.

بطرس غالى حذر فى يومياته من مخاطر تصاعد الإرهاب الإسلامى

Foto

ولد بطرس بطرس غالى فى القاهرة بتاريخ 14 نوفمبر من عام 1922 وينتمى إلى عائلة قبطية عريقة تنتمى إلى البرجوازية الكبيرة التى أفرزت عددا من السياسيين البارزين والكتاب والمثقفين


رحل عن عالمنا يوم  16 فبراير 2016 الدكتور بطرس بطرس غالى، المدافع عن العالم الثالث، سكرتير عام الأمم المتحدة الأسبق، تولى منصب وزير الخارجية المصرى فى عهد الرئيس أنور السادات.

وفى عام 1977 رافق الرئيس المصرى فى زيارته إلى القدس التى كانت أساس التغيير الجذرى الذى حدث فى معطيات الشرق الأوسط. ثم كان فى وقت لاحق، وفى مواجهة موشيه دايان، أحد المفاوضين الأساسيين فى اتفاقية السلام العربية الإسرائيلية التى وقعت عام 1979.


ولد بطرس بطرس غالى فى القاهرة بتاريخ 14 نوفمبر من عام 1922 وينتمى إلى عائلة قبطية عريقة تنتمى إلى البرجوازية الكبيرة التى أفرزت عددا من السياسيين البارزين والكتاب والمثقفين، فجده لوالدته هو القاضى والسياسى والمؤرخ، ميخائيل شاروبيم، كرس لتاريخ مصر خمسة مجلدات، وجد والده، غالى ناروز مؤسس ثروة عائلته، حيث كان يعمل مديرا لممتلكات شقيق الخديو واستطاع جده بطرس غالى باشا أن يكون وزيرا للمالية، وتولى أحيانا وزارة الخارجية وأحيانا أخرى الداخلية وهو الذى وقع على اتفاق السودان عام 1899 الذى نتج عنه إقامة السيادة المشتركة بين مصر وبريطانيا والتى على إثرها تم اغتياله بالرصاص.


لقد نشأ الدكتور بطرس بطرس غالى فى مناخ ملائم تماما لممارسة الكتابة والفنون والسياسة، فبعد انتهائه من دراسة القانون بجامعة القاهرة عام 1946 قرر أن يتجه إلى البحث العلمى والكتابة والتدريس من خلال حصوله على وظيفة أستاذ بجامعة القاهرة، لقد كانت أبحاثه ومؤلفاته فى العلوم السياسية والعلاقات الدولية، تزوج من ليا نادلر، وهى ابنة لأسرة يهودية مصرية من الإسكندرية، وتحولت ليا نادلر إلى الديانة المسيحية على المذهب الكاثوليكى فى شبابها.


أسس مجلة السياسة الدولية الفصلية بجريدة الأهرام، وعمل مديرا لمركز الأبحاث فى أكاديمية لاهاى للقانون الدولى «1963 - 1964»، وشغل منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية فى عهدى السادات ومبارك، ونائبا لرئيس الاشتراكية الدولية حتى تولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة خلال الفترة من «1992 – 1996»  بمساندة فرنسية قوية ليصبح أول عربى يتولى هذا المنصب، ثم ترأس منظمة الفرانكفونية الدولية بعد عودته من الأمم المتحدة.


ونستعرض أهم اللحظات والأحداث التى كتبها فى يومياته خلال السنوات الست التى قضاها فى باريس والتى تبدأ من 31 ديسمبر 1996 يوم انتهاء ولايته كأمين عام للأمم المتحدة، وتختتم فى 31 ديسمبر 2002 فى نهاية ولايته كأمين عام للفرانكفونية. فى القاهرة 4 يناير 1997 استقبله الرئيس الأسبق حسنى مبارك لأكثر من ساعة. يقول غالى:


كان يبدو فى غاية الارتياح، ولمحت فى نظرته بعض التشفى، قال مبارك «لقد نصحتك بأن لا تتحدى الأمريكيين»، ثم يضيف بابتسامة واضحة: «لو كنت أكثر لطفا مع مادلين أولبرايت، لأعيد انتخابك..» لا يبدى أى اعتراض لترشحى لمنصب الأمين العام للفرانكفونية، ويقبل أن يدعم ترشيحى.


القاهرة 10 يناير 1997.. وحيدا فى مكتبتى الكبيرة المطلة على النيل لا أسأم من النظر إليه. هل ترانى أصبت بتركى القاهرة للإقامة فى شارع غينومير، رقم 34، فى منفى باريسى جميل، وربما لإدارة منظمة دولية جديدة؟ قد يكون وجودى هنا أكثر فائدة بالتأكيد، هنا فى أرض مصر حيث شاء القدر أن أولد، وحيث سأدفن فى هذه الأرض العابقة بالذكريات والأساطير، وبالرموز الخالدة المتروكة للغبار.

قد تتلخص مهمتى بطريقة ما فى النضال يوما بعد يوم ضد هذا الغبار الناشئ عن تحالف الصحراء مع البيروقراطية المصرية التى تعيد تجميع قواها دون توقف وتجتاح أرض مصر مع إطلالة موجات الحر الكبرى.


إن التاريخ يثبت أنه لا يمكن لأمة أن تعيش دون أهداف كبرى.

غداة الحرب العالمية الثانية، راح الشعب المصرى يحلم بكل ما هو ممكن: الحصول على استقلاله ورحيل الإنجليز، العمل على إزالة الاستعمار من العالم العربى ومن إفريقيا. وساد إحساس بأن جامعة الدول العربية فى القاهرة، ومؤتمر باندوج، وتأميم قناة السويس، وقيام حركة عدم الانحياز، وإنشاء منظمة الدول الإفريقية فى أديس أبابا، هى محطات متقدمة، وانتصارات وخطوات واعدة للعالم الثالث المتصالح مع المستقبل.


لقد انتهى زمن الاستعمار، واستؤصل نظام الفصل العنصرى، وفقد «عدم الانحياز» مبرر وجوده بعد انهيار حائط برلين ونهاية الحرب الباردة، وتحولت الأمم المتحدة إلى سوق للأوهام. إلى ماذا نتطلع اليوم؟ باسم أى شىء نعبئ جهودنا؟ لقد انكسر زخمنا، حتى الأفكار.

إننا نتخبط فى كل يوم فى وحول الحدث الآنى، دون تخطيط للغد. لقد أُودعت الوحدة العربية على رفوف النسيان.

وفلسطين المستعمرة والمضحى بها هى ذلنا اليومى وإقرار بتنازلنا. لم يبق إلا الولاية الإسلامية، هذه الوهابية المستوردة من بلاد الخليج والتى يغذيها مال النفط. من الجمود إلى التقهقر، ليس هناك إلا خطوة واحدة.

إنها العودة إلى القرون الوسطى، إلى ديانات الزمن الغابر التى تتغذى من الأضاحى الإنسانية والحرب.

غدا، سوف أغادر هذه الأرض الدهرية المسكونة بالنعيم وبالجحيم فى آن. ولكن الرحيل لن يتمكن أبدا من تبديد شغفى بمصر التى أحملها أينما حللت.


باريس 17 فبراير 1997.. «الجماعة الدولية»، إنها العبارة التى كثيرا ما أستعملها فى كتابى الجديد، والتى أفضلها على «المجتمع الدولى»، لأنها تفترض وجود تضامن وتفاعل بين الدول. قوة جديدة تسمح بإضفاء مسحة حضارية على العولمة المتوحشة. كم كانت خيبتى وأنا أقرأ فى مقال أكاديمى، يتحلى بكل الجدية، أن «الجماعة الدولية لا تعنى شيئا سوى تلك المجموعة من الدول التى تسيرها واشنطن، كما يقود الراعى قطيعه».

ما يزيد من خيبة أملى هو اضطرارى للاعتراف بأن ذلك هو الواقع اليوم، وسيكون واقع الغد لمدة طويلة كذلك.


باريس 24 مارس 1997.. نقاش حاد مع لوران فابيويس وزير الخارجية الفرنسية السابق وزوجته، حول الأصولية الإسلامية.

أبديت أسفى، لأن الحكومة الفرنسية لا تشجع الإسلام المعتدل، عن طريق إنشاء مجلس تمثيلى، وتشجع بناء المساجد، وتعيين مسلمين فرنسيين فى مراكز قيادية.

لا يوجد وزير مسلم واحد، ولا نائب مسلم واحد. بتهميش المسلمين على هذا النحو، تعبّد فرنسا الطريق أمام الأصوليين القادمين من مصر، وشمال إفريقيا، مزودين بالمال السعودى.

تبدو فرانسواز فابيوس بالغة الحماس. لا تشاركنى فى التحليل فحسب، وإنما تدعم اتخاذ مبادرة فورية. ينتقل الحديث إلى الوضع فى الجزائر.

أقول إنه يجب مساندة الجنرال زروال وحكومته، لأنه إذا حصل وسيطر «أصحاب اللحى» على الحكم، يخشى أن تنهار أنظمة شمال إفريقيا كلها، بما فى ذلك ليبيا ومصر. أتساءل إن كانت هذه النخبة من أهل الفكر الذين تركتهم منذ قليل، تعى الخطر المتمثل من الأصولية التى تتنامى على ضفاف المتوسط الفقيرة؟ مجموعة من حوالى مئة متطرف يمكنها تحويل فرنسا إلى نموذج شبيه بأيرلندا الشمالية.


يبدو أن الذين حادثتهم هذا المساء على قناعة بأنهم يستطيعون مساكنة الأصوليين أو التعايش معهم بطمأنينة، داخل فرنسا وخارجها.

كان لابد من عملية التفجير فى مبنى التجارة العالمى على يد مجموعة الشيخ عمر عبد الرحمن، لكى يدرك الأمريكيون الخطر المحدق بهم.

أخشى أنه يلزمنا تفجير مماثل تحت برج إيفل أو قوس النصر لتبادر الحكومة إلى بلورة مشروع كبير يقضى باستيعاب الإسلام المعتدل، واستئصال الإسلام المتطرف من فرنسا.


نيويورك 19 مايو 1997.. احتفال فى سفارة اليابان. بعد خطاب تقريظى، يقلدنى السفير هيزاشى أوادا وسام الشمس المشرقة، وهو أعلى وسام فى اليابان، بحضور كل أصدقائى النيويوركيين.


باريس، بيجين، داليان 5 سبتمبر 1997.. أشعر بالحاجة إلى المواظبة على الذهاب إلى الصين لمحاورة المسؤولين والمثقفين. هذا الأمر يساعدنى على التخفيف من تركيزى على أوروبا، وعلى الانخراط فى الحضارة الكونية بشكل أفضل.


لومى 30 سبتمبر 1997.. اتصال هاتفى من السفير على ماهر يزف إلى أخبارًا سارة.

قرر قصر الإليزيه وقصر ماتينيون توظيف كل إمكاناتهما من أجل دعم ترشيحى.


هانوى، باريس 17 نوفمبر 1997.. أغادر إلى باريس. فى أثناء توقف الطائرة فى بانكوك، يصلنى خبر اغتيال سائحين سويسريين ويابانيين فى الأقصر. أشعر بالتحطم.

وتنهار دفعة واحدة كل النعم التى ساقها إلى القدر بسخاء فى الأيام الماضية.

أشعر فى أعماقى بقلق على مصر. لن تتحول مصر أبدا إلى إيران أخرى أو جزائر أخرى.

ولكنه جزء من الاقتصاد المصرى ينهار اليوم. فالسياحة تدر فعليا على مصر أكثر من مليار دولار فى السنة.


باريس 29 مارس 1998.. ها قد مضى زمن لم أكتب فيه باللغة العربية. أجد صعوبة فى صياغة الجُمل.

يجب أن أقرأ نصا كلاسيكيا لأسترجع إيقاع وعذوبة لغتى الأم.

أنتبه أن فى مكتبى نسخة من القرآن الكريم، فأغوص فيها لنصف ساعة.

فى نهاية فترة ما بعد الظهر، أسترجع أخيرا مرونتى السابقة فى الكتابة، وأشعر بفرح طفولى، وأنا أنسق الجُمل، أكتب من اليمين إلى الشمال.

منذ زمن بعيد وأنا لا أكتب إلا من الشمال إلى اليمين.


باريس 25 مايو 1999.. لقد تسلمت هذا الصباح، الطبعة الروسية لكتابى «طريق القدس».

إن مقارنة لأغلفة الإصدارات المختلفة أمر مثير للاهتمام إن لم نقل حافل بالمعانى.

فالتنوع الثقافى يظهر هنا من خلال اختيار الصور. لقد اختار الروس صورتى مع موشى دايان، والتى ظهرت على غلاف الطبعتين الأمريكية والإسرائيلية، بعد أن أضيفت إليها منحوتة فرعونية وغصن زيتون.

أما الصينيون، فلم يروا من المناسب اعتماد هذه الصورة، واستبدلوها بتمثال نصفى لأحد الفراعنة، وخلفه الأهرامات.

فمصر القديمة هى التى تحظى باهتمام الجمهور قبل أى شىء آخر وليس فى ذلك مكافأة لمن خدم مصر الحديثة ما يقارب الخمسين سنة!


باريس 12 مارس 2000.. أخيرا أعود إلى البيت. أحس هذا المساء بنهم شديد للعمل. أحضر الاجتماع المقبل للجنة الخبراء الدوليين، فى اليونسكو. تمنحى الكتابة متعة كاملة، نوعا من الفرح يصعب تحليله.

حتى أننى أجد لذة فى التعب الجسدى الذى أحس به بعد عدة ساعات من الكتابة.


باريس 9 يناير 2001.. لابد أننى أنزع إلى تعذيب نفسى بإصرارى عن ما يدافع عنه، الدفاع عن السلام فى الشرق الأوسط، بينما لا يزال مجرد الأمل فى السلام يبتعد. الدفاع عن الأمم المتحدة، بينما تزداد ضعفا يوما بعد يوم.

الدفاع عن الفرانكفونية، وعن حوار الثقافات، وعن التضامن بين الشمال والجنوب، بينما تفرز العولمة المتوحشة أيديولوجيا التنميط والأنانية الضيقة.


جنيف 27 سبتمبر 2001.. أتناول الطعام مع خوان سومافيا وزوجته. يدور الحديث حول أحداث 11 سبتمبر وما يرمز إليه هذا التاريخ.

أذكر بتطبيق فرض نظام الانتداب البريطانى فى فلسطين فى 11 سبتمبر 1922، وكذلك بسقوط قرطبة، العاصمة العربية، فى يد فرديناند الثالث، فى 11 سبتمبر 1236.

لكن نهار 11 سبتمبر 2001 استثنائى وحديث العهد. وسيبقى بلا شك محفورا فى ذاكرة الناس لسنوات طويلة.


القاهرة 30 ديسمبر 2002.. خلال الأيام الثلاثة الأخيرة تحدثت إلى أعضاء مختلفين فى الحكومة والمعارضة، وعلى الأخص ممثلى الجيل الجديد.

أمضيت أكثر من ساعة هذا الصباح أتناقش فى مستقبل مصر مع رئيس الوزراء عاطف عبيد.

لا أعلم إن كان تفاؤله صادقا أو أن مهامه على رأس السلطة التنفيذية هى التى تفرضه عليه.. خرجت من كل هذه اللقاءات خائب الأمل محبطا.


القاهرة 31 ديسمبر 2002.. أنا يائس هذا المساء.

لم يبق لى سوى وقت قليل جدا لأفكر، لأعمل، لأبنى، وقت قليل جدا لأغزو العالم.

بضعة أقمار أيضا.

حتى انتهى بدر البدور.
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات