.

ظهور الصغير جِن.. أهوال ما قبل الجحيم

Foto

كيف عبرت قصة مصورة فى 300 صفحة عن رعب إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما؟ ولماذا تم بيع 10 ملايين نسخة من هذه الرواية؟ لماذا كان المجتمع اليابانى يعيش كابوسًا قبيل إلقاء القنبلة؟ وكيف كانت السلطة الغاشمة سببًا رئيسيًّا فى هذه المحنة الكبرى؟


فى حياة معظم الشعوب تظهر عادةً «محنة» كبرى، تغير من نمط الحياة إلى الأبد، لا يصبح العالم بعدها هو ذاته قبلها أبدًا، وفى الأغلب فإن هذه المحنة تتجلى فى ذروة الحروب التى تخوضها هذه الأمم؛ ألمانيا -مثلًا- لا تزال حتى اليوم تعانى محنة «النازية»، رغم كل محاولات التعافى والتسامح عن الماضى المرعب.

 

اليابان بدورها لا يزال إلقاء القنبلة النووية على هيروشيما وناجازاكى فى 6 أغسطس 1945 فى نهايات الحرب العالمية الثانية يمثل ذروة محنة الإنسان اليابانى المعاصر، والجحيم المستعر الذى لا يمكن أن يبرح ذاكرة هذا الشعب، رغم قدرتهم على العودة للحياة مجددًا وترسيخ أنفسهم فى دول العالم المتقدم مرة أخرى. دومًا هناك سؤال صعب عن الثمن الذى تم دفعه مقابل ذلك.

 

وإذا كانت نظرة الأحفاد إلى «المحنة» التى لم يمروا بها يمكن أن يكون فيها شىء من التدبر وقراءة العبر، فإن تعبير المعاصرين عن المحنة حتمًا يكون فيه شىء أصيل وحقيقى وموجع، ولعل هذا ما يظهر بقوة فى الأعمال الأدبية التى تحاول أن تستحضر ما جرى من ويلات.
 

منذ انتشاره فى منتصف السبعينيات، فإن فن «المانجا» اليابانى -القصص المصورة بخطوط الأبيض والأسود والظلال فقط- باعتباره واحدًا من أكثر الفنون المقروءة هناك، وجد نفسه مطالبًا بأن يعبّر عن محنة «القنبلة النووية»، ذلك أنها تقريبًا قضت على مجتمع يابانى، ومهدت الطريق لظهور يابان جديدة غير يابان الحرب العالمية الثانية بكل ما فيها من طموحات استعمارية وتعطش عجيب للحروب والدماء.
 

بدا -إذن- وكأن الشعب اليابانى فى محاولة التطهر عن الماضى المؤلم والتسامى فوق آلام القنبلة الذرية وجحيمها، يميل إلى التعبير عن ذلك فى واحد من أكثر فنونه شعبيةً وانتشارًا وتأثيرًا، وهو فن القصص المصورة «المانجا».
 

ظهرت رواية «جن الحافى» فى منتصف السبعينيات، وكعادة القصص المصورة حينها نُشرت مسلسلة فى مجلة أسبوعية يابانية متخصصة فى فن المانجا، لكن تفرد الرواية المصورة وتميزها وقوة بنائها الدرامى وخطوطها المرسومة، إضافةً إلى انتقادها للواقع اليابانى فى زمن الحرب العالمية الثانية، وكيف كانت الديكتاتورية والطغيان سببًا رئيسيًّا فى جلب جحيم القنبلة الذرية للبلاد- صنع لسلسلة «جن الحافى» جماهيرية كبيرة تجاوزت حتى الحدود اليابانية، حتى إن السلسلة التى صدرت منها 10 كتب مصورة متوسطة الحجم، بيع منها حتى اليوم 10 ملايين نسخة، وترجمت لأكثر من 20 لغة، وأخيرًا وعبر خطوة جسورة لـ«مركز المحروسة للنشر» أصبحت اللغة العربية رقم 21 التى يمكن بها قراءة «جِن الحافى» مترجمة مباشرة عن اليابانية، بترجمة ماتعة للأستاذ الدكتور ماهر الشربينى، وهى خطوة كبيرة جدا فى نشر وتوسيع دائرة قراءة القصص المصورة الموجهة للكبار، وقد ظهرت ثلاثة أجزاء من «جن الحافى» دفعة واحدة على أن تصدر باقى أجزاء السلسلة العشرة لاحقًا.
 

يروى «ظهور الصغير جن» وهو الكتاب الأول فى سلسلة «جن الحافى»، التى كتبها ورسمها ببراعة مذهلة اليابانى ناكازوا كيجى، الذى عايش تجربة القنبلة الذرية المروعة وفقد أسرته بالكامل فيها- قصة المجتمع اليابانى فى منتصف الأربعينيات، عبر تتبع حياة الطفل «جن» ذى الست سنوات، ابن الأسرة اليابانية التقليدية العادية التى تعيش فى هيروشيما فى ظل الحكم الإمبراطورى اليابانى المولع بالديكتاتورية والحروب فى آن واحد، وكيف سيؤدى ذلك إلى أن تدفع أسرة «جن» وكل الأسر اليابانية المسالمة العادية ثمن جنون الحكام حينما تسقط القنبلة الذرية لتنسف حياتهم حرفيًّا.
 

تبدأ «ظهور الصغير جن»، الصادرة فى 300 صفحة من القطع المتوسط، باستعراض لعالم الطفل جن وسط أسرته، حيث يخرج برفقة إخوته ووالده إلى حقلهم لزراعة القمح، وحيث يخبره والده بأهم درس سيتعلمه فى الحياة «يجب أن تظل جذور براعم القمح مغروسة فى الأرض بقوة من أجل تحمل قسوة برودة الصقيع والثلوج المتساقطة، ومن أجل ألّا تطيح بها الرياح القوية ومن أجل أن تنمو إلى أعلى قوية ومستقيمة الشكل وتثمر ثمارًا جيدة». سيدرك جن لاحقًا أن هذا ليس درسًا فى زراعة القمح فحسب، وإنما فى بناء الإنسان، خصوصًا حينما تتوالى عليه المحن والنكبات.
 

تستعرض الرواية المصورة ببراعة ودراما محكمة تلك الأهوال التى عاناها الإنسان اليابانى قبل أن يستقبل الجحيم الأكبر المتجسد فى القنبلة النووية، وكيف استحال المجتمع اليابانى داخليًّا إلى مجتمع متقاتل يأكل نفسه، حيث يصبح كل معارض للحرب «خائنًا للوطن»، ينبغى ليس فقط نبذه وإنما الاعتداء عليه وحرمانه من كل حقوق الحياة إذا لزم الأمر.
 

يظهر «تاكاؤ» والد «جن» رافضًا للحرب بقوة، ورغم الجو البوليسى المرعب المعتمد على التخوين والوشاية حينها، فإنه يتحول تدريجيًّا إلى المجاهرة بكراهيته ورفضه الحرب، ما يجعله هدفًا للهجوم من رئيس الحى الذى يجيش ضده المشاعر فيتهجم الناس عليه وعلى أبنائه ويصفونهم بأنهم «أبناء الخائن»، لدرجة تدفع ابنه الأكبر «كوجى» إلى التطوع فى القوات البحرية حتى ينزع صفة الخيانة عن أسرته، وهو ما يمثل صدمة وأزمة كبيرة للأب، ويخبره ساخطًا بأن الذهاب إلى الحرب ليس هو العمل الشجاع، وأن الحفاظ على حياته وحياة الآخرين هو أشجع الأعمال «كن جبانًا أو خائفًا، المهم أن تظل حيًّا».
 

الحرب فى رأى «تاكاؤ» هى حرب صنعها رجال الأعمال اليابانيون حتى يحصلوا على ثروات الدول المجاورة، بينما الشعب وحده الذى لا يجد قوت يومه حرفيًّا هو الذى يدفع الثمن. ويتجلى ذلك فى العديد من الملامح بالفعل؛ مثل حرمان الشعب من أكل «الأرز» -الوجبة الرئيسية هناك- حتى يتم توفيره للجنود على الجبهة، وتنازل المواطنين عن أوانى الطبخ حتى يصنعوا منها سفنًا ودبابات حربية! ونقل العديد من التلاميذ إلى مصانع الأسلحة ليعملوا فيها بدلًا من التعلم، ومَن بقى منهم فى المدارس فإنه يتعلم عبارات مثل «جلالة الإمبراطور هو إله اليابان، جميعكم أبناؤه، وإذا أمركم بشىء فعليكم أن تطيعوه حتى لو ضحيتم بأرواحكم».
 

اللوحات المنتشرة فى خلفيات الأحداث تكشف عن كيف كان المجتمع اليابانى يعيش كابوسًا بالفعل حتى من قبل وقوع القنبلة، فى الشارع نقرأ عبارات مثل «التبذير عدو»، «اقتلوا الأمريكان الأنجاس» بل حتى لوحة إعلانية معلقة مثل «مانكنن.. دواء لجميع الأمراض» تكشف عن كيف تحول المجتمع اليابانى إلى مجتمع متدهور ومريض!
 

أشد مقاطع «جن الصغير» الكابوسية هى تلك التى يستعرض فيها المؤلف حالة التوحد الجنونى مع «الإمبراطور»، فمع هزائم اليابان المتوالية فى منتصف 1945، صدرت التعليمات الإمبراطورية للشعب بتفضيل الموت على الاستسلام، وهكذا كانت الأم اليابانية تحتضن بناتها وتلقى بنفسها وبهن جميعًا فوق الصخور لتتكسر عظامهن جميعًا بديلًا عن الاستسلام والوقوع فى أسر الأمريكان. المرعب أن هذا كان يتم على وقائع أغنية تمجد ذلك «لو مت فى البحر سوف تغرق/ جثتى فى الماء ثم تطفو/ لو مت فى الجبل/ سيغطى العشب جثتى الملقاة على الأرض/ ولكن إذا مت للإمبراطور/ لن أندم أبدًا»!
 

وتتتبع الرواية جانبًا إنسانيًّا موجعًا لـ«الطيارين الانتحاريين»، إذ نرى أحدهم قبل قيامه بمهمته بأيام وهو متوتر وعصبى وعلى شفا الجنون، يشرب الخمر بشراهة مُودّع، وينصح «كوجى» بالهرب من المعسكر، بل يعرض عليه أن يقطع له ساقًا أو يدًا حتى يتم استبعاده من الالتحاق بالجيش، ناصحًا إياه: «عِش وكن حرا وافعل ما لم نستطع أن نفعله نحن، تزوج الفتاة التى تحبها وكوِّن أسرة واستمتع بالحياة.. هكذا يجب أن تعيش».
 

كان القادة اليابانيون منزوعى الرحمة حينما ابتدعوا سلاح «الطيار الانتحارى»، إذ كانوا ينزعون من الطائرة، التى ستقوم بالمهمة، المدفع الذى يمكن للطيار أن يدافع عن نفسه به، ويضعون وقودًا يكفى لرحلة الوصول للهدف فقط وليس للعودة، بل كانوا يضعون حول جسم الطيار نفسه حزامًا مليئًا بقنابل ناسفة!
 

وسط كل هذا الجحيم كان «جِن» محتفظًا بمرحه الطفولى ومنطقه البرىء، يحاول أن يتغلب على جوعه بأكل البطاطا، يقدم بعض ألعاب الحواة فى الشارع لجلب المال لأمه وأبيه، يكتب برفقة شقيقته حرف «P» كبيرًا أعلى منزلهم، بعدما أدركوا أن ذلك الحرف أشبه بشفرة يكتبها الأسرى الأمريكيون على أماكن سجنهم، حتى لا تقصفه الطائرات الأمريكية فى غاراتها المستمرة على اليابان، لكن «جن» استيقظ ذات يوم على جحيم مستعر. لقد سقطت القنبلة الذرية على مدينته هيروشيما، نجا «جن» بأعجوبة حينما كان فى مدرسته، وعاد مهرولًا إلى بيته، ليجد أباه وشقيقته وشقيقه الأصغر محشورين أسفل أنقاض المنزل وتحاصرهم النيران، لم يجد مَن يساعده فى إنقاذهم، وشاهد هو وأمه، التى كانت حاملًا فى أيامها الأخيرة، والده وأشقاءه يموتون حرقًا أمام أعينهم، وفى نفس اللحظة وتحت وطأة الانفعالات العصبية التى مرت بها، هاجمت أمه آلام الولادة، ووجد «جن» نفسه مضطرا إلى أن يجلب أدوات ولادة من البيوت المتحطمة، ويقوم هو بنفسه بتوليد أمه. جاءت طفلة جديدة -إذن- من رحم الجحيم حرفيًّا، وحينها أمسكت الأم بوليدتها ورفعتها لأعلى أمام عيون «جن» الملتاعة لتجعلها تشاهد الدمار والنار التى تأكل بلادها صارخةً فيها: «عندما تكبرين لا تسمحى بحدوث ذلك مرة أخرى».
 

المشكلة أن صرخة والدة جن لا تزال تدوّى منذ هذا التاريخ الدموى، بينما الجحيم لا يزال مستعرًا فى العالم من حولنا وكأنه لا ينتهى أبدًا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات