.

المصلحة العامة والنص القرآنى

Foto

هل هناك ما يسمى الشريعة الإسلامية أم أنها خديعة كبرى؟لاهل ما زلنا فى حاجة إلى تجاوز النص القرآنى لتحقيق المصلحة؟


أثار عقلى ما قاله الدكتور محمد عمارة فى حواره مع جريدة «المصريون»، خصوصًا فى ما يتعلق بوجود سبعة مجلدات تمثل الشريعة الإسلامية، عكف على صياغتها 200 عالم مع الدكتور صوفى أبو طالب، وأنتجوا هذا المنتج الكبير، وقال فى سياق كلامه إنها شريعة الله وليست شريعة البشر، وعندها علقت على كلامه بتغريدة: إذا كانت شريعة الله وليست شريعة البشر فما الحاجة لمئتى عالم ولصوفى أبو طالب؟

 

الدكتور عمارة نفسه هو مَن استدعى قول الإمام الطوفى بأن المصلحة فوق النص، وأيده فى كتابَيه «الدولة الإسلامية بين الدولة العلمانية والدولة الدينية» و«نهضتنا الحديثة بين العلمانية والإسلام»، وقال معلقًا على وقف عمر بن الخطاب سهم المؤلفة قلوبهم لرأيه أن الرسول كان يعطيهم والإسلام ضعيف، أما الآن فلا حاجة للإسلام بهم.. قال إن عمر رآها من أمور السياسة وليست من أمور التشريع الملزمة، وهنا لنا وقفة، فمن الممكن -إذن- أن يكون هناك نص صريح محكم كما يقول الفقهاء، ويتم إيقافه بمنتهى السهولة لأن القائد أو الزعيم أو الرئيس يراه غير ملزم، وأنه ليس من أمور التشريع.
 

وبالعودة إلى عمر فقد أخذ قرارين آخرين مخالفين للنص القرآنى، أولهما تعطيل حَد السرقة فى عام الرمادة، الذى امتد لاحقًا، والآخر إيقافه الأربعة أخماس المذكورة فى القرآن، فقد حكم النص القرآنى بأربعة أخماس من الغنيمة للمقاتلين، وخُمس للدولة «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» «الأنفال- 41».
 

رأى عمر أن الأربعة أخماس كانت توزع لتحفيز المقاتلين وقت أن كانت الغنيمة درعًا وسيفًا، بردعة وحصانًا، عباءة معفرة من أثر الحرب وخاتمًا ذهبيًّا، أما بدخولهم العراق والشام وحصولهم على ملايين الهكتارات من الأراضى الزراعية والجنائن، فلو وُزعت هذه على الجنود أو أربعة أخماسها، لَحصل كل جندى على جنائن غنّاء على أنهار صافية وهم قادمون من صحراء قاحلة، فما شأنهم بالحرب بعد ذلك وقد امتلكوا جنائن تغنيهم العمر كله، وملكوا الجوارى والغلمان! فكانت مصلحة الدولة أن تستمر الحرب ويستمر التوسع الإمبراطورى، فمَن بدأ طريقًا عليه أن يكمله للنهاية حتى آخر الشوط، فرفض إعطاءهم تلك الأراضى وقال إنها حق الأجيال القادمة، التى اختطفتها الخلافات اللاحقة، وأقطعوها لذويهم وأقاربهم وذوى الحظوة عندهم.
 

وإذا كان المبدأ قد أقره عمر تبعًا لظروفه الخاصة فى هذا الزمن، فهل وقف الزمن عند عمر بن الخطاب ولم تأتِ الحقب الزمنية بالجديد الذى يحتاج إلى تجديد وإلى تجاوز النص؟! أعتقد أنه ما زال هناك الجديد، وسأتحدث عن قضيتين فى هذا المقال وإن كانت الأمور كثيرة ومتعددة.
 

التبنّى
 

«وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا (36) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِى أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا» «37- الأحزاب».
 

اعتبر الفقهاء أن هذه الآية تحرّم التبنّى، وبنوا على ذلك أحكامهم الفقهية، والكل يعلم أن لدينا فى مصر عدة ملايين وليس عدة آلاف من أطفال الشوارع، ونشأ جيل ثانٍ من أطفال الشوارع بعد التزاوج، ونحن أمام قنبلة موقوتة، ولدينا ملايين أيضًا من أصحاب العقم وعدم القدرة على الإنجاب، أو مَن لديهم السعة المالية لزيادة الأبناء ولهم الرغبة فى ذلك ولكن القوانين تمنع ذلك، أو بمعنى آخر لا تعطيهم حقوق التبنى الكامل واكتساب اسم المتبنى، ويصبح أمام المجتمع لقيطًا، ولدينا ثقافة فاسدة فى العالم العربى عن اللقيط، وهى شديدة السلبية وأنه «ابن حرام» بالمصطلح الشعبى، وهو مغتال معنويًّا ولا يرغب أحد فى تزويجه ولا يعيش عيشة طبيعية، وقد عايشتُ حالات مأساوية فى هذا النطاق، وأصبحت مثار دهشة فى مدينة 6 أكتوبر، حيث تحولت معظم دور الأيتام التى تأوى هؤلاء إلى مرتع لتجارة المخدرات والدعارة وكل الموبقات.. ما دام المجتمع لا يقبلنا فلننتقم من المجتمع!
 

فالمجتمع الشرقى يعاقب الطفل بذنب لم يقترفه، وقال أحدهم فى أحد المقالات إن صديقًا له ذهب وتبنى مسلمًا من الصين لأن القوانين هناك تسمح بذلك، فما المانع أن نتجاوز آراء الفقهاء لنحل معضلة كبيرة فشلت الحكومات المتتابعة فى حلها، لأنهم وقعوا أسرى النص الفقهى؟ وقد قالت القيادة السياسية فى فترة من الفترات إن الجيش سيتولى تدريبهم وتشغيلهم، وفضلًا عن عدم تنفيذهم ذلك فإنه لن يحل الوضع النفسى المأزوم لهؤلاء، ومن المتوقع ارتفاع هذه الأعداد بسبب تراجع الإقبال على الزواج بسبب كلفته المادية الكبيرة، وسينتشر لاحقًا أبناء غير شرعيين، ناهيك بظهور مصطلح «السنجل مازر»، فهو يخص طبقة معينة تقدر فيها الأم على تولى مسؤولية هذا الطفل، أو تحمل أسرتها ذلك، وهى نسبة لا يبنى عليها.
 

القضية الثانية قضية «لا وصية لوارث»، وهو ليس نصًّا قرآنيًّا ولكنه منسوب للحديث وللنص النبوى.
الأمور تغيرت بشكل كبير فى السنوات القليلة الماضية فى مصر، معدلات تضخم عالية. ولنضرب مثالًا بأب لديه أربعة أبناء قام بتزويج فتى وفتاة، وتلك الزيجتان تتكلفان الملايين بحسابات هذه الأيام، فالفتى فى حاجة إلى شقة ومهر وشبكة وأثاث وخلافه من احتياجات الزوجية، وربما لا تكون الزوجة مطالبة بشقة ولكنها مطالبة بالمشاركة فى التأثيث وفى احتياجاتها الشخصية والأفراح ولوازمها، وبقى لدى هذا الرجل فتى وفتاة لم يصلا بعدُ إلى سن الزواج أو ما زالا فى مراحل التعليم، أو لم يأتِ النصيب، فهل من المنطقى والعقلى أن يتم توزيع التركة بعد موت هذا الرجل بالتساوى بين الفتى الذى تزوج من أموال أبيه والذى لم يتزوج، وبين الفتاة التى تزوجت من أموال أبيها والفتاة التى لم تتزوج؟! ربما يقول قائل: من حقه الهبة على حياة العين وأن يهب للمتبقين مبالغ مساوية، وهذا الاقتراح له مساوئه فى ظل ظروف اقتصادية ومادية صعبة، فربما فى سنه المتقدمة يحتاج إلى رعاية صحية خاصة أو عملية، ويضطر إلى أن يستجدى من أولاده ما قد وهبهم إياه، ولهم القبول أو الرفض، خصوصًا إذا كانت شقة قد خطب على أساسها الشاب أو احتياجات الفتاة لتجهيز نفسها، ولكن إن أتيحت له الوصية للورثة فهذا سيكون أكثر أمانًا، أن يوصى لهم بأموال مقطوعة بعيدًا عن التوزيع الشرعى للميراث، وإذا امتد الزمن وزوّج أحدهم يُعيد ترتيب الوصية ويُخرج الذى تزوج من الأموال المقطوعة، ناهيك بحالات خلفة البنات، التى تتزايد فيها حالات رفض الأب أن يشارك الأعمام بناته فى الميراث، فيلجأ إلى الهبة على حياة العين، خصوصًا إذا كانت الممتلكات عبارة عن عقار أو شقة، ولا يريد أن يشاركهن الأعمام، والموضوع شديد التعقيد، فمن حق الورثة أن يُخرجوا هؤلاء البنات من شقة ربما تأويهن لأنهم يشتركون معهن فى الميراث، وهذا أيضًا موضع حرج كبير لو امتد العمر بالوريث، وربما تزوجت بناته وأصبحت لديهن بيوت هى أهم لديهن وأحب من الأب، فيتم إهماله وعدم رعايته صحيًّا رغم أن المال ماله، لأنه تورط ووهب على حياة العين، فلماذا تضعون الأسَر فى هذا الحرج الاجتماعى البالغ بسبب نص تجاوزه الزمن، والمصلحة توجب تغيير هذا النص أو تجاوزه لاعتبارات المصلحة؟

 

ما كان جائزًا لعُمر فى عصور سابقة هو جائز اليوم لنا، ليس لأفرادنا ولكن لأهل الحل والعقد لدينا، وهى الهيئات البرلمانية المنتخبة والمجالس التشريعية، بعد مناقشات مستفيضة والخروج بصياغات ملائمة بعد تداول الآراء.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات