.

ديزل محمد رمضان وصل متأخرًا

Foto

هل حاول الفيلم تقديم الأكشن بصورة مختلفة عن الشكل الهوليوودى؟ كيف نجح العمل فى الاهتمام بعناصر الفيلم وليس البطل فقط؟


حاول محمد رمضان تغيير مسار أفلام شجيع السيما التى قدمها مع السبكية، وكانت توليفة شعبية محورها الشاب الشقى، ابن الأحياء العشوائية، واختار لاحقا التنويع بأفلام أكشن تحمل موضوعات مختلفة، وبشخصيات مختلفة مثل الضابط الذى يسعى للانتقام فى «شد أجزاء»، أو الإرهابى فى «جواب اعتقال»، أو بكوميديا خفيفة من نوعية «آخر ديك فى مصر»، لكن النتائج لم تكن جيدة، وتراجعت أسهمه فى شباك التذاكر لسنوات.

 

فى ظل تصاعد النبرة الأخلاقية فى التحليل الشعبى للسينما كانت بلطجة رمضان السينمائية غير مقبولة، رغم أنها بنظرة محايدة استلهام سينمائى لواقع موجود بالفعل. من وجهة نظر فنية كان «الألمانى»، و«قلب الأسد»، و«عبده موتة»، وغيرها، أفلاما متواضعة عن واقع أصيل موجود فى الأحياء الموجودة فى خلفية ضواحى القاهرة، وكانت هناك فرصة قيمة لم يستغلها محمد رمضان والسبكية للتعبير دراميا عن هذا الواقع، الذى هو أفلام شعبية رخيصة، لكنها تحقق إيرادات قيمة.
 

تلك لم تكن مشكلة محمد رمضان وحده، فهى مزيج من رؤية مخرج ومنتج وكاتب سيناريو، وهم من صنعوا شخصية البلطجى الشعبى بالصورة الركيكة التى شاهدناها على الشاشة، وشارك فى ذلك المخرج كريم السبكى، فهو مخرج فيلم «قلب الأسد»، قبل خمس سنوات، وهو مخرج فيلم «الديزل»، وهناك عناصر مشتركة بين الفيلمين فى الجوهر، ولكن هناك فروقا كبيرة فى الشكل.
 

الفائدة التى عادت على محمد رمضان من أفلامه الأولى هى صناعة جمهور له، ينتظر أعماله، وينتظر مشاهدة «التيمة» التى تعود عليها، البلطجى الجرىء لدرجة التهور، الذى يستطيع ضرب شلة من الأعداء، مفتولى العضلات، والهروب من الشرطة، والانتقام بتمزيق جسد منافسيه بالسيف، وإلقاء النكات والإفيهات فى أثناء كل ذلك، ولا بأس من بعض الغناء الشعبى لتكتمل منظومة الفيلم الرمضانى «الممثل وليس الشهر الكريم».
 

نجح رمضان فى تقديم نوعية ناجحة تجاريا فى السينما، تُصور البطل الشعبى المحبوب، رغم أنه مجرم، وهى نوعية قدمتها السينما بتنويعات عديدة، بداية من سينما الغرب الأمريكى فى هوليوود، وسينما فريد شوقى فى مصر.
 

فى عام 1968، وفى أوج شهرة فريد شوقى، نجم الأكشن وقتها، قام ببطولة فيلم بعنوان «ابن الحتة»، إخراج حسن الصيفى، وهو يصور فى قالب كوميدى شخصية الدوبلير عاشور، دوبلير فريد شوقى، وهو ابن الحارة الشعبية البسيط، ويقوم فريد شوقى بأداء شخصيته الحقيقية. والفيلم يسخر بصورة أريحية من صورة النجم الأشهر، فنرى فريد شوقى نجما بنى شهرته على مشاهد الأكشن التى تُظهره بطلا خارقا على الشاشة، فى حين يعود الفضل بشكل كبير لبراعة الدوبلير عاشور، الذى يُخاطر بنفسه لأداء المشاهد الصعبة، ويُظهر الفيلم فريد شوقى الممثل كنجم مدلل، يعشق حياة السهر الصاخبة، ويقود سيارته بتهور، مما يتسبب فى وفاته بعد سقوط سيارته من أعلى جبل المقطم، ويتم إخفاء خبر موته، لاستكمال تعاقداته الفنية بواسطة الدوبلير، ويلعب باقى الفيلم على تيمة قيام عاشور بدور فريد شوقى أمام الكاميرا، وفى الواقع، ويصور المواقف التى يتعرض لها نتيجة اختلاف شخصية الدوبلير البسيط عن شخصية النجم الكبير.
 

يفعل محمد رمضان شيئا قريبا من هذا فى «الديزل»، حيث يقوم بدور بدر الديزل، دوبلير الممثل محمد رمضان، وفى المشاهد الأولى يقف الدوبلير فى خلفية الاستوديو بعد انتهاء المشاهد الخطرة التى قام بأدائها، يشاهد محمد رمضان الحقيقى يؤدى مشهدا رومانسيا، ويتمتم ساخرا بكل الإيفيهات التى يمكن أن يطلقها شخص ضد محمد رمضان، مُتهكما على ملايينه، وتفاخره بسياراته، وهوسه بمتابعة عدد مشاهدات كليباته على يوتيوب، وهكذا يكسر الفيلم بذكاء حاجز الغرور المتهم به رمضان، فهو بنفسه يقوم بالسخرية من نفسه، ويلقى بنفس التعليقات التى يكتبها ضده جمهور السوشيال ميديا.
 

فى هذا الجزء من الفيلم ينجح السيناريو فى إعادة تقديم محمد رمضان بنسخة السبكى القديمة، ولكن بصياغة أقل ابتذالا، وأقل رمضانية، فإفيهات رمضان وأكشنه الأوفر تم توظيفه داخل حبكة مقبولة، وما يقدمه من أكشن مُبالغ فيه فى بداية الفيلم هو جزء من فيلم يقوم ببطولته الممثل محمد رمضان، وهى سخرية أخرى مبطنة عن أفلام محمد رمضان.
 

ما يقابله الدوبلير بدر الديزل خارج كواليس التصوير حكاية أخرى، أو هكذا يبدو الأمر فى البداية، إذ ينتقل الفيلم إلى شخصيات أخرى نتعرف عليها، الممثلة دنيا الصياد «ياسمين صبرى»، وعفاف «هنا شيحة»، صديقة الديزل، وتامر هجرس، وراغب «فتحى عبد الوهاب»، وهو صاحب مكتب كاستنج، ولكنه يدير عملا جانبيا مشبوها، أو لعبة كما يسميها، وهو متورط فى قتل ممثلة ناشئة وافقت على اللعبة، ثم رفضت إكمالها.
 

التمثيل فى الفيلم متواضع بشكل عام، ويصل فى حالة ياسمين صبرى إلى مستوى الكارثة، فهى تفشل فى التعبير عن مشاعر الخوف والدهشة، بشكل مدهش، وفى الوقت الذى قدم محمد رمضان أداءه العادى بلا إضافة خاصة، جسد فتحى عبد الوهاب الشخصية بلمحات خاصة، واستخدم نبرة صوت هادئة، وحركة جسد ثعبانية، فهو شرير بعيدا عن القوالب النمطية، شخص غامض، ناعم، مهووس بمشاهدة الأفلام، ويدير لعبة خطرة، يشاهدها الأغنياء الذين يبحثون عن متعة وإثارة حقيقية.
 

جريمة القتل هى مُحرك أحداث الجزء الثانى من الفيلم، وهو الذى يكشف عن عالم آخر يديره راغب، وهو عالم قاتم وسوداوى وغامض.
 

حاول السيناريو الابتعاد عن كلاشيهات حبكات الأكشن والجريمة فى الأفلام المصرية، وهذا يُحسب له، وفى السيناريو الذى اشترك فى كتابته الثلاثى محمود حمدان وأمين جمال ومحمد محرز محاولة لنقل فيلم رمضان لنوعية مختلفة من الأكشن، وهى نوعية غير نمطية، وبحبكة درامية تعتمد على التشويق والإثارة أكثر من الضرب للضرب، وهذه النوعية هى نوعية أفلام أكشن ألعاب الموت، وتعتمد على لعبة المطاردة السريعة بين البطل والأشرار، والانتقام الدموى، ومشاهد المعارك العنيفة.
 

الأكشن الهوليوودى يُسيطر على روح مشاهد المعارك بالفيلم، وطبيعة لعبة الموت التى يديرها فتحى عبد الوهاب سبق تقديمها فى عشرات الأفلام الأمريكية، وتفصيلة حب الدوبلير بدر الديزل لكرة البيسبول الأمريكية، أمريكية للغاية، وهى مبرر ضعيف لتلقيه من الممثلة دنيا الصياد مضرب بيسبول، يصبح واحدا من أسلحته فى المعارك لاحقا.
 

باليتة ألوان الفيلم تعتمد على درجتى اللون الأخضر ونقيضه الأحمر، وهذين اللونين المتباينين نجدهما فى خلفية كل أماكن التصوير تقريبا، وهى ألوان قد تكون ملائمة لمشاهد اللعبة والملهى، ولكنها موجودة أيضا فى شقة الديزل والملهى الليلى والمستشفى وتقريبا كل مكان، بلا دلالة خاصة.
 

فى فيلم «الديزل» ألوان متناقضة، حاول الفيلم مزجها معا لتحقيق توليفة ناجحة، وهو يمزج بين سينما محمد رمضان الأولى كبطل أكشن خفيف الظل، يحمل الفيلم اسمه الحركى المميز، وينثر فى مشاهده قفشاته ولكماته وحركاته المعروفة، وهذا يضمن له إقبال جمهوره القديم وقاعدته الأصلية، ولون آخر يصبغ الفيلم بدراما غموض وجريمة مكتوبة بذكاء، فى محاولة لفتح باب جديد لجمهور الإنترنت، وجمهور يشاهد الأفلام الأجنبية، والنتيجة أن الفيلم نجح بصورة مقبولة فى هذا الجذب الجماهيرى، ولكنه أخفق فى التركيبة الفنية نفسها، فخرجت التوليفة «أكشن، عنف، جريمة، كوميديا» مصطنعة، ولكن مَعدة شباك التذاكر تهضم هذه التناقضات السينمائية، وستُعيد محمد رمضان إلى موقع مُتقدم فى شباك التذاكر: نمبر وان وربما نمبر تو، لا نعلم على وجه الدقة حتى الآن.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات