.

يا أيها المتحرشون.. سفوخس عليكم!

Foto

لماذا تحفزت فتاة التجمع للمتحرشين؟ لماذا تحمل الفتيات أسلحة لمواجهة التحرش؟ هل المجتمع يعلم شيئًا عن عقوبات التحرش فى القانون؟ متى تسير الفتيات بأمان فى شوارع مصر؟


 

«تشربين معى القهوة؟».. سيخطر ببالك سريعًا الفيديو الشهير الذى سجلته فتاة التجمع الخامس ونشرته عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعى لتوثق وتُدين ما اعتبرته حالة تحرش صريحة، ولكن -للأسف- السحر انقلب على الساحر، وفجأة تحوَّل المتهم بالتحرش إلى «تريند» يتم تداوله والاستشهاد بمقولته.

 

بطل الفيديو أيضًا شارك بنفسه فى التريند، تلك المشاركة التى يجب الوقوف أمامها قليلًا، فهذا المدعو فى نفس يوم نشْر الفيديو نشرَ فيديو آخر يبرر فيه موقفه ويوضح بمنتهى الهدوء أنه لم يقصد أى تحرش، ثم توالت فيديوهات هذا الشخص التى يتهكم فيها بشكل مباشر على الفتاة، بل ويجسد مشاهد سخرية من الواقعة مع فتيات أخريات رحبن بشُرب فنجان القهوة معه!
 

تلك الواقعة وما تبعها من ردود أفعال جسدت «تابلوه» من الجهل والعبث، فإذا اعتبرنا مثلث الواقعة يتكون من أضلاع «الفتاة والشاب والمجتمع» فنحن -إذن- أمام مجموعة من التصرفات الخاطئة التى تنم عن جهل فاضح وتحفُّز وقبح وابتعاد حلم دولة الحقوق والحريات التى تحكمها القوانين.
 

واقعة التجمع فجّرت الانفعال الكامن داخل نفوسنا، ففى البداية الفتاة استخدمت سلاح التشهير فى مواجهة التحرش، وسرعان ما اتجهت إلى تصوير مَن تعرض لها وشهَّرت به على صفحات التواصل الاجتماعى، ثم نشر المواطنون الفيديو كما تنتشر النار فى الهشيم ترسيخًا لمبدأ «أخذ الحق صنعة»، وطائفة ليست بالقليلة استخدمت نفس سلاح التشهير وسمحت لنفسها باقتحام حياة الفتاة الخاصة، وتداول صوَرها والتعليق على انفتاحها الزائد، وكأن التحرش حلال فيها!
 

استكمالًا للقبح، فالشخص الذى يدّعى بعض المتضامنين معه أنه اعتذر للفتاة وانسحب، ومن ثم لا حرج عليه، هو أكثر المستفيدين من الواقعة حتى الآن، فهو استغل الواقعة للترويج لنفسه ونشر فيديوهاته وتجسيد الواقعة بشكل ساخر سخيف لا يمُت للكوميديا بصِلة، ولكنه يعد إجرامًا ربما يفوق جريمة التحرش التى اُتُّهم بها.
 

من الواقعة.. نقف أمام عدة أسئلة رئيسية بالتفكير والتحليل: لماذا كانت الفتاة بهذا التحفز؟ لماذا لجأت إلى سلاح التشهير فى مواجهة التحرش؟ لماذا هناك مَن تضامن مع الشاب؟ ما دلالة استغلال الشاب الواقعة وتسجيله فيديوهات ساخرة؟ ما الحل حتى لا تتكرر هذه الواقعة؟
 

أولًا: لماذا كانت الفتاة بهذا التحفز؟
 

باختصار، حياة الفتيات اليومية فى شوارع مصر أصبحت أشبه برحلة محفوفة بالمخاطر، كل الفتيات بمختلف المستويات والأعمار أصبحن هدفًا مُغريًا لعديمى الرجولة، هؤلاء الذين أعطوا لأنفسهم الحق فى التمعن فى أجساد الأخريات ولمسهن، ونصّبوا أنفسهم آلهة يحكمون على الأخريات ويقيّمون أزياءهن، ويعتبرون التحرش حلالًا فى بعضهن.. فكيف لا تتحفز المرأة لمواجهة هؤلاء المتحرشين؟
 

أفكار المجتمع حتى الآن لم تعطِ الفتاة حقها، فالعقلية الذكورية المتعصبة تقف حائلًا بين الفتاة وأحلامها، والغالبية من أبناء المجتمع تؤمن بأن «الست ملهاش غير بيت جوزها» بل وتسَفِّه من نجاحات المرأة فى المجالات العلمية والعملية، وتفرض القيود على المرأة المستقلة أو المطلقة أو الأرملة أو المغتربة، فالمرأة المصرية تعيش صراعًا من أجل الاختفاء عن أعين الناس، وتستيقظ كل يوم حاملةً هَم رحلة المشقة فى شوارع المحروسة، تهرب من النظرات السافرة والألفاظ الخارجة والتلميحات الإباحية الصريحة، وتفقد الأمل فى أية مساعدة من أبناء المجتمع المتخاذل الذى يلقى باللوم دائمًا على خطوتها أو ضحكتها أو زيّها.
 

جميعنا ندين التحرش ونشجبه ولكننا كذكور لم نجرب آلامه النفسية، التحرش مسرحية طويلة مؤلمة وبشعة، ومع كل فصل من فصولها يزيد ألم المرأة، وكثرة الألم تولد العنف ومن ثم تهدد الانتماء، فالحقيقة هى أن التحرش والضغوط التى تتعرض لها المرأة بشكل شبه يومى شىء أشبه بالقنبلة الموقوتة التى عندما تنفجر تهدد صلب المجتمع ككل.

 

ثانيًا: لماذا لجأت الفتاة إلى سلاح التشهير فى مواجهة التحرش؟
 

الفتيات الآن يبحثن عن سلاحهن قبل النزول إلى الشارع، فيحملن صاعقًا كهربائيًّا أو بخاخًا حارقًا، وكذلك أيضًا فعلت فتاة التجمع، حملت الهاتف المحمول كسلاح فى يدها، واعتبرت نشر الفيديو هو أداتها لمواجهة المتحرش، وبغض النظر عن مدى سلامة الأداة، فإن عاصفة الغضب التى واجهت الفتاة لم تكن لِتواجهها إذا استخدمت «سيلف ديفينس» أو صاعقًا كهربائيًّا.
 

كما أن الفتاة لم تكن لتلجأ إلى هذا السلاح إذا توفر لديها ملاذ قانونى ومناخ آمن، فرغم أن قانون العقوبات فى المادتين 306 مكرر «أ» و306 مكرر «ب» يقر بجريمة التحرش ويعاقب عليها، فإن ثقافة المجتمع حتى الآن لم توفر مناخًا آمنًا لتنفيذ هذا القانون، فضلا عن التكثيف الأمنى الذى لا يظهر سوى فى الشوارع أيام الأعياد فقط، فكيف تأخذ الفتاة حقها بالقانون؟ هل يتعاون المارّة فى الظفر بمتحرش وتسليمه إلى قسم الشرطة مثلما يحدث مع حرامية الشنط والموبايلات؟ أم يعتبرون الفتاة التى تواجه متحرشًا تجهر بمعصية وتفضح نفسها؟!
 

الأزمة فى ثقافة مجتمع تعمد غَض بصره عن التحرش والمتحرشين؛ وبناءً عليه نفدت طاقة كثير من الفتيات اللاتى قررن استخدام سلاحهن الخاص.
 

السوشال ميديا أيضًا وفرت منبرًا لكل مستخدم، ما جعل التشهير أكثر سهولةً وأوسع انتشارًا، فعلى سبيل المثال؛ البعض يحذر من طبيب معين أخطأ فى تشخيص حالة، أو مطعم أساء معاملة الزبائن، فلم يكن غريبًا أن تلجأ إليه فتاة لمواجهة التحرش، ولكن السؤال هل ينجح التشهير دومًا فى مواجهة القبح والخطأ؟
أؤمن أن مواجهة القبح لا يجب أن تكون بالقبح أيضًا، ونجاحات السوشال ميديا فى معارك التشهير والتحذير معدودة؛ لذلك يجب أن تكون صفحات التواصل صافرة إنذار يتبناها المجتمع، وتطبق أجهزة الدولة القانون بصددها.

 

ثالثًا: لماذا هناك مَن تضامن مع الشاب؟
 

البعض تضامن مع بطل واقعة القهوة لكونهم على قناعة بأنه لم يخطئ من وجهة نظرهم، بينما تضامن البعض الآخر معه كرهًا للفتاة، فهناك من انتقد صورها الخاصة وأزياءها؛ لذلك وجد أن من الطبيعى تعرضها لمعاكسة عابرة أو تحرش، وهنا نلتمس الخلل فى المفاهيم. التحرش جريمة، والمعاكسة العابرة جريمة، والتعرض لحرية الآخرين جريمة، وتداول صورهم دون إذنهم جريمة أيضًا، هذا هو المفهوم الذى يجب نشره وترسيخه.

 

رابعًا: ما دلالة استغلال الشاب للواقعة وتسجيله فيديوهات ساخرة؟
 

لولا تضامن مَن سبق التحدث عنهم مع الشاب لَما كان تجرأ وظهر مرة أخرى ليسخر من الواقعة التى اُتهم فيها بالتحرش، فهو لم يعتذر أو يعتبر نفسه مُخطئًا، ولكنه سرعان ما ركب الموجة واستغل التريند فى الترويج لنفسه والتسفيه مجددًا من الفتاة وكل مَن تضامن معها. ومن هنا نستنتج أن الخطر لن يقل ما دام هناك من يؤيد الخطأ ويلتف حوله ويضعه فى قالب آخر.
 

ترويج الشاب لنفسه واستغلاله الواقعة لصالحه أمر يستحق موجة موازية تنبذ هذا الترويج وتقف أمامه وتوضح مفهوم التحرش ومقاومته.

 

خامسًا: ما الحل حتى لا تتكرر هذه الواقعة؟
 

من كل ما سبق نجد أن الحل فى التنوير والدفاع عن حقوق الإنسان، ومواجهة الأزمة ببحثها وتحليلها واستخدام سلاح التنوير لا سلاح التشهير، الحل يوجد بداخل كل مَن شاهد الفيديو أو شاهد جريمة تحرش يومًا ما، الحل يكمن فى كل من يثور وينتفض لمواجهة القبح ويرفض التخاذل، الحل يكمن فى كل من يحترم حق الإنسان فى الحرية ولا يتفنن فى إصدار أحكام واهية على البشر، الحل داخل كل شخص يحترم قيمة المرأة وحقها فى الحياة، الحل فى دولة تحترم حقوق الإنسان وتطبق القانون على الجميع، وتكمم الأبواق التى تسفّه من المرأة وتتدخل فى شؤونها وتعتبرها محض أداة لإمتاع الرجل.
 

صحوات أجهزة الدولة السابقة فى مواجهة التحرش أمر يثير الخزى، فكل صحوة لم تلبث أن تؤدى غرضها؛ وعلى سبيل المثال زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسى بعد أيام من توليه الرئاسة فى يونيو 2014، لضحية التحرش بميدان التحرير، عندما قال: «لن نقبل بحالة تحرش واحدة، وإحنا كدولة مش هنسمح بكده تانى، وهيكون لنا إجراءات حازمة تجاه هذه الظاهرة»، فى ذلك الحين كان الرئيس يمتلك فرصة تاريخية لمواجهة التحرش والقضاء عليه، وبالفعل ارتفع عدد محاضر التحرش فى الأقسام وزادت القضايا أمام المحاكم، ولكن عادت مصر إلى عادتها القديمة، وظهر المتحرشون مجددًا وكأن هذه الظاهرة غير الإنسانية ليست من أولويات الدولة!


أخيرًا، لم أتطرق فى ما مضى لفتاة الواقعة، فهى -شئنا أم أبينا- ضحية مثل بقية الضحايا اللاتى يتعرضن للتحرش والمعاكسة وانتهاك الحرية يوميًّا، ولكن جميعًا يجب أن نعلم أن التقدم يُقاس بحرية المواطنين واحترام خصوصيتهم، ونسب التحرش التى تغض الدولة النظر عنها فى ازدياد، وتنم عن تقاعس فى التحرك تجاه هذه الأزمة القديمة والحالية والممتدة للأسف.
لذلك.. ثوروا فى وجه القبح بكل أشكاله، وانتفضوا من أجل التحرش بدلًا من أن تنتفضوا من أجل زى المرأة وصوتها وابتسامتها وحساباتها على مواقع التواصل الاجتماعى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات