.

الشيطان لم يظهر فى صورة شيخ من نجد

Foto

ما الطغيان الذى شهدته مناطق الأنهار ومناطق البداوة؟ لماذا كانت العلاقة بين أهل نجد ورسول الإسلام عدائية؟


لسنا ممّن يأخذ بالأسطورة فى فهم دين الله، ولا نحاول الهجوم على شخص أو شعب بناءً على نبوءة مكتوبة أو رواية مشهورة، تلعن شعبًا أو تدعو لشعب، وأيضًا لا نرى ضرورة من تمييز دين عن دين أو شعب عن شعب إلا بمخرجات حضارته، وهذا لا يمنع من الإيمان الروحى والتصديق بوجود الله الخالق وبمعجزات الأنبياء وكل الغيبيات، ولكننا فى المقابل نجد أن خصائص معينة تدمغ شعبًا بالحضارة أو البداوة أو الكسل أو غيرها، ربما تصدق عليها مقولة إن «الجغرافيا تصنع التاريخ» فبلاد الأنهار شهدت الحضارة وشهدت الطغيان معًا، كما يرى الراحل الدكتور جمال حمدان فى كتابه «شخصية مصر»، وهو عكس ما شهدته مناطق البداوة، فلا توجد أرض يتصارع عليها الناس ولا نهر يتحكم فيه مُستبد، فعاش الناس أحرارًا، ولكنهم اعتنقوا الفوضى والجفاء والجلافة، وذكرهم الله تعالى فى سورة «التوبة: 97»: «الأعراب أشد كفرًا ونفاقا»..

 

والأعراب هم مَن يعيشون فى البوادى، لا يتواصلون مع غيرهم من الشعوب فعاشوا العزلة الجغرافية، ومن ثم صاروا أعداء لأى تجديد، وإيمانهم إيمانًا وحشيًّا عدائيًّا، فالمفترض أن الإيمان يرقق القلوب، ولكن إيمان الأعراب قاتل فاتك، كما نشهد مع تيارات الإرهاب، فهم معزولون أو أعراب حتى لو عاشوا فى دول الغرب أو مدن الحضارات، فالشعوب التى دانت بالإسلام نجد فيها تفاوتًا بين مَن قدّمت للإسلام بعد أن أخذت منه، وهذا يتفق مع العمق الحضارى لهذا الشعب أو ذاك، نجد -مثلًا- أن علوم القرآن الكريم نبتت وأثمرت فى مصر، وعلماء الكيمياء والفلك نبتوا فى بلاد فارس.

 

وهنا نتوقف لنلاحظ أن أكبر شعبَين أثَّرا فى تاريخ المسلمين أخذوا الإسلام ورفضوا اللغة، وهما إيران الشيعية وتركيا السُّنية، لأسباب يطول شرحها، والمفيد هو أنه ليس بالضرورة أن يفتخر مسلم على مسلم غيره لأنه يتحدث العربية، فالأصل هو العمق الدينى والتوافق مع الإسلام كدعوة إسلامية تسامحية، وكل هذا يقودنا إلى الحديث عن موقف عن منطقة صحراوية ظلت منذ الزمن الأول للإسلام حتى الآن تدين بالإسلام، ولكنه تديّن عنيف مؤذٍ، وهى منطقة نَجد بشبه الجزيرة العربية.

 

وربما بسبب هذا التشدد الدينى جاءت كتب التاريخ لتؤكد أن الشيطان تمثَّل فى صورة رجل من أهل نجد، روت كتب التاريخ أن الشيطان رآه الناس عيانًا وكلموه وناقشهم وناقشوه.

 

ذكر محمد بن إسحاق فى السيرة النبوية لابن هشام أنه «لما اختلفت قبائل قريش حول أحقية كل منها فى شرف وضع الحجر الأسود بركن الكعبة، اتفقت على تحكيم محمد بن عبد الله، وكان ذلك قبل البعثة بخمس سنوات، فحكم الرسول باشتراكها معًا فى رفع الحجر، وقبلت قبائل قريش بحكمه، فصاح شيخ نجدى قائلًا: يا معشر قريش، قد رضيتم أن يليه هذا الغلام دون أشرافكم وذوى أسنانكم»، وذكر أيضًا أنه لما قرر شيوخ قبائل قريش تدبير خطة للتخلص من الرسول اتفقوا على الاجتماع فى دار الندوة بمكة، وعند باب الدار قابلهم شيخ جليل حسن المظهر، يرتدى ثوبًا غليظًا، فسألوه: مَن الشيخ؟ فقال: شيخ من أهل نجد، علم بخبركم فحضر يسمع، وعسى ينفعكم برأى ونصح، فأدخلوه معهم وبدؤوا يتشاورون حول كيفية التخلص من الرسول، فمن قال نحبسه فى مكان لا يعلم به أحد ويبقى فى الحبس حتى الموت، ومن قال بل نطرده من مكة، وكان الشيخ النجدى يقول لهم: ليس هذا برأى.. ليس هذا برأى، انظروا فى رأى آخر، فلما قال أبو جهل: «نختار من كل قبيلة شابًّا جلدًا نسيبًا، لهم سيوف صارمة فيضربوا محمدًا ضربة رجل واحد، فيقتلوه، ويتفرق دمه بين جميع هذه القبائل، ولن يجد بنو عبد مناف سوى القبول بالدية، لأنهم لا يقدرون على قتال جميع هذه القبائل، فقال الشيخ النجدى: هذا هو الرأى».

 

وقال ابن إسحاق «إن هذا كان إبليس لعنه الله، ظهر لهم بمظهر شيخ جليل من نجد» وهى رواية لا نصدقها، ذلك أن الشيطان لا يراه البشر، فالله يقول فى القرآن عن الشيطان فى سورة «الأعراف: 27»: «إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم»، أى أن الشيطان لا يمكن رؤيته بالعين المجردة، ولا يمكن له أن يتمثل فى صورة البشر، وهنا نرى أنه لا مانع من أن تكون شخصية الشيخ النجدى شخصية آدمية حقيقية، تخيلها أهل قريش رجلًا أسطوريًّا شيطانيًّا، ورأى مؤرخو المسلمين أنه من التقوى والإيمان والمعجزات أن إبليس تمثَّل فى صورة رجل نجدى، هذا أمر نعتقد بصوابه.

 

وما نعتقد بصوابه أيضًا فى المقابل أن العلاقة بين أهل نجد ورسول الإسلام، والإسلام نفسه، علاقة عدائية منذ البداية، فمنهم ظهر مسيلمة الكذّاب، الذى ادّعى النبوة فى عداء بدوى نجدى ضد قبيلة قرشية شبه حضرية، وفى واقعة بئر معونة، فحدث أن رجلا من نجد يُدعى «أبو براء عامر بن مالك» قدم إلى الرسول، وقال له: يا محمد، لو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد، يدعونهم إلى أمرك، فأرسل الرسول عددًا من الصحابة معظمهم من حفَظة القرآن، ففتك بهم أهل نجد، أى قتلوهم عن آخرهم، وهو ما لم يفعله غيرهم من العرب، وهذا العداء جعل من صورة الشيخ النجدى تتفق مع العداء الذى ظلت قبائل نجد تتخذها ضد الدعوة الإسلامية.
 

وعندما تحولوا إلى الإسلام، ظل إسلامهم فى صورة إيمان عدائى للمخالفين لهم فى الرأى، حدث هذا مع الخوارج القدامى، فمعظم الخوارج كانوا من قبيلة بنى تميم النجدية، الذين لا يدينون بالاعتقاد بضرورة وجود خليفة ما دام المسلمون متساوين فى الحقوق والواجبات، وسمّوا أنفسهم الشراة، أى الذين اشتروا الجنة بقتل المخالفين لهم فى العقيدة، واثنان من الإرهابيين القدامى، الذين اتفقوا على قتل علِى بن أبى طالب ومعاوية وعمرو، كانا من بنى تميم من نجد، أما الثالث فكان من قبيلة مراد النجدية أيضًا، وهم عبد الرحمن بن ملجم المرادى، والبرك بن عبد الله التميمى، وعمرو بن بكير التميمى، وجميعهم كانوا من حفظة القرآن الكريم، ولكنهم حفظوا دون فهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، ودام الحال طول عصور المسلمين، ففقه أهل البدو ينتج التشدد ثم التطرف ثم الإرهاب.

 

ونلاحظ أن أشد المذاهب تطرفا هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل الشيبانى، وشيبان فى أصلها من البادية، والأئمة الآخرون عاشوا على ضفاف الأنهار؛ مثل أبى حنيفة والشافعى، ومالك عاش فى المدينة حاضرة الإسلام، فخف عندهم التشدد، وابن حنبل أنتج ابن تيمية البدوى رغم أنه شامى المولد والنشأة، وابن تيمية أنتج الدعوة الوهابية فى جزيرة العرب فى نجد على وجه الخصوص، ومن علماء نجد خرج فكر الإرهاب المدمر، وساعدهم فى النشر سيطرتهم على الحجاز وثروة البترول، وربما ينطبق عليهم القول القرآنى فى سورة «التوبة: 98»: «ومن الأعراب مَن يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر»، والإنفاق هنا من أجل نشر التطرف والتربص وخروج داعش وإخوته. هذا والله أعلم بالنيات والقلوب ويقبل الأعذار.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات