.

وهم تطبيق الشريعة الإسلامية الذى يتجاهل حركة الزمن

Foto

ما دور العقل فى ظل نصوص دينية -قرآنًا وسُنة- محدودة متناهية فى مقابل حوادث متجددة غير متناهية؟


وهم شعار تطبيق الشريعة الإسلامية هذا الشعار الذى داعب عقول كثير من الشباب، فى فترات الانحطاط والتراجع فى حقب سابقة، كان يستغلها المتاجرون بالدين لرفع شعار «تطبيق الشريعة الإسلامية»، وأن ما حل بنا ما هو إلا عقاب إلهى لما فعلناه من ترك شريعته إلى شريعة البشر، وهذا ما روجه المودودى وسيد قطب واندفع وراءهم كثير من المشايخ وما يسمون بالدعاة، ولذلك سأتعرض لبعض الكتب المهمة لكبار مفكرى الإسلام السياسى وتحليل بعض كتاباتهم؛ حتى نستطيع رؤية المواقف من عدة زوايا وسأبدأ بكتاب مهم للدكتور أحمد كمال أبو المجد وهو:


«حوار لا مواجهة».. أحمد كمال أبو المجد صـ 34 وصـ 35 ويقول فيه:
معالم التيار الإسلامى هو الغالب فى صدور جيل بأكمله من الشباب تحدثه به نفسه، ويخافت به خشية الاتهام بالابتداع والضلال والخروج والمروق إلى آخر هذه الصيحات التى يقذف بها فى وجهه سدنة فكر متخلف يحملون سعة الإسلام على ضيق أفقهم، ويحملون سماحته على ضيق صدورهم، ويلوون وضوح مبادئه المستقيمة لتلاقى التواء مزاجهم وطبعهم.


أولاً: إن إقامة أحكام الإسلام فى عصرنا تحتاج إلى اجتهاد عقلى كبير، وللعقل سبيل إلى ذلك لا يسع عاقلاً إنكاره، فالنصوص قرآنًا وسنة محدودة متناهية والحوادث متجددة غير متناهية.. وحركة الزمن سنة من سنن الله، وحركة التشريع لملاقاة تلك الحركة أمر من أمر الله.. خلود الإسلام وصلاحية شريعته لكل زمان ليستا سرًّا ولا خرقًا لنواميس الحياة تحار فيهما الألباب.


وإنما هو خلود مستمد من قدرة الشريعة على هذا التجاوب، ومن اشتمالها على أدوات الحركة ومقومات التجدد.. وما فتح الباب للاجتهاد بالإجماع والقياس وطلب المصلحة، واعتبار العرف، إلا هداية إلى أبواب هذه الحركة ومدخلا لتحقيق المصالح، ودرء المفاسد، وتثبيتًا لما ينفع الناس، وباطل ما شغبوا به، وجدل فاسد ولعب بالألفاظ، من أنه لا مدخل للعقل فى التشريع؛ لأن الحكم لله وحده وحق التشريع لا يملكه أحد سواه، دخولاً فى طاعته، اعترافًا بحاكميته.. باطل ذلك بالعقل، وبالنقل المتواتر.. وبما تدل عليه بداهات الأمور.. باطل بالعقل لما قدمناه من تناهى النصوص وتجدد الحوادث.


وباطل بالنقل الثابت فى حديث معاذ حين ولاه النبى «صلى الله عليه وسلم» قضاء اليمن وسأله عما يفعل إذا عرض له قضاء.. وافترض عليه السلام أن أمورا سوف تعرض لمعاذ فى اليمن لا يجد لها حلاً فى كتاب الله ولا فى سنة رسوله عليه السلام، ولذلك أقره على اجتهاده اجتهادًا لا يقصر فيه، وأعلن أن ذلك مسلك من رسول الله يرضى عنه الله ورسوله، وباطل أن الاجتهاد فى التفسير حين يوجد النص، والبحث عن الحكم حين لا يسعف النص.


والاجتهاد الذى نحتاج إليه اليوم ويحتاج إليه المسلمون، ليس اجتهادًا فى الفروع وحدها.. وإنما هو اجتهاد فى الأصول كذلك.. وكم من مسألة تواجه المسلمين اليوم فإذا بحثوها وأعملوا الجهد طلبًا لحكم الإسلام فيها أفضى بهم بحثهم إلى وقفة مع الأصول.. فقد يكون سندها حديثًا ضعيفًا لا يعرفون ما يصنعون به.. وقد يكون مصدرها إجماعا سكوتيا يعارض حديثا ضعيفا.. أو قياسا يأخذ به فريق ويرده آخرون، وليس ما تردده الكثرة الغالبة من المعاصرين من امتناع فى الاجتهاد فى الأصول إلا التزامًا بما لا يلزم، وتقصيرًا فى بذل الجهد بحثًا عما ينفع الناس.. وما قبلته هذه الكثرة من كلام الإمام الشاطبى فى كتاب «الموافقات» من أن أصول الشريعة كلها قطعية «ومن ثم لا يسوغ الاجتهاد فى شأنها» يحتاج إلى وقفة تأمل ومراجعة؛ لأن الأمر أخطر وأجل من أن يسلم فيه لفقيه مهما علا قدره، وقد استدرك على ذلك غير واحد من العلماء الثقات كالإمام الشوكانى، والقاضى أبى بكر الباقلانى وتابعهما فى هذ الاستدراك كثير من المحدثين والمعاصرين.


يؤكد بوضوح أنه حتى ما يسمى أصول الشريعة الإسلامية ليست قطعية فما بالك بالفروع، وهو يؤكد أن الاجتهاد فى الأصول والفروع أيضا، مما يؤكد أن العقل هو مصدر التشريع الحقيقى بناء على المصلحة واستئناسًا بالفقه القديم لا الوقوع فى أسره.


 «صـ 36»
ما يسميه كثير من الناس «التراث» ويدعون إلى المحافظة عليه والالتزام به؛ حرصًا على الأصالة، يحتاج إلى ضبط وتحديد وبيان لمكونات.. ووزن لموقعها من الإسلام وموقع الإسلام منها، فالتراث تعبير غامض يشير إلى النتاج الحضارى للأمة منذ اكتملت لها مقوماتها.. وتراث الأمة الإسلامية، على تنوعه واختلافه باختلاف الزمان والمكان، هو مزيج من أمرين: من روح الإسلام ومبادئه ونصوصه وتوجيهاته.. ومن أمور لا تتناهى عددًا من ظروف البيئة وخصائص الشعوب والأمكنة وملابسات الحوادث.. والالتزام بها لا يلزم، وتوسيع غير جائز لرقعة الإسلام بإضافة ما ليس منه.. وتعبد بما لا قدسية له.. وتثبيت لما لا حاجة لأحد فى تثبيته، ومن هنا أقول مع القائلين إننا نحتاج إلى فرز التراث من ناحية وتجاوزه من ناحية أخرى.. نفرزه لنعرف مايعد منه إسلامًا، وما يعد من عامة أحوال الناس وظروف الزمان والمكان.


هذا مانقوله منذ صدور العدد الأول من جريدة المقال، ونحن نركز على تلك القضية المهمة، وها هو العالم الجليل، يطرح تلك القضية منذ أكثر من عقدين من الزمن وأنه لا قدسية للتراث، وأنه ما هو إلا منتج حضارى بشرى وأنه يجب فرزه، ولكن تلك الأصوات العاقلة والرشيدة تاهت تحت صيحات المتشددين والراديكاليين، ففى الوقت الذى كان يكتب فيه أبو المجد مقالاً فى صحيفة، أو كتابًا لا يقرؤه إلا عشرات الأشخاص النخبويين، القابعين بأفكارهم فى حجراتهم المغلقة، كان الآخرون يملؤون الدنيا ضجيجًا وصخبًا عن الحاكمية وتطبيق الشريعة الإسلامية والإسلام هو الحل، فتاهت تلك الأقوال فى رقعة الضجيج والصخب التى ملأت المجال العام، الآن اختلف الأمر، فسنملأ نحن الدنيا صخبًا وضجيجًا عن ضرورة التنوير برفع الغطاء الدينى عن تاريخ بشرى امتلأ ظلمًا ودمويًّا على المستوى السياسى، وتراث فقهى بشرى احتوى على كثير من الدموية التى تبرر لسلطات استبدادية، كانت ترغب فى توسع إمبراطورى بغطاء دينى، وانساق كثير من الفقهاء، فى تدشين هذا الغطاء الدينى، سنرفع هذا الغطاء الدينى، ليأخذ حجمه فى إطاره السياسى، الذى يتيح لنا نقده وتشريحه.


ويستطرد الدكتور أبو المجد:
ولا بد أن نفرق بين الشريعة والفقه، فالشريعة هى الجزء الثابت من أحكام الإسلام، الثابت فى النصوص القطعية فى ورودها ودلالتها، والفقه تفسير الرجال لهذا الجزء الثابت المستمد مباشرة من النصوص القطعية، وقياساتهم عليه، واجتهادهم فيما لا نص فيه، وترجيحهم بين ما بدا تعارضه من الأدلة وهو اجتهاد بشر، يتفقون ويختلفون، وقلما يجتمعون وخطؤهم وصوابهم ليس تشريعًا ولكنهما يعكسان حظ كل واحد منهم من المعرفة بالوقائع ومصادر الأحكام، وقواعد التفسير، وأصول الترجيح كما يعكسان ظروف الزمان والمكان.. ويعكسان بعد ذلك كله رأيه ورؤيته للقيم والمصالح والاعتبارات.. وهو فى ذلك كله يرمز إلى الجزء المتغير من تراث الإسلام.


تلك هى الحقيقة الناصعة، فالنص القطعى يميل إلى العام من المبادئ والقيم، أما التخصيص فى قضية قطع يد السارق وجلد الزانى، فسيكون لها مقال مطول، وما يأتى بعد ذلك ترجيحات فقهاء، بمعنى أنه بشرى فى بشرى، ولا أنسى هذا الشاب الملتحى صاحب محل الكشرى، الذى دخل فى نقاش مطول مع أحد زبائنه، فى أثناء كتابة دستور 2012، ورغم أنه كان يصوغه التيار الإسلامى منفردًا ولكنه اعترض قائلاً: كيف يصنعون دستورًا بشريًّا ونحن لدينا القرآن وهو دستورنا، وتداخلت فى النقاش، محاولاً إقناعه أن القرآن لم يأت مفصلاً، وأن أمور الحياة تحتاج إلى البشر؛ لكى ينظموها، وضربت مثالاً بمحله التجارى، وكيف ينظم القانون علاقته بالمؤسسات من تموينية وصحية وضرائبية وغيرها، وكثيرا مايدخل التجار فى نزاعات على المسافات البينية بين المحلات، أو حتى المساحة من الشارع التى يحق له التوسع فيها؛ لأنها تمثل إضرارًا بالجار، ويتدخل القانون لحل تلك النزاعات لا القرآن، انتفض وقتها متفلسفًا، وقال لى: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»، بادرته قفشتك، بس أهل الذكرـ هو البرلمان، ولكنه أعادنا للمربع صفر، ولكنهم لا يحكمون بما أنزل الله وسيستدرجك إلى قضية المعاصى، سواء الشواطئ أو بيع الخمور أو حتى البنوك، وأيقنت أنه من الصعب شرح له زوايا وأبعاد القضية، وعلمت عظم البلوة التى خلفها لنا النظام السابق بتركه المجال العام لهؤلاء.


ويستطرد أبو المجد:
شمولية الإسلام صـ 38
إنه إن كان الإسلام نظاما شموليا بحكم وحدة مصدره، وترابط قيمه وأحكامه، وبحكم وحدة الكيان الإنسانى الذى يتعامل معه.. وإذا كانت هذه الشمولية تجعل منه دينًا ودولة وعقيدة ونظامًا كما يقال بحق.. فإن هذا لا يعنى بالضرورة أنه فصل أحكام بناء الدولة ودقائق نظام الاقتصاد.. ولن ينقص من هذه الشمولية بحال أن يكتفى بتقرير المبادئ الأساسية التى تتصل اتصالاً مباشرًا بالقيم العليا التى جاء لنشرها وتثبيتها بين الناس كقيم العمل والحرية والمساواة بين الناس وتقديم الخير والإحسان، وإفشاء الود والسلام، وتعميق الروابط بين الإنسان وتربية العقول وتحريضها على التأمل فى الكون واستكشاف الجديد من خباياه، ولكنه لا يشغل نفسه بتفاصيل يمكن أن تهتدى إليها العقول وهى تطلب مصالحها وتجتهد فى هذا الطلب.. أو بجزئيات تتساوى وإن اختلف فى مدى ارتباطها بالمبادئ الأساسية والقيم العليا للإسلام.


بوضوح الشمولية شمولية المبادئ العليا، الحرية، المساواة، العمل، الإحسان، إفشاء الود، التفاصيل للتطبيق النسبى لتلك القيم للعقول البشرية.
صـ 40


ومن العجيب المؤسف أن جماعات من حولنا تجمع مئات من الشباب على هذه الجهالات المدمرة، وتستخدمهم وقودًا للوثات فى العقول أو أمراض فى الصدور والدول الإسلامية تكتفى بأن تسلط عليهم أجهزة الأمن والنظام تتعقب ثمرات انحرافهم، دون أن تعالج الأمر فى منبعه وأصله بتصحيح الموقف النفسى للشباب المسلم من الدنيا التى تحيط به.


قال أبو المجد هذا الكلام، فى وقت العنف المتواضع، اغتيال خاطف لضابط هنا أو مسيحى هناك، يا ترى ما رأيه، ونحن الآن أمام عنف أسطورى متجاوز، سادية فى استعراض هوليوودى، ذبح جماعى هنا، وحرق بطىء هناك، فإذا كان السابق لوثات عقول وأمراض صدور، فبماذا نسمى مايحدث الآن، ولكنه أكد ما تداولناه كثيرا وهو الاكتفاء، الحلول الأمنية التى أثبتت فشلها فى حال استخدامها منفردة، دون استراتيجية عامة يقودها رجال الفكر وأصحاب الحكمة ولدينا منهم الكثير، منهم كاتبنا الذى نتناوله الآن الدكتور أبو المجد فهل استشاره أحد؟ لا أدرى.


يستطرد أبو المجد:
أما الأحاديث النبوية فمعروف أنها لم تدون فى عصر النبى «صلى الله عليه وسلم» مخافة أن تختلط بالقرآن وإنما بدؤوا فى تدوينها فى العصر الأموى حين كتب الخليفة عمر بن عبدالعزيز إلى أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وإلى محمد شهاب الزهرى؛ ليبدأ فى جمع أحاديث النبى وكان ذلك فى العام المئة من الهجرة، ولم يتم التدوين المكتمل مع ذلك إلا فى العصر العباسى أى فى القرنين الثانى والثالث للهجرة وقام هذا التدوين على اعتماد رواية الرواة بعضهم عن بعض حتى تتصل الرواية بالنبى «صلى الله عليه وسلم» ويكون لنا من اتصالها ما يعرف بسند الحديث ولقد قسم العلماء الأحاديث المختلفة بحسب تفاوتها فى قوة السند أقسامًا متعددة.. ولكن الدقة البالغة والاحتياط الشديد والجهد العلمى، لا مثيل له.


ولكن تحديد ما يعد تشريعًا وما لا يعد تشريعًا.


تحديد ما يمكن أن يتغير من الأحكام بتغير الزمان، وما لا يتغير.


عمر بن الخطاب يقول: ما لنا وللرمل؟ كنا نتراءى به بين المشركين «أى نريهم قوتنا» وقد أهلكهم الله ومع ذلك فإن ما يلفت النظر أن عمر عاد فقال: «ولكنه أمر فعله رسول الله» ورمل.


ربما سأختلف مع العالم الجليل الدكتور أبو المجد فى قضية علم الرجال وهى قضية عليها خلاف كبير، ولا أراها إلا اشتغاله لسبك الدجل والشعوذة التى مورست علينا على مدى قرون عديدة؛ لتثبيت المهتز وإقناعنا بتماسك الرخو، وخصوصا أن من وصفهم البخارى بالعدول «التعديل» وصفهم مسلم بالمدلسين «جرح» وهو ما أطلقوا عليه علم الجرح والتعديل، فقد رفض مسلم 425 راويًا من إجمالى ما يقرب الألف راوٍ من رواة البخارى، أما قضية عمر بن الخطاب، فهو أهم مجدد فى الإسلام على الإطلاق، ففى قضية الرمل، كان يراها ذات مغزى انتهى زمنه، ولكنه عداها بالمعنى البلدى، وكذلك وهو يشير إلى الحجر الأسود، قال أنا أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولكن فعلها رسول الله، ولكن فى قضايا أخرى تتصل بالسياسة، ماعداهاش، قضية المؤلفة قلوبهم، والموجودة بنص صريح، رفضها واعتبرها زمنية، وكذلك قطع يد السارق، عطلها فى عام الرمادة، حتى المرأة الزانية التى أتوا بها وهى حامل من غير زواج، فسألها عمر هل زنيت، فقالت له، لقد كنت أطوف بالكعبة، حتى أخذنى الإرهاق والنعاس، فنمت، فاستيقظت فوجدت رجلاً يتفخذنى وينتفض فى، فحملت، فقال اتركوها إنها امرأة نوَّامة.


مما يعنى أن النص فى أغلبه مجمل غير مفصل، وحتى فى النصوص المفصَّلة، فإنزال المثالى على الواقعى يحتاج إلى العقل البشرى الزمنى الذى يخلق التوازنات.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات