه هو الآخر، فيقوم أفراد العصابة بإطلاق الرصاص عليه. وقتها فقط يرى العصفور الأحمر واقفًا بجانب السيدة موت.


تكتشف فى النهاية أنها لعبة مُدبرة لقبض روح «بيلين» بعد القيام بعدة مغامرات هزلية يسخر فيها بوكوفسكى من شخوصه ومن نفسه ومن قرّائه أيضًا الذين يكتشفون الخدعة فى السطور الأخيرة للرواية التى تتخذ من الجنس ركيزة درامية تدور حولها محاور صراعات الشخصيات بشكل كبير.

يبدو ذلك واضحًا فى وصف جمال السيدة موت وإغراء جينى الفضائية، وسيندى زوجة جاك الخائنة، ومقابلته مع إحدى زوجاته السابقات التى تعرض عليه ليلة ماجنة مقابل إقراضها بعض المال، فضلاً عن الويسكى بالماء والجعة اللذين لم يتخلَّ عنهما طوال الأحداث، ويقودانه إلى مقابلات عابرة يتضح من خلالها شغفه بحياة الليل والحانات متفاوتة المستوى الاجتماعى، حيث يظهر تناقض غروره المصاحب لفشله فى سهولة إثارة أعصابه واستخدامه السلاح فى أبسط المواقف اليومية، كما يستخدم معظم الألفاظ النابية -كعادة بوكوفيسكى- التى تحويها جعبته.

باختصار، أبدع بوكوفيسكى عالمًا روائيًّا موازيًا يمتاز بواقعية رديئة لا يقوى على مجاراة جرأتها معظم الروائيين.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات